سيدتي

يعاقبه المجتمع بخطيئة أبويه! لماذا لا ترعى في بيتك طفلاً مجهول النسب؟

عندما بدأت أتحدث عن احتضانِ مجهولِ النسب بادرني أحدهم بآيات عن
تحريمه، وذلك لاختلاط مفهوم الاحتضان بمفهوم التبني المحرَّم في الدين الإسلامي.
إن الاحتضان لا يعني تغيير اسم الطفل وإثبات نسبه لأب غير أبيه البيولوجي،
الاحتضان هو أن تعطي طفلاً حُرم من العائلة بغير ذنبٍ حضناً دافئاً يعوِّضه عن
خطيئة لا شأن له فيها، أو ظرف قهري أخذ منه والديه، فمن منا استيقظ على هذه الدنيا
واختار والديه ونَسَبه؟

فتح عينيه وجد نفسه إنساناً يملك ضحكة جميلة
وعيوناً براقة تشعُّ بالأمل، في بيئة لا يعرف لماذا ترفضه.. إنه يمدُّ ذراعيه لكم ليحظى بضمَّةٍ مثل التي
تمنحونها لأطفال تحبونهم، لماذا تكسرون ذراعيه وتجرحون صدره المفتوح لكم؟! ذات يوم
كان نطفة، وعندما خرج للحياة، أول ألمٍ حظي به هو انتزاعه من حضن أُّمٍّ متلهفة
لرؤيته، وثاني ألمٍ غيابُ أبٍ يحلم به كسَنَدٍ يفخر به، ويشدّ عضده. 

إنَّ هذين أَلَمين سيرافقانه إلى آخر يوم في حياته، ولا يدري معنى
الألم إلا صاحبُه، ألم كأوجاع مرض عضال بغير دواء، مهما حاولتَ مواساته فلن يسكن
الألمُ، لأننا لا نحتويه، ونخاف منه ومن جيناته، كأنَّ جيناته ستكبر وتتحول إلى
وحش مجرم، ما دخل الجينات؟! إننا نسمع عن أبناء يسيئون إلى آبائهم بأفظع الإهانات
والذل وهُم من صُلبهم، إنها التربية والاحتواء، هما اللذان يجعلان منهم أشخاصاً
صالحين، لا دخل لهم بما كان عليه آباؤهم البيولوجيون الذين تخلوا عنهم قهراً أو
تقصيراً.

مجهول النسب يعاقَب بيننا كأنه الخطيئة الوحيدة في
مجتمع مثالي، ولا المجتمع مثالي ولا هو الخطيئة الوحيدة، نتألَّه بنسبنا ونستقوي
عليه، وإذا ما أخذ أحدهم حقاً منه، سكت لأنه ليست لديه عائلة تفزع له، حتى في
مواقع التواصل الاجتماعي لا يعبّر عن نفسه بصراحة، فما من بالغٍ مجهول النسب يقوى
على الإفصاح بذلك.

ما الفرق بين مجهول النسب واليتيم؟ صادفتُ عائلةً احتضنت طفلتين، في
كل مناسبة يقول الوالدان إنهما يعرفان نسبهما، فلا يتركان مناسبة ولا فرصة حتى
يردِّدا أنهما معروفتا النسب، تُرى ما الفرق؟ إنني أخجل حتى من سؤاله: ما الغرض من
توضيحك أنك تعرف نسبهما، كلتاهما يتيمة، فمجهول النسب أيضاً يتيم الأبوين وفقدانه
أكبر، لا ندري ظروف والدَيه، من الممكن أن تكون الحياة قَسَتْ عليهما وجعلتهما
يتخلَّيان عن تلك الابتسامات والمناغاة والبراءة الرضيعة.

أول ما علَّمنا إياه أهلُنا أصلُنا ونسبُنا، وأولى مشاكل دَخَلْنا
بها في المدرسة كانت لأجل النسب والأصل، ما الذي جنيناه؟ وبمَ تفوقنا عليهم؟
ابتعَدوا عنَّا وأخذوا جانباً لهم، في النهاية كبرنا ودرسنا ونجحنا معاً لا فرق
بيننا وبينهم. 

في كثير من المرات لا يستوعب المعلمون حساسية الاسم، فيبادرونهم
بنظرات محرجة، إذا كان الطفل يعرف أنه مجهول النسب تضيع عيونه بين الطلاب، وإذا لم
يكن يعلم ترى نظرة استفهام على وجهه.. هو ليس ابن حرام، ابن الحرام هو من ساءت
أخلاقه وآذى الناس، أما هم فأحباب الله وهُم الإنسان خليفته في الأرض ليعمِّرها
ويبنيَها، هُم براعم صغيرة رقيقة الشفاه تتوه باحثة عن حضن يغذيها، فتفوح رائحة
الحب والحنان شذيَّة كبراعم نوار الليمون، أولى لياليها تنعش القلب. أنعِشوا
قلوبكم بقُبلاتهم وآمالهم، اتركوا عيونكم تراقب نظراتهم وسيُسعدكم ما ترونه فيها
من الحب والتعلق، يتعلمون معكم أبجديتكم، ويرثون أخلاقكم وعاداتكم وجميع ما ترغبون
في تعليمهم إياه. إنهم أوراق بيضاء اكتبوا عليها ما تحبون، يولد مجهول النسب بكَسر
في القلب يكبر بسنوات عمره، فاجبروا كسر قلبه.

قبل أن تفكر في الاحتضان اسأل نفسك: هل تستطيع القيام بمسؤوليته وتربيته
وجبر قلبه؟ هو ليس لعبة أو دُمية تحتضنه فترة ثم تعيده إلى دار الرعاية، فيتعلق بك
ويشعر بدفء العائلة ثم تتركه كأنه وسيلة لتسليتك! يشتاق إليك وتختار غربتك عنه،
فكِّر في قدراتك النفسية والجسدية والمادية ووعيك بأن هذا الطفل مجهول النسب سيصبح
ابنك وإن لم يكن من جيناتك ودمك نفسه، هو ابنك الذي يحمل أخلاقك وتربيتك وعاداتك
وتقاليدك وفكرك، وسيكون عملاً صالحاً بعد مماتك يمتد لأجيال.

استشِر المختصين، وإذا ما صادفك إشكال ديني فاسأل دار الإفتاء.
احتضان طفل مجهول النسب هو أن تهب حياة له وتحيي روحه، كن له بعد الله سنداً وسترى
البركة والخير يملأ بيتك وعمرك.

في الأردن توجد شروط للاحتضان، وهي أن تكون الأسرة
مسلمة، وغير قادرة على الإنجاب، وذات دخل لا يقل عن 250 ديناراً، وعمر الزوج بين 35 و55 عاماً، وعمر الزوجة 30-50
عاماً، وأن يقيم الزوجان بمنزل مشترك، ومضى على زواجهما مدة لا تقل عن خمس سنوات،
وألا يقل عمر الطفل المنويّ احتضانه عن خمس سنوات أيضاً، وأن يكون المستوى
الاجتماعي والبيئي والثقافي لكلا الزوجين لائقاً وتتسم العلاقة بينهما بالمودة،
وأن توفر الأسرة للطفل أشكال الرعاية كافة.

مجهولو النسب ورود تحتاج تُربتكم وسِقايتكم، فلا تبخلوا عليهم.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى