كتاب وادباء

ويل لأمة …. يحكمها الاستبداد

ويل لأمة …. يحكمها الاستبداد .

بقلم الأديب والمحلل السياسى 

السعيد الخميسى

السعيد الخميسى  

* يقول الكواكبي : ” المستبد يتحكم فى إرادة الناس بإرادته لا بإرادتهم , ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم , ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدى , فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعي بمطالبته.”  
نعم …الديكتاتورية هى شكل من أشكال الحكم تكون فيه السلطة مطلقة في يد فرد واحد ” ديكتاتور” وكلمة ديكتاتورية من الفعل ( ديكتيت Dictate ) أي يملي والمصدر”دكتيشن “Dictation أي إملاء . والديكتاتور لايهوى التقيد بالدستور أو القوانين أو أي عامل سياسي أو اجتماعيداخل الدولة التي يحكمها، كما حدث في كل من إيطاليا وألمانيا والإتحادالسوفييتي ومصر وليبيا واليمن وتونس وبلاد أخرى في عهد كل من موسوليني وهتلر وستالين وعبد الناصر والقذافى وزين العابدين وعلى صالح .ومازالت أوطاننا تدفع الثمن غاليا من دمائها وحاضرها ومستقبلها بسبب الاستبداد السياسي والديكتاتورية الفردية الفاشية .

الديكتاتورية 

* والديكتاتورية والاستبداد والاستعباد والتعسف والتسلط كلها مفردات تؤدى لنتيجة واحدة وهى حكم الفرد . فالديكتاتور يكون غالبا مستعبدا للناس ومتعسفا فى استخدام السلطة ومتسلطا على شعبه بكل أدوات القهر التي يملكها , وهذه الأدوات فى الحقيقة ليست ملكا له ورثها كابرا عن كابر , ولكنها ملك للدولة بأسرها . ونظرا لأن الديكتاتور هو الدولة والدولة هى الديكتاتور , فتصبح مؤسسات الدولة وثرواتها وأجهزتها وأرضها وسمائها ملك يمين للطاغية المستبد لاينازعه فيها منازع , ولا يشاركه فيها أحد لأنه الحاكم بأمره من طلوع الفجر حتى مغرب الشمس .والاستبداد يسلب الرّاحة الفكرية، فيضني الأجسام فوق ضناها بالشقاء، فتمرضالعقول . حتى إن المرض قد يصل بالناس إلى عدم التمييز بين الخير والشر وبين الحق والباطل . حتى إن آثار ومظاهر الأبهة والعظمة تبهر أبصارهم فيتمنون أن يكون لهم مثله . قالوها سابقا ” ياليت لنا مثل ما أوتى قارون إنه لذو حظ عظيم . ” إنه الخداع البصري الذي يفقد العوام توازنهم فيتساقطون .
* ومثقفو السلطة هم أحد الأدوات الرئيسية للاستبداد . وهم من أعمدة ثقافة الفساد . فأى نظام مستبد فاشى يحيط نفسه بطبقة من الكتاب الفاسدين المنافقين الذين يزينون للطاغية سوء عمله فيراه حسنا جميلا وهو فى الأصل قبيحا وسيئا . وهذه الطبقة مكونة من أشباه وأنصاف وأرباع مثقفين يكتبون المقالات في تمجيد وتفخيم أي نظام .  بل وتفتح لهم الصحف والشاشات والفضائيات أبوابها لممارسة طقوس الطاعة والولاء بشكل يومي .وهم بنفاقهم وخستهم ونذالتهم قادرون على تحويل الهزائم إلى انتصارات والإخفاقات إلى نجاحات , والفشل الذر يع إلى نجاح سريع . يفعلون ذلك مقابل امتيازات وترقيات وأموال يتقاضونها من دماء الشعب ومن ضرائب المطحونين تحت عجلات الفقر .
إن دورهم الوحيد هو تحسين شروط العبودية حتى يقبل الشعب بل ويرضى بما هو فيه من استبداد واستعباد وظلم . بل إن بعضهم يربط مصير الوطن بمصير الحاكم حتى يبدو وكأنهم توأمان لاينفصلان .

العسكر 

* والمستبد غالبا يريد من شعبه أن يكون تحت قدمه يخدمه , أو يكون كالنعاج يسير على دربه ويتبع طريقه لأنه يرى العصا فوق كتفيه كالراعي يلوح بها لهم إن هم خالفوه أو اتبعوا طريقا آخر . إن الحال قد يصل بالرعية المستنعجة إلى حالة من الرعب والخوف حتى أنهم يظنون من فرط الهواجس التي تنتابهم وتعشش فى أدمغتهم الفارغة الجوفاء  أن هناك جواسيسا داخل رؤوسهم تتجسس عليهم ليلا ونهارا , فليجأون إلى الصمت التام وإغلاق الأفواه بالضبة والمفتاح  ولا يفتحون أفواههم إلا عند طبيب الأسنان وبحذر وخوف شديد . فلاتجد حكمة تقول ” الحيطة لها ودان ” إلا فى أوطاننا فقط , وكان الجماد صار يسمع ويرى ويبلغ عنهم حديثهم , وما ذلك إلا من فرط التخيلات المريضة وحالة الصرع النفسية التي تنشب مخالبها فى عقول وأجساد عوام الناس فينقبلون رأسا على عقب , فتراهم وكأنهم يمشون على رؤوسهم ويفكرون بأرجلهم . إنها سياسة الصدمة والرعب التى تسود المجتمع فتحوله إلى خرابات تنوح على إطلالها الغربان السود .

* ماذا جنت مصر من حصاد عشرات السنين من حكم الفرد والديكتاتورية الفردية الفاشية غير الجهل والتخلف والمرض …؟ ماذا جنت غير الملايين الذين يعيشون فى القبور ولايجيدون من فضلات الطعام مايسدون به جوعتهم  , بل إن شئت فقل لايجيدون ماتجده كلاب السادة من ترف وفائض طعام وشراب . ماذا جنت مصر غير أن أكثر من نصف الشعب يئن تحت خط الفقر الذى قصم ظهورهم وأوهن عظامهم ..؟ ماذا جنت مصر غير أن مايقرب من 40% من الشعب أميين لايقرأون ولايكتبون . ماذا جنت غير ملايين العاطلين الذين لايجيدون عملا ولايحزنون . أين خطط التنمية وأين قصور الثقافة التى تحولت إلى خرابات للعهر الفكري والكتب الصفراء . ماذا جنت مصر غير أن معظم الشعب يعانى من الأمراض المستوطنة مثل البلهارسيا والكبد الوبائي والسرطان وضغط الدم وفيروس “سى ” والسكر وغيرها من الأمراض الخبيثة . ماذا جنت مصر غير الفشل الاقتصادي وحالة التصحر السياسي وخواء الأحزاب السياسية من أي كوادر سياسية قوية وفاهمة وقادرة على تحمل المسؤولية ..؟

* مصيبتنا فى أوطاننا أن ربان السفينة الذين كانوا ومازلوا يحكموننا منذ عشرات السنين لايعلمون أن الاستبداد هو رأس الداء . وان السفينة التى امتطوا ظهرها ومددوا أقدامهم عليها فى وجوهنا أوشكت على الغرق فى قاع محيط النسيان . وهم لايشعرون بما يشعر به ركاب السفينة لأنهم جاهزون فى حالة الغرق بقمصان النجاة والقفز إلى الشاطئ والهروب إلى بلاد ماوراء النهر , وترك الشعب يغرق إلى غير رجعة . لا أمل فى أى تنمية ولا فى أى مشاريع ولا فى أى تقدم للأمام ولا فى أى حل سياسي , وحالنا هكذا لايسر عدوا ولاصديقا . الحرية واحترام حقوق الإنسان فى وطنه , وأن تكون أى سلطة حاكمة فى خدمة الشعب , لا أن يكون الشعب فى خدمتها  , هو الطريق الآمن والسريع لكى يعود قطار بلادنا للسير على قضبان الدول المتقدمة . بغير ذلك فنحن نحرث فى الماء ونزرع فى الهواء .

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى