كتاب وادباء

يرحمك الله يا عاقبة

يرحمك الله يا عاقبة

بقلم الأديب الكاتب الشاعر

 أحمد الحارون

أحمد الحارون

….

قيلَ أن عاقبةَ بن يزيد القاضي كان يلي القضاءَ ببغداد للمهدي، فجاءَ في بعضِ الأيامِ وقتَ الظهر للمهدي وهو خالٍ، فاستأذن عليه، فلما دخلَ استأذنه فيمن يُسَلِّمَ إليه القِمَطْر(ما تُصانُ فيه الكتب) الذي فيه قضايا مجلس الحكم، واستعفاه من القضاءِ، وطلب منه أن يُقيله من ولايته؛ فظنَّ المهدي أن بعضَ الأولياءِ قد عارضه في حكمه، فقال في ذلك: إنه إن كان قد عارضكَ أحدٌ ننكرُ عليه، فقال القاضي: لم يكن شيءٌ من ذلك.

 قال: فما سببُ استعفائك من القضاء؟ قال: يا أمير المؤمنين.. تقدم لي خَصمان منذ شهر في قضيةٍ شائكة، وكلٌّ يدعي بينةً وشهوداً، ويدلي بِحُججٍ تحتاجُ إلى تأمُّلٍ وتلبُّثٍ، فرددتُ الخصومَ رجاءَ أن يصطلحوا وأن يظهر الفصلُ بينهما، فسمع أحدهما أني أحبُّ الرُّطبَ، فعمد في وقتنا هذا وهو أولُ أوقاتِ الرُّطبِ، فجمع رُطباً لا يتهيأ الآن جمعُ مِثلُه لأمير المؤمنين، وما رأيتُ أحسن منه، ورشا بوَّابي بدراهمَ على أن يُدْخِلَ عليَّ الطبقَ؛ فلما أدخله عليَّ أنكرتُ ذلك، وطردتُ بوابي، وأمرتُ بردِّ الطبق، فرُدَّ عليه؛ فلما كان اليوم تقدم الخصمان إليَّ فما تساويا في عيني ولا في قلبي، فهذا ما حصل يا أمير المؤمنين معي، فكيف يكون حالي لو قبلتُ الهدية؟ ولا آمنُ أن تقعَ عليَّ حِيلةٌ في ديني وقد فسدَ الناس، فأقلني يا أمير المؤمنين أقالكَ الله، واعفني عفا الله عنك.

يرحمكَ الله أيها القاضي! عففتَ وطلبتَ إقالتك لأن الخصمين لم يتساويا في عينيك وقلبك، وتخشى على دينك من أن يحتالَ عليك الناسُ، وتقول: قد فسدَ الناسُ، فما بَالُكَ لو رأيتَ بأمِّ عينكَ قضاة الطواغيتِ وهم يوزعون الأحكام دون تثبتٍ؟ بل يقولون ما يُملَى عليهم، بل الأدهى والأعجب أنهم يخصصون قضاة بعينهم لسابق علمهم بكراهيتهم للتيارات الدينية، ويدعون أنها مرحلة انتقالية وهي في حقيقتها مرحلة انتقامية، ولو رأيتَ كيف وصلوا لمنصةِ القضاء لشابَ شعرك؛ ولقُلتَ أن القيامة قد قامت والناس بعد أحياء.

 أما بخصوص وزير العدل الجديد… فلا يسعني إلا القول: العدلُ مِن العنوانِ بيانٌ، ومن الوزير نعرفُ السلطان، ولله درُّ الشاعر حين قال:

 ومن يربطِ الكلبَ العقورَ ببابه … فكلُّ بلاء الناسِ من رابطِ الكلبِ

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى