كتاب وادباء

– 6 أفلا يتدبرون القرآن ؟؟؟ . . . . . . . . . . . . ليلة القدر ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ؟

 – 6 أفلا يتدبرون القرآن ؟؟؟

بقلم الكاتب

محمد أبوغدير المحامي

 محمد ابو غدير المحامى

. . . . . . . . . . . . ليلة القدر ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ؟ 

قال الله تعالى : ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ 5 ) . 

تتحدث هذه السورة عن ليلة الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته ودلالته ، وفي آثاره العظمة في حياة البشرية جميعا التي لا يحيط بها الإدراك البشري ، إنها ليلة القدر ، فمذا حدث فيها إبتداء ، وما وقت حدوثها اللاحق ، وما قدرها وخصائصها ، وكيف ندركها ونلتمس نفحاتها ؟ ؟ ؟ ؟

هذا هو الآتي بيانه :

أولا : ليلة القدر نزل فيها القرآن الكريم : 

( إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ … ) 

يقول الإمام ابن كثير :

يخبر الله تعالى أنه أنزل القرآن ليلة القدر وهي الليلة المباركة التي قال الله عز وجل “إنا أنزلناه في ليلة مباركة” وهي ليلة القدر وهي من شهر رمضان كما قال تعالى “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن
وروى ابن إسحاق أن أول الوحي بمطلع سورة العلق كان في شهر رمضان , ورسول الله [ ص ] يتحنث في غار حرا ء .

قال ابن عباس وغيره أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى معظما لشأن ليلة القدر التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها. 

ثانيا : ما معنى القدر الذي سميت به الليلة وما وقتها ؟ 

 (  2  وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ  ) 

أ – ما معني القدر ؟ 

القدر” الذي سميت به هذه الليلة الشريفة له ثلاثة معان كلها من سمات هذه الليلة ، بيانها في الآتي : 

القدر بمعني التقدير :

ولأن هذه الليلة الشريفة تقدر مقادير الخلائق ، وهو التقدير السنوي الذي يكون بين يدي الملائكة الكرام عليهم السلام كل عام في ليلة القدر إلى التي تليها من العام الآخر، مصداقا لقول الله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} الدخان:4 ، وقد قررت فيها من أقدار أكبر من أقدار الأفراد . أقدار أمم ودول وشعوب . بل أكثر وأعظم أقدار حقائق وأوضاع وقلوب

وهناك تقدير عام سابق غير هذا التقرير السنوي كان قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. 

. 2القدر بمعني الشرف وعلو المنزلة:

لأن الله تعالى شرف هذه الليلة أن أنزل فيها افضل الكتب وخاتمها وهو القرأن الكريم، وجعلها خيرًا من ألف شهر ، لأن القرآن يحمل منهج حياة للبشرية جمعاء وهو معجزةً باقية على تطاول الأزمان، واتساع الأوطان ، لأنه لم يترك جانبًا من جوانب الحياة المتعلقة بالإنسان إلا أتى عليه ، ورسم له المنهج الصحيح؛ ليسير على هديه، ويستضيء بنوره. ولقد رسم لنبيه آدم ما يصلحهم في الحياة الدنيا، وما يجلب لهم المثوبة في الآخرة. 

. 3القدر بمعنى التضييق : 

فهذه الليلة الشريفة يكثر فيها تنزيل الملائكة الكرام عليهم السلام إلى الأرض حتى تضيق بهم، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: “إن الملائكة تنزل تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى”، “راوه الطيالسي وأحمد وصححه ابن خزيمة“.

ب – ما وقت ليلة القدر ؟ 

أنها ليلة من ليالي رمضان : كما ورد في سورة البقرة: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن , هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان).

وتقع في الأوتار من العشر الأواخر من رمضان ، أي ليالي إحدى وعشرين ، وثلاث وعشرين ، وخمس وعشرين ، وسبع وعشرين ، وتسع وعشرين ، ليلة القدر متنقلة في الوتر ولهذا يشرع تحريها في جميع العشرة ، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( التمسوها في العشر الأواخر ، في الوتر) رواه البخاري ومسلم . 

مَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ

ثالثا : خصائص ليلة القدر  : 

  (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ  (5  )

فضلا عن أن هذه الليلة هي ليلةٌ مُبارَكةٌ كثيرةَ الخير والفضلِ والثواب ، وأن الله تعالى أنزل فيها القرآن الكريم ، فلقد خصها الله تعالى بخصائص أخرى تضمنتها باقي آيات السورة وهي : 

. 1أن العملَ فيها خير مِن العملِ في ألفِ شهرٍ : كمَا قالَ تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر:3]، وهذا يعادل أكثر مِن ثلاثٍ وثمانين سنة. 
قال سفيان الثوري: بلغني عن مجاهد ليلة القدر خير من ألف شهر قال: عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر .

وقال صاحب الظلال : العدد لا يفيد التحديد . في مثل هذه المواضع من القرآن . إنما هو يفيد التكثير . والليلة خير من آلاف الشهور في حياة البشر . فكم من آلاف الشهور وآلاف السنين قد انقضت دون أن تترك في الحياة بعض ما تركته هذه الليلة المباركة السعيدة من آثار وتحولات . 

. 2أن الملائكة تتنزل فيها إلى الأرض : كما قال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}[القدر:4]، أي يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم تعظيماً له.

أما الروح فقيل: المراد به ههنا جبريل عليه السلام، فيكون من باب عطف الخاص على العام . 

 . 3أنها ليلة سلام :كما قال تعالى : {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر:5]، يعني هي خير كلها ليس فيها شر إلى مطلع الفجر، وأمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة، كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة ساجية لا برد فيها ولا حر، والشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال في ليلة القدر: (ليلة سمحة طلقة لا حارة ولا باردة وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء) “”أخرجه الطيالسي

ونور الفجر الذي تعرضه النصوص متناسقا مع نور الوحي ونور الملائكة , وروح السلام المرفرف على الوجود وعلى الأرواح السارية في هذا الوجود:(سلام هي حتى مطلع الفجر  .

. 4أن من صلى ليلتها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ، لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم : «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه .

ويقول صاحب الظلال : والمنهج الإسلامي في التربية يربط بين العبادة وحقائق العقيدة في الضمير , ويجعل العبادة وسيلة لاستحياء هذه الحقائق وإيضاحها وتثبيتها في صورة حية تتخلل المشاعر ولا تقف عند حدود التفكير.

وقد ثبت أن هذا المنهج وحده هو أصلح المناهج لإحياء هذه الحقائق ومنحها الحركة في عالم الضمير وعالم السلوك . وأن الإدراك النظري وحده لهذه الحقائق بدون مساندة العبادة , وعن غير طريقها , لا يقر هذه الحقائق , ولا يحركها حركة دافعة في حياة الفرد ولا في حياة الجماعة .

رابعا : كيف ندرك ليلة القدر ونلتمس نفحاتها ؟ ؟

ليلة القدر متنقلة في الوتر ولهذا يشرع تحريها في جميع العشر وليالي الأوتار آكد وأولى بتحريها للاجتهاد فيها بالطاعات كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك لعله أن يوافق هذه الليلة المباركة، فيتضاعف أجره وعمله ومما يشرع في هذه الليالي: 

 . 1الحرص على الفرائض في سائر الأيام العشر الأواخر وعدم التفريط فيها ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ الله تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيهِ وَمَا زَالَ عَبْدِي يَتَقَّرَبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أَحْبَبْتُهُ، فَكُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المؤمِنِ يَكْرَهُ الموتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ». أخرجه البخاري. . 

. 2إكثار من ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن الكريم , أن لشهر رمضان الكريم شهر الصيام والقيام خصوصيةً بالقرآن؛ فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم هدًى للناس؛ يقول الله – تعالى -: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185]. 

 . 3إكثار من الدعاء، ومن أحسنه الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث قالت: يا رسول الله، “أرأيت إن وافقت ليلة القدر بم أدعو؟” قال: “تقولين: اللهم إنك 
عفو تحب العفو فاعف عني” “رواه أحمد والترمذي وابن ماجه“.
 

. 4الحرص على الاعتكاف هذه العشر أو بعضها ما أمكن ، فقد ذهب الفقهاء إلى أنّ الاعتكاف في رمضانَ، في العشر الأواخر منه : سنّة مؤكّدة، لمواظبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم عليه، كما جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها- «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتّى توفّاه اللّه تعالى، ثمّ اعتكف أزواجه من بعده» . 

. 5الحرص على قيام الليل في هذه الليالي المباركة فإن من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه.

فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قال: “ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا“. 

وتجوز صلاة الليل في أول الليل ووسطه وآخره، وأفضل أوقاتها ثلث الليل الأخير، فعن عمرو بن عبسة قال: سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل الأخير، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن“.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى