منوعات

يدور حول علاقة «محيرة» بين الأخ والأخت.. الفيلم المصري «ورد مسموم» مرشح لجائزة الأوسكار

رشحت مصر فيلم «ورد مسموم»، للمخرج أحمد فوزي صالح، للمنافسة على جائزة الأوسكار وتمثيلها في مسابقة «أفضل فيلم أجنبي» لعام 2020. وحصل الفيلم على العديد من الجوائز في عدة مهرجانات سينمائية، بالإضافة إلى ثلاث جوائز من مهرجان القاهرة الدولي في دورته الأربعين. 

«ورد مسموم» هو فيلم روائي امتلك  لغة ورؤية سينمائية مختلفة ومتميزة سبحت عكس التيار السائد للسينما في مصر، لذا كان طبيعياً أن يسبب اختياره لتمثيل مصر في الأوسكار صدمة لبعض السينمائيين، حتى إن مخرج العمل نفسه لم يتوقع ذلك.

تلك الرؤية السينمائية الخاصة للفيلم تحققت على مستويين؛ الأول تمثل في اختيار المخرج لموضوع الفيلم والعالم الذي أراد تقديمه من خلاله، ما يعكس جرأة تحسب له ولصناع الفيلم؛ نظراً لطبيعة الموضوع المطروح، فمن يهتم من القائمين على السينما وبشروطها الحالية أن يقدم عملاً عن عالم المهمَّشين والفقراء وظروفهم الصعبة. أما المستوى الثاني لتلك الرؤية فتجلَّى في التقنيات السينمائية والجماليات التي صاغ بها المخرج رؤيته لهذا العالم وأحسبه تأثر كثيراً بمبادئ سينما «دوجما 95» .

 «دوجما 95»، واحدة من أهم المدارس السينمائية في العالم، وهي حركة تشكلت من أربعة مخرجين دانماركيين عام 1995، وكان على رأسهم المخرج الدنماركي الشهير لارس فون تريير.

وضعت الحركة قواعد سينمائية جديدة وصارمة في ذلك الحين للوقوف في وجه السينما التجارية التي شوَّهت الفن من وجهة نظرهم. أكدت «دوجما 95» أن السينما الجيدة لا تحتاج إلى الميزانيات الضخمة وركزت في أفلامها على النص والممثلين.

وتأثر فيلم «ورد مسموم» بمبادئ الحركة وتمثل هذا التأثير في عدة نقاط،: فمثلاً منعت الحركة استخدام الإضاءة الصناعية في تصوير أفلامها، وكذلك فعل فوزي صالح، فاستخدم الإضاءة الطبيعية في مواقع التصوير التي كثفت من الشعور بواقعية المكان وأعطت انطباعاً حقيقياً عنه، رفضت دوجما 95 استخدام حوامل الكاميرات وأصرت على استخدام الكاميرا المحمولة، وبالمثل في «ورد مسموم»  تم استخدام الكاميرا المحمولة في تصوير الفيلم لرصد الواقع وتوثيقه، كما أن استخدامها شكَّل حالة من التوتر الدائم، أعتقد أن المخرج كان يقصدها. 

رفضت «دوجما» الموسيقى التصويرية والمؤثرات الصوتية والبصرية، وفي المقابل استغنى المخرج كذلك عن وجودها واستعاض عنها بصوت ماكينات المدابغ والأصوات الطبيعية والاجتماعية لتلك المنطقة. أكد رواد الحركة ضرورة استخدام الطبيعة والمواقع الحقيقية كمواقع للتصوير في صناعة أفلامهم وكذا في فيلمنا هذا، قام المخرج بالتصوير في المواقع الحقيقية للمنطقة من منازل وطرقات ومصانع صغيرة، ولم يكن هناك أي ديكور سوى بيت تحية الذي بُني في نفس منطقة المدابغ كي يأخذ من روح المكان.

«ورد مسموم» هو الفيلم الروائي الأول للمخرج فوزي صالح، وهو مأخوذ عن رواية «ورود سامة لصقر»  للمؤلف أحمد زغلول الشيطي.

الفيلم يحكي عن الفقراء والمهمَّشين المطحونين ودوائر حياتهم البائسة المتكررة، وأحلام بعضهم بالانعتاق من هذا الواقع. 

تدور أحداث الفيلم في منطقة المدابغ الفقيرة في حي مصر القديمة، وذلك من خلال قصة «تحية» عاملة النظافة التي تقوم بتنظيف المراحيض في أحد الأماكن العامة وتعول أخاها وأمها. الفيلم بطولة مريهان مجدي، إبراهيم النجاري، صفاء الطوخي، والفنان الكبير محمود حميدة.

يبدأ الفيلم بلقطة طويلة ثابتة لمياه ملوثة تجري في ممر ضيق بمنطقة المدابغ، تتابع الكاميرا جريان تلك المياه، وحركة الناس  يمشون على جانبها بحذر كي لا يقعوا فيها، لكنهم يكملون طريقهم وكأن التلوث جزء أصيل من حياتهم. يرصد الفيلم الحياة وظروف المعيشة الصعبة في هذه المنطقة، فنرى المزيد من تلك الممرات الملوثة بالكيماويات الناتجة عن دبغ الجلود، وكذلك الأرض الزلقة المليئة بالقاذورات والبيوت القديمة الباهتة الملتصقة ببعضها البعض، فيتسلل إليك الإحساس بالاختناق. ممرات متعرجة ضيقة وملتوية هي شوارع تلك المنطقة، تمشي فيها بطلة الفيلم تحية، ممر يُفضي إلى الآخر فتشعر وكأنك وقعت في متاهة لا فكاك منها.

المكان وتحية هما بطلا الفيلم الرئيسيان، تتقاطع تفاصيل كل منهما؛ المكان بلقطاته ومشاهده الكاشفة لطبيعته ومراحل تصنيع الجلود فيه؛ وتحية وحكايتها عن الفقر والقهر والأسئلة المسكوت عنها.

يدفع الواقع البائس أبطال الفيلم للسير في طريقين مختلفين؛ إما الهرب ومحاولة الفكاك والإفلات، كما فعل صقر شقيق تحية، حتى وإن كان على ظهر أحد مراكب الموت في عرض البحر، أو على النقيض تماماً، كما فعلت تحية التي تجاهلت كل هذا وتشبثت بالمكان بشدة. خلقت البطلة من وجود أخيها عالماً بديلاً انغمست فيه وصنعت له طقوساً يومية تلهيها عن المعاناة التي تحياها وتمنحها شعوراً زائفاً بالأمان. من هنا يبدأ الصراع في الفيلم عندما تتصادم الرغبتان المتناقضتان لتحية وأخيها، فلم يعد مقبولاً لدى البطلة أن يتمرد صقر أو يفلت من إحكام قبضتها عليه أو من دوره المرسوم في علاقتهما، تلك العلاقة المحيرة التي لا تتضح طبيعتها حتى نهاية الفيلم، فلا نعرف حقاً هل هي علاقة محرمة؟ أم مجرد تعلُّق مرضي لأخت بأخيها. يترك المخرج للمشاهد حرية تأويل هذه العلاقة يفسرها كما يحلو له.

الفنان محمود حميدة الذي لعب دوره ببراعة، ظهر في الفيلم في مشاهد معدودة، لعب فيها دور المشعوذ المنبوذ من المنطقة، المكتفي بالصمت في كثير من الأحيان والمراقب بحيادية وبرود للأحداث الدائرة في المكان وكأن لسان حاله يقول: لا مفر من هذه الدائرة العمياء التي يدور فيها أبناء المنطقة وبؤسهم الدائم الذي لا ينتهي لا فكاك منه، وأعتقد أن هذه هي رؤية المخرج التي أراد تقديمها، ففي النهاية ليس هناك أمل لهذا المكان من العالم.

نقلت اللقطات والمشاهد التي توثق المدابغ ومراحل تصنيع الجلود -الخالية من الحوار والتعليق الصوتي- الكثير من المعلومات السردية عن المكان والأحداث والأشخاص وكذلك العاطفة دون كلمة واحدة.

أما إيقاع الفيلم البطيء والمشاهد المتكررة للمدابغ والشوارع والبيوت فكثفت الإحساس بقبح المكان.

كما ألقت حركة تحية الدؤوبة والمتكررة في نفس الأماكن بنفس التفاصيل كطقس يومي بثقل وكآبة على أحداث الفيلم نتج عنها المزيد من الشعور بمرارة هذه الحياة وفقدان الأمل فيها.

في واحد من أهم مشاهد الفيلم،  تقطف تحية أوراق الورود بعد أن جمعتها من المقابر وتضعها في وعاء تعطيه للمشعوذ، فيلقي بالأوراق في ممرات المياه الملوثة فتختفي فيها، وكأنما هذه الورود هي حياة تحية وسنوات عمرها التي قطفت وألقيت في هذا المجاري فلم تغير من طبيعتها شيئاً، تسممت الورود بفعل التلوث واختفت وظلت المياه الملوثة على حالها.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق