كتاب وادباء

ونصرُ اللهِ قريبٌ

ونصرُ اللهِ قريبٌ

 من روائع الكاتب الأديب الشاعر

 أحمد الحارون

أحمدالحارون

…….

من يدقق في أزمة وطننا العربي فيما بعد الاحتلال وطيلة العقود الماضية ولو بنصف عين فلا محالة سيرى كيف جرد العسكر  القيم؟ وكيف خرب الذمم؟  وأتي على الأخضر واليابس ورمى بنا في قمامة الأمم، فـــحكمُ العسكر يا سادة إنْ حلَّ بــــ وطنٍ، فصعْبٌ خروجه، وهو وإن خرج وطد من ذويه من يحمي مصالحه، فسياسة العسكر لا تدخل في شيء إلا دخول الإبرة بخيطها في الثوبِ، إن خرجتْ هي تركت الخيطَ وقد جُمِعَ وشُدَّ، فشيمةُ العسكر أنه يلتوي التواء الحبل، ويستوي استواء السيف، عَدُوهُ في أعماقه كامنٌ، لا يعرف من الذكاء إلا المكر السيئ والمراوغة ، لذا فالنظارة السوداء على عيونهم حتى لا تفضحهم نظراتهم، ترى في كلامهم ضخامة اللفظ وقلة المعنى وهشاشة المبنى. ولو بحثت عما في أذهانهم فلا تجد إلا.. اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، وهم يؤثرون حياتهم على أوطانهم، ولذاتهم على واجباتهم، فلا عجب أن ترى الواحد منهم يصلي في اليوم مرةً ويقتل في نفس اليوم ألفاً، وطالما كانت النزعة الفردية في حكم العسكر واضحة كالشمس، فالجميع يلتف حول صنم واحد، فإذا هرم أو جاعوا أكلوه، والكذب أظهر صفات الحكم العسكري، ويرون الكذب نوعاً من الشطارة أو أصلاً يُبنى عليه، لذا ينشأ في إعلامهم وعلى ألسنة العامة ردود ما أكثر ما نسمعها مثل: صحيح ..بجد … صدق؟ وتصبح حياتنا أشبه بالغفلة أو حقائقها مكذوبة، فنرى كل المشكلات في الحكومة، وفي ذات الوقت نصدق أن حلَّ المشكلات لا يأتي إلا بالحكومة، ولذلك فلا عجباً أن ترى في بلادنا المسكينة الأجانبَ، وأموالَ الأجانبِ وغطرسةَ الأجانب، وعربدةَ الأجانب، ولهو التخابر والتجسس، وليس هذا لأن فيها الاحتلال… بل من ينوبُ عن الاحتلال، ولأن فيها ضعفها، وضعف أهلها وغفلتهم، وهذا لعمري أشبه بكرم الشاة السليخة حين تهب القومَ لذةَ لحمِها، فلا حول ولا قوة إلا بالله! بل الأبعد من ذلك أننا بتنا نستأمنُ من لا عهد لهم ولا ذمة على ودائع أموالنا، ونعطيها لهم عن طيب خاطر ليصلحوا من شأن بلادهم، والأدهى والأمر أننا نقف في صف العدو ونشدد الحصار على بني جلدتنا، فيا للعجب أن تصير حماس عدواً وتصبح إسرائيل صديقاً! هذا ما جنيناه عبر عقود من العسكر ورجاله يا سادة…قصدي نحن العبيد! هل بعد هذا الكرم من كرم؟! فالشعب الذي لا يحكمه الصدق لا تجد في مظاهر حكمه إلا الكذب والمبالغة وتسلم الأيادي، وخير أجناد الأرض، والقضاء الشامخ، وزعيم وكوتش وباشا وبيه وتيه، واللات والعزى، ورجالة وطول عمر ولادك يا بلدنا رجاله( طبعا مع رقص يتعلم منه إبليس)، ولابد لحكم العسكر من جوقة تسبح بحمده وتقدسه وتعطي فروض الولاء والطاعة كل صباح، ليستمر مسلسل الكذب على أغلب الشعب المسكين الذي يصدق الأكاذيب،  لذا فلا غرابة أن تجد الإعلام الكاذب،  وذيول القضاء اللا شامخ، والفلول وأشباه المعارضة يتبعون انقلاب العسكر كما تتبع أولاد البهائم أمهاتها رجاء ألبانها، فإذا انقطع ذلك اللبن انصرفت عنها، فمن يثق في الانقلاب أشبه بمن يتعلق بالسحاب ويرجو المطر الدائم، نعم قد يلتئم المطر ساعة لكنه لا محالة منقطع ساعات وأيام. ولعل ما يتردد على ألسنة الكثيرين لماذا حال الأمة هكذا؟ ولماذا يزداد الأمر سوءً، وتتعالى هجمات الأعداء علينا أو لماذا يسلط الله بعضنا على بعض؟ ولماذا ندعو ولا يُستجاب لنا؟ وما أهمية العقوبات المتوالية على الأمة؟ لماذا تزداد روح الأنا وتتورم، ويتوه الإيثار ويتوارى خجلاً كعذراء في خدرها ؟ لماذا الكذب يروجوه والصدق مهاب؟ لماذا نرى طرق العدوان موصولة، والحق والإنصاف لم نعد ندري لهما سبيلاً؟ هل الكرامة والقدوة والمروءة سُلبت من الصالحين إلا من رحم؟! أسئلة كثيرة وإجابات حيرى، ولكنها سنة الله في كونه. فالله أبداً لن يحابي من قصر في الأسباب ومن حاد عن نهجه،” سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا”(الفتح:23). ربما تكمن هذه العقوبات أنها  صور من عتاب الله لأمته، وإقرار منه أنها تخلت عن رسالتها، وتخلت عن موقعها الريادي، وقصرت في حمل أمانتها، وقد تكون وسائل لاستنهاض الهمم والعودة إلى الرشد من جديد. فلقد صار الفتق صعبٌ رتقه، وبعدت الشقة بين الماضي والحاضر، ونخشى ألا نجد مستقبلاً يشبه حتى حاضرنا الأليم! فعلى الجميع أن يلتمس تقويم ما يعتدل، وتبصير من يفهم. ولابد من عودة الأمة لوعيها عبر التغيير  المنشود، والذي يستوجب التربية على مستوى العقل والنفس والروح والجسد، تربية يكون فيها الولاء لله وحده، ومن خلاله تنضبط كل الانتماءات والعواطف، تربية تُبنى على المعايشة والفهم والإخلاص والصبر، تربية تنهض بركني الأمة (الدين واللغة) والاعتزاز بهما والانتماء إليهما، فلا نهضة بالشرق دونهما. فمن خصائص هذا الدين أنه صلب فيما لابد للنفس الإنسانية منه إذا ابتغت الكمال، وهو في ذات الوقت يتمتع بالمرونة والتعايش فيما لابد منه من أحوال ومستجدات الأزمنة على اختلافها، وإذا نهضت أمتنا بدينها الذي يتمتع بأخلاقه الكريمة.. نهض الجميع من أهل الوطن والأمة على اختلاف مللهم وطوائفهم. وهذا رسولنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد: سلط الله عليكم ذلّاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)”.لذا أقول لانقلاب العسكر ومن في أردافه ينعق وينعم : أنتم تسطرون أسوأ أيامكم، وأقول لمناهضي الانقلاب: أنتم فخر الأمة وثوبها الناصع، فحافظوا على سلميتكم والله ناصركم، وتسلحوا بالإيمان والصبر والمرابطة، فمتى يغلفُ الإيمانُ النفسَ ويتخللُ أعماقها ينطلقُ الإنسانُ في الكون الفسيح ليعمره ويعبر عن عواطفه وانتماءاته دون مواربةٍ ولا خجل، بل يعتز ويفخر بوطنه وإنجازاته، ولا يتنافي هذا الحب مع حبه لدينه وعقيدته وأمته مادام بعيداً عن العنصرية والتطرف ومستمداً من قواعد الدين، هذا ما تعلمنا في مهدنا مع دعوة الإخوان ونشأ ضميرنا وعقلنا الجمعي على قدسية الوطن والتضحية من أجله، فلا غرابة أن يكون الإخوان في طليعة أي ثورة، بل الأبعد من ذلك أن أقل عضو فيهم ولا نزكيهم على الله يقبل بأن يكون قمحاً للإنسانية يُطحن ويُعجنُ ويخبزُ لرفعة هذا الدين والوطن، وشرفاء الوطن على اختلاف انتماءاتهم عازمون على الخلاص من هذا الإرث العفن والله ناصرنا، وتباً للعسكر.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى