تقارير وملفات إضافية

“ومن سيهتم لقتل بعض الأطفال”.. صحيفة بريطانية تكشف كيف يشرعن الجيش الإسرائيلي قصف المدنيين

“اضطررنا للحفر من أجل استخراج الأطفال”، كان هذا ما قاله أقارب أسرة فلسطينية أبيدت في غارة إسرائيلية بقطاع غزة، جراء قواعد القصف الإسرائيلي لغزة، التي تتعامل مع قتل المدنيين باعتبارهم مجرد أضرار جانبية لا ضير في وقوعها مادام الأمر لا يتخطى عدداً معيناً.

إذ يضرب الجيش الإسرائيلي مواقع في غزة باستمرار بناءً على معلوماتٍ استخباراتية قديمة يتجاوز عُمرها العام الكامل، ويقصف تلك المواقع قصفاً أعمى دون التحقُّق الفوري من وجود مدنيين، وهو ما يتسبّب في وفيات غير ضرورية بحسب ما كشفه جنودٌ في القوات الجوية الإسرائيلية لـصحيفة The Independent البريطانية.

وبدلاً من ذلك، قال أفراد القوات الجوية الإسرائيلية لصحيفة The Independent إنّ “المشكلات الهيكلية الخطيرة” وثقافة “التدمير.. والتدمير.. والتدمير” تُكافئ جنود الجيش الإسرائيلي على تحديد أهدافٍ جديدة بطول خط القطاع الذي يصل إلى 40 كم، بدلاً من التحقُّق من صحة آلاف المعلومات الموجودة بالفعل على قاعدة البيانات المعروفة باسم “البنك”.

وفي حال نفدت تلك الأهداف، كما حدث خلال الحملات الطويلة مثل حرب عام 2014 ضد غزة، قالوا إنّ القوات الجوية الإسرائيلية كانت تُؤمر بـ “مواصلة إسقاط القنابل”.

وأضاف رجال الخدمة العسكرية بالقوات الجوية الإسرائيلية أنّ الأهداف الثابتة لا تجري مُراقبتها من الطائرات قبل قصفها، بعكس الأهداف المُتحرّكة مثل القادة العسكريين. 

وتُشكّك مزاعمهم في تصريحات الجيش الإسرائيلي حول أنّه “يفعل كل ما بوسعه للحيلولة دون وقوع وفياتٍ غير ضرورية في غزة”، القطاع المُحاصر الذي يضُمُّ مليوني شخص داخل واحدةٍ من أكثر الأماكن اكتظاظاً بالسكان في العالم.

ويتعلّق مصدر القلق الآخر بحسابات “الخسائر المدنية المسموح بها”، أو ما يُسمّى بالأضرار الجانبية، في العمليات العسكرية الكُبرى مثل عملية “الجرف الصامد” عام 2014. إذ قُتِلَ قرابة الـ1,400 مدني فلسطيني مقابل ستةٌ  على الجانب الإسرائيلي خلال الحرب التي استمرت لـ51 يوماً بحسب الأمم المتحدة.

وقال رجال الخدمة إنّه في حال زاد مستوى التهديد ضد الجيش الإسرائيلي في أحد أجزاء قطاع غزة، ورُفِعَ الوضع العملياتي ومُعدّل الأضرار الجانبية المقبول؛ فسينطبق ذلك على القطاع كاملاً بغض النظر عن حدة التهديد في المناطق الأخرى، مما يُثير أسئلةً حول التناسب.

وحذّرت الجماعات الحقوقية من أنّ تلك الممارسات ترفع أعداد القتلى المدنيين، وربما تنتهك القانون الدولي في بعض الحالات.

ورفض الجيش الإسرائيلي التعليق على هذه الاتهامات تحديداً، لكنّه قال لصحيفة The Independent: “يمتلك الجيش الإسرائيلي هيكلاً تنظيمياً مُفصّلاً لاتّخاذ القرار”.

ويُظهِرُ الجيش الإسرائيلي عبر موقعه الإلكتروني الكيفية التي يُقلِّل بها أعداد الضحايا. إذ أنكر مراراً المزاعم بتنفيذه أعمال قصفٍ غير قانونية في الماضي.

وقال عميل الاستخبارات بالقوات الجوية الإسرائيلية (أ)، الذي أُخفِيَت هويته لأسبابٍ أمنية: “رسمياً، يُوجد تاريخٌ مُحدّد لكل هدف، وباجتياز ذلك التاريخ يجب العثور على مصدري معلوماتٍ جديدين من أجل إعادة تجريمه. ولكن أعداد الأهداف التي يجب التحقُّق منها أكبر بكثير من أعداد الباحثين المُتاحين”.

وأضاف (أ) أنّ الأهداف لا يجري التحقُّق منها بانتظام “لفتراتٍ تتجاوز العام أحياناً. والأهداف التي انتهت صلاحيتها لا تُمثّل أولويةً بالضرورة. إذ يُكلَّف الباحثون عادةً بالعثور على أهدافٍ جديدة. وهذه مُشكلةٌ لأنّهم يُفضّلون العثور على الجديد. وبالتالي [في أوقات الصراع] يجري اختيار الأهداف من البنك بغض النظر عن مدى مُواكبتها لآخر التطوّرات. وهذه مُشكلةٌ هيكلية”.

وقال عميل استخبارات القوات الجوية نفسه إنّ الكثير من الأهداف تتعرّض للقصف بصورةٍ مُمنهجة دون تحقُّقٍ بصري، لقلة أعداد الطائرات بدون طيار. والأجواء لا تُشجّع الناس على التعامل بجدية مع مسألة التحقُّق من الأهداف. لذا يقل الانضباط. ويدفع المدنيون الفلسطينيون ضريبة ذلك”.

وقال فردٌ آخر في القوات الجوية (ب) لصحيفة The Independent إنّ المشكلة تتفاقم خلال العمليات المُطوّلة، كما حدث عام 2014 حين أُصدِرَت الأوامر بـ “مواصلة إسقاط القنابل في أيّ مكان لإحداث ضجة”، نظراً لقلة الأهداف.

وأضاف (ب): “كان التركيز مُنصباً على إحداث الضجة بكل تأكيد. وهذا هو المصطلح الذي استخدموه تحديداً، (إحداث ضجة) لخلق حالةٍ من الرعب على الجانب الآخر، وإشعارهم بأنّ [الصراع] مُتواصل”.

وثبُتَت هذه الادّعاءات في الشهادات الأخرى التي جمعتها منظمة “كسر الصمت Breaking the Silence” الإسرائيلية من الجنود الإسرائيليين وسلّمتها إلى الصحيفة البريطانية.

وتقول الجماعات الحقوقية الإسرائيلية إنّ هذا يُحطّم الافتراضات الدولية بأنّ إسرائيل، التي تمتلك واحداً من أفضل جيوش العالم تطوّراً وتجهيزاً، تخوض “حروباً نظيفة” في غزة بهدف تقليل الخسائر البشرية.

وتتألّف منظمة كسر الصمت من قدامى المُحاربين الإسرائيليين، وهي مُهتمةٌ بالمشكلات الهيكلية الكُبرى لدرجة أنّها دعت إلى فتح تحقيقٍ خارجي، وقالت إنّ غالبية المدنيين الذين قُتِلوا في غزة “قُتِلوا وفقاً للبروتوكول”.

إذ قال يهوذا شاؤول، مُؤسِّس المنظمة: “سيعتقد الشخص العادي أنّنا نمتلك أسلحة دقيقة التوجيه، ومعلومات استخباراتية دقيقة تُحرّكها تقنياتٌ نظيفة بالكامل. لكنّ التعمّق في هذا الأمر يكشف عن سوء فهمٍ كامل لما يحدث. ونعتقد أنّ المشكلة في غزة منهجية. فالأمر يرجع إلى كامل هيكل تخطيط وتنفيذ العمليات، ولا يتعلّق بجُندي أو حدثٍ أو وحدة. نُريد تحقيقاً مدنياً إسرائيلياً خارجياً في قوانين التعامل وبروتوكولات جيش الدفاع الإسرائيلي داخل غزة”.

وقالت يائيل شتين، مُدير الأبحاث في جماعة بتسيلم الحقوقية الإسرائيلية إنّ إصرار الجيش الإسرائيلي على إجراء المراجعات داخلياً فقط هو جزءٌ من “آلية تبييض السمعة” لتقليل التدقيق الخارجي.

وأضافت: “ليست هناك تحقيقاتٌ حقيقية أبداً، ولا يُحقّقون في السياسة مُطلقاً. وتبذل إسرائيل جهوداً كُبرى لخلق واجهةٍ تدُلُّ على أنّهم يُجرون التحقيقات، حتى يعتقد العالم أنّهم لا يسمحون بوقوع الأخطاء”.

وتأتي تلك الكشوفات وسط ضغوطٍ مُتزايدة على إسرائيل لتغيير طريقة تعاملها في غزة، ويشمل ذلك التحقيقات المُحتملة من جانب المحكمة الجنائية الدولية.

وأُصيبت غزة بالشلل نتيجة الحصار الإسرائيلي الفلسطيني لمدة منذ 13 عاماً، والذي فُرِض للمرة الأولى في أعقاب سيطرة جماعة حماس المُسلّحة على القطاع الساحلي عام 2007 بالقوة.

وتعتبر إسرائيل وغيرها من الدول حماس جماعةً إرهابية، إذ يقولون إنّ الحصار مطلوبٌ من أجل الحيلولة دون تسلّح الجماعة. وقد خاض الجيش الإسرائيلي ومُسلّحو غزة ثلاث حروبٍ منذ عام 2008.

وأعلنت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودة في ديسمبر/كانون الأول أنّها ترغب في فتح تحقيقٍ حول جرائم الحرب المُرتكبة من جانب كافة الأطراف داخل الأراضي الفلسطينية منذ اندلاع حرب عام 2014.

وأنكر الجيش الإسرائيلي، المُتهم من خبراء الأمم المتحدة بارتكاب جرائم حربٍ في القطاع، بشدةٍ، كونه انتهك القانون الدولي.

 وقال إنّه لا يعترف بسلطة المحكمة القضائية. كما قد تُدان حركة حماس من جانب المحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة بسبب تصرّفاتها التي تشمل إطلاق النار العشوائي على المدنيين الإسرائيليين.

وتُعَدُّ التفجيرات العابرة للحدود على مدار العام ونصف العام الماضيين من الأحداث الكُبرى التي قد تخضع للتحقيق، إذ شهدت تلك الفترة إطلاق الأجنحة المسلحة في حماس وحركة الجهاد الإسلامي مئات الصواريخ على الحدود الجنوبية لإسرائيل، إلى جانب قصف الجيش الإسرائيلي لمئات الأهداف داخل القطاع.

قالت منظمة هيومن رايتس ووتش الأسبوع الماضي إنّها تعتقد أنّ اثنتين على الأقل من الهجمات الإسرائيلية، التي قتلت 11 مدنياً خلال التصعيد الأخير في نوفمبر/تشرين الثاني، كانت عمليات غير قانونية.

وخلال غارات الـ14 من نوفمبر/تشرين الثاني التي كادت تقضي على عائلةٍ فلسطينية بالكامل تقريباً، تضُمُّ خمسة أطفالٍ لا تتجاوز أعمارهم الـ14 عاماً، وجدت هيومن رايتس ووتش أنّ الجيش الإسرائيلي “فشل في التزامه القانوني لتقييم طبيعة أهدافه بعناية” والتأكّد من عدم وجود مدنيين بما يضمن أنّ تضرب الهجمات المقاتلين والأهداف العسكرية فقط.

واستشهدت صحيفة Haaretz اليسارية اليومية بمسؤولين دفاعيين قالوا إنّ تلك الغارة، التي قتلت تسعة أشخاصٍ إجمالاً، اعتمدت على معلوماتٍ استخباراتية قديمة ولم تتأكّد من عدم وجود مدنيين في الموقع.

وقال جيري سيمسون، مُدير الأزمات والنزاعات في هيومن رايتس ووتش، مراراً إنّ الغارات الإسرائيلية والصواريخ الفلسطينية “تُسلّطان الضوء على الحاجة إلى تدقيق المحكمة الجنائية الدولية”.

وقال الجيش الإسرائيلي لصحيفة The Independent إنّه يعتقد أنّ تقرير هيومن رايتس ووتش “لا أساس له من الصحة، ومنقوص، ومُتحيّز، ويقفز إلى استنتاجات قانونية لا أساس لها”. ولم يتطرّق الجيش إلى مزاعم Haaretz بشكلٍ مُباشر.

وكان الهدف عبارةً عن هياكل حديدية مُموّجة داخل حي زراعي في قلب غزة، حيث تعيش عائلات الشقيقين رسمي (45 عاماً) ومحمد أبوملحوس (40 عاماً) بحسب أقاربهم وجيرانهم.

وبعد مرور مُنتصف ليل الـ14 من نوفمبر/تشرين الثاني، قصفت ثلاث ذخائر من الجو المنطقة إبان نوم قرابة الـ20 فرداً من العائلة لتهدم المنازل فوق رؤوسهم. 

وأسفر القصف عن مقتل تسعة أشخاص من بينهم رسمي ومحمود وزوجاتهم وخمسة أطفال، يبلغ عمر أصغرهم عاماً واحداً. وقال من تبقى من أفراد العائلة إنّ الإصابة لحقت ببالغٍ واحد وتسعة أطفال، والتقت صحيفة The Independent بعضهم.

ولم يتبق الكثير من هياكل المنازل: إذ حلّت محلها ثلاث فوهاتٍ كبيرة. وتُحيط بالمنطقة حقولٌ زراعية، وتبعُد بضع مئات الأمتار عن مُجمّع الأمم المتحدة مُترامي الأطراف.

وزعم المتحدث العربي باسم الجيش الإسرائيلي أوّل الأمر أنّ الضربة نجحت في قتل القائد بحركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني رسمي أبوملحوس، لكنّ الجيش تراجع عن تصريحه وزعم لاحقاً أنّه قصف مُجمّعاً عسكرياً.

وبعد إجراء مراجعةٍ داخلية، قال الجيش الإسرائيلي إنّه أخطأ في تصنيف الأكواخ مُضيفاً أنّه كان يجب تعريفه بأنّه مُجمّعٌ مدني يحوي “بعض الأنشطة المُتشدّدة”، لكنّه لم يُوفّر المزيد من المعلومات.

ورغم ذلك، بدا أنّ الجيش الإسرائيلي عاد إلى موقفه الأول إبان الحديث إلى The Independent هذا الأسبوع، إذ قال إنّ الهدف تبيّن أنّه “مُجمُّع لحركة الجهاد الإسلامي… يُستخدم لتنفيذ أنشطةٍ عسكرية”. ولم يُوضح التصريح ماهية تلك الأنشطة.

وأردف الجيش الإسرائيلي أن التصنيف وُضِعَ للمرة الأولى في يونيو/حزيران 2019 “بناءً على قوانين استخبارات جيش الدفاع ذات الصلة”، وزعم أنّه قد جرى فحص المكان عدة مرات “كان آخرها قبل أيامٍ فقط من الهجوم. وإبان التخطيط وتنفيذ الضربة، كان الجيش  الإسرائيلي يتوقّع عدم إيذاء أيّ مدني في هذه الضربة. ولكن التجربة العملية أثبتت لاحقاً أنّ المجمّع كانت تجري داخله بعض الأنشطة العسكرية بالفعل، لكنّه لم يكُن مُخصّصاً بالكامل للاستخدام الحصري في الأنشطة العسكرية… إذ كان المدنيون حاضرين، للأسف، خلال الضربة”.

وخلال تحقيق The Independent الخاص بالضربة، والذي شمل إجراء مقابلات مع العائلة وجيرانها وزيارة منطقة القصف ومُراجعة لقطات الأقمار الصناعية للمنطقة منذ عام 2008؛ وجدت الصحيفة البريطانية دليلاً يبدو أنّه يتعارض مع الكثير من المزاعم حول الطبيعة العسكرية للهدف.

ووجدت The Independent أيضاً أنّ القصف لم يكتفِ بقتل تسعة مدنيين، بل دمّر بئراً تعتبر جزءاً من البنية التحتية المدنية بحسب مصلحة مياه بلديات الساحل في غزة ما أثار المزيد من الأسئلة حول تناسب ومشروعية الضربة.

ولم يتعرّف أفراد العائلة الستة الذين التقتهم The Independent، ومن بينهم الأطفال الجرحى، على صورة قائد حركة الجهاد الإسلامي المزعوم الذي حدّده المتحدث العربي باسم جيش الدفاع في الأصل على أنّه الهدف.

وأكّد الجيران والأقارب على أنّ العائلة كانت هناك منذ عام 2007 على الأقل: ويبدو أنّ لقطات الأقمار الصناعية التي حصلت عليها هيومن رايتس ووتش للموقع من عام 2008 و2014 و2016 وقبل الهجوم مباشرةً في 2019 -والتي حلّلتها الصحيفة البريطانية- تُؤكّد على أقوالهم.

ولا تُوجد مرافقٌ ظاهرةٌ فوق الأرض في تلك اللقطات تُشير إلى أنّ الموقع كان مُجمّعاً عسكرياً.

قال الأقارب إنّ رسمي كان ضابط شرطة متقاعداً في السلطة الفلسطينية (التي تُديرها فتح، المُنظمة المُنافِسة لحماس والجهاد الإسلامي)، أما محمد فكان راعي غنم، زاعمين عدم وجود أي أنشطةٍ عسكرية في الموقع.

وقال أحد أعضاء المجتمع حينها لصحيفة The Independent إنّهم اعتقدوا أنّ أحد الإخوة ربما كان عضواً في حركة الجهاد الإسلامي. لكن حركة الجهاد الإسلامي والسلطات الإسرائيلية لم يُعلنا رسمياً أنّ محمد أو رسمي كانا أعضاء في الجماعة أو جناحها المُسلّح. إذ تُعلِن حركة الجهاد الإسلامي عن شُهدائها عادةً وتصفهم بـ “الشهداء”.

وقالت سالمية (70 عاماً)، والدة رسمي، التي تعيش على بُعد مئات الأمتار فقط: “لم نحصل على تحذير، ولم يُعلِمنا أحد بأنّ المكان قد يتعرّض للقصف، رغم وجود الكثير من الأطفال في الداخل. حدث كل شيء فجأة، واهتز المنزل، واهتزّت الأرض معه”.

وقال حمدان أبوملحوس، عم رسمي ومحمد: “لا يُوجد موقعٌ عسكري هنا، ولا متجر أسلحة، لا يُوجد متجر دقيق حتى. لم يكُن هناك مقاتلون. وإذا كان هناك متجر أسلحة كُنّا سنشهد المزيد من الانفجارات أو أيّ أثرٍ لها”.

وتساءل حمدان كيف لم ير الجيش الإسرائيلي الأطفال، إذا كان قد فحص الهدف خلال الأيام التي سبقت الهجوم.

وأردف: “عاشت العائلة بالكامل هُناك منذ الانسحاب الإسرائيلي من غزة [عام 2005]، ومعهم الأطفال الذين كانوا ظاهرين. إذ كانوا يلعبون إلى جوار المنزل في شوارع المنطقة، منذ شروق الشمس وحتى غروبها. يستخدم الإسرائيليون الطائرات بدون طيار ليلاً ونهاراً. وأجهزتهم وطائراتهم شديدة التطوّر لدرجة أنّها تستطيع تصوير نملةٍ وتحديد هويتها. كيف لم يروا الأطفال؟”.

في حين لم يكن جنود القوات الجوية الإسرائيلية الذين تحدّثت إليهم The Independent مُشاركين في هذه الضربة تحديداً، لكنّهم قالوا إنّها كانت دليلاً على وجود مُشكلة أوسع وأدلة أكثر على الاستخدام “المُمنهج” للمعلومات الاستخباراتية القديمة والمنقوصة خلال حملات القصف.

ورسم رجال القوات الجوية الإسرائيلية صورةً لتفاصيل العملية الرسمية لاختيار الأهداف والتحقُّق منها، حيث تتعرّض تلك العملية للتقويض بسبب “مشكلاتٍ هيكلية خطيرة”. 

وقالوا إنّ الأمر تفاقم بسبب تعقيدات العمل داخل غزة، وهي أرض شديدة الكثافة السكانية حيث تجري أعمال الإنشاء بصفةٍ مُستمرة، تقع البنية التحتية العسكرية عادةً وسط المنازل المدنية.

وأردف رجال الخدمة أن البروتوكول ينُصّ على إطارٍ زمنيٍ مُحدّد لكل نوعٍ من الأهداف. فمثلاً، ليست هناك ضرورةٌ للتحقّق من قاعدةٍ كبيرة لحماس طوال عامٍ كامل، لأنّها لن تتغيّر على الأرجح.

لكن الهياكل الأقل ديمومة، مثل الأكواخ في ضربة غزة، كان يجب التحقُّق من وجود المدنيين فيها كل بضعة أشهر بموجب البروتوكول.

ويجري اختيار الأهداف داخل “مصنع”، والذي يُدار من داخل مقر الجيش الإسرائيلي في كرياه بتل أبيب حين تكون الأهداف عالية القيمة.

وقال العميل (أ) إنّه بموجب البروتوكول العسكري، يحتاج الباحثون إلى نوعين من المعلومات الاستخباراتية المُستقلة التي تُشير إلى هدفٍ مُحتمل.

وبمجرّد الموافقة على الأهداف من جانب كبار الضباط؛ تُمرّر إلى الاستخبارات التشغيلية، حيث يُخطّط فريقٌ تكتيكي -يضُم خبراء أسلحة- للضربة مُسبقاً. ويجري عادةً تجهيز عروض تقديمية مُفصّلة بالصور من أجل مساعدة الطيارين.

وهناك أيضاً نظامٌ يُميِّز الأهداف المُخطّط لها تلقائياً، والتي تكون عادةً أقرب إلى المباني الحساسة مثل المستشفيات والمساجد.

وخلال مرحلة التخطيط، تتشاور الوحدة مع المُحامين الذين يُفترض بهم تقديم المشورة القانونية فيما يتعلّق بالأهداف الحساسة والمستوى المقبول من الأضرار الجانبية، بما يتماشى مع القانون الدولي.

لكن العميل (ب) قال إنّ طريقة خط الاستجواب تُعَدُّ طريقةً خاطئة، لذا تجري الموافقة على غالبية الأهداف. إذ يكتفي المُحامون بسؤال الفريق حول ما إذا كان يعتقد أنّ الضربة ستكون متناسبة -وهو السؤال الذي يجري الرد عليه بالإيجاب عادةً- بدلاً من التحقيق في تفاصيل الكيفية التي توصّل بها الجنود إلى ذلك الاستنتاج.

وتُوضع الأهداف في “البنك” بعد مرورها بتلك الجولات، لتنضم إلى آلاف الأهداف الجاهزة للقصف في حال التصعيد أو الحرب. ونظرياً، يُتوقَّع من الباحثين أن يُواصلوا متابعة أهدافهم، والتحقّق مما إذا كانت هناك أي تطورات جديدة قد تزيد التهديد على المدنيين.

أما عملياً، عادةً “لا تجري إزالة الأهداف من النظام” بعد إدخالها إلى البنك، حتى في حال حدوث تغييرات كبيرة على الأرض أو بعد مرور فترةٍ زمنية طويلة. وتتعرّض فرق البحث لضغوط كثيرة، وتحصل على المكافآت عند العثور على أهداف جديدة.

وقال العميل (أ): “هذا يعني أنّ الأهداف تُهاجَم دون تقييمٍ استخباراتي جاد مسبقاً. ولا يُعاودون التحقُّق إلّا في حال كان الهدف حساساً من ناحية الوقت [مثل القتل المُستهدف]”.

ووافقه العميل (ب) الرأي قائلاً إنّه خلال حرب عام 2014 تحديداً “غالبية الأهداف التي ضُرِبَت لم يجر “تنظيفها”، ما يعني تأكُّد الجيش الإسرائيلي أنّ موقع قصف الأهداف يخلو من المدنيين قبل ضربه. لم تكن لدينا القدرة، لا أعلم إذا كانت هناك رغبةٌ في ذلك، ولكنّنا لم نمتلك القدرة بكل تأكيد… ولم نستوثّق من كل هدف”.

وتكمُن المشكلة في عدد الطائرات بدون طيار. إذ تمتلك إسرائيل عدداً كبيراً من الطائرات المُسيّرة التي تحوم حول غزة أثناء وخارج مواقف النزاع، لكن العميل (ب) قال إنّها لا تُستخدم بواسطة القوات الجوية، بل تستخدمها الأذرع الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية ولا تتوافر عادةً قبل الضربات. لأنّ أعدادها غير كافية بكل بساطة”.

تتفاقم تلك المشكلات خلال فترات القصف العنيف، مثل حرب عام 2014 حين أُمِرَ العملاء بجعل السماء “تُمطر بالقنابل”، وفقاً للعميل (ب).

وأضاف (ب): “يُعَدُّ قطاع غزة مكاناً صغيراً، وبنك الأهداف ينفد بسرعةٍ كبيرة. وبعد وقتٍ قصير لا نجد شيئاً لنُهاجمه”.

وقال إنّ الأمور وصلت في عام 2014 إلى حد بات رجال القوات الجوية يتساءلون معه عن سبب استمرار الحملة العسكرية: “كان الجميع يتحدّثون عما نفعله هنا، لأن بنك الأهداف انتهى. ولكن وصلنا شعور من القيادة العليا في الجيش الإسرائيلي بأنّ علينا مواصلة الهجوم ثم الهجوم لإحداث الضجة”.

“المراجعات الداخلية وسيلةٌ للتستُّر”.. كيف يرفع الجيش الإسرائيلي عدد المدنيين المسموح بقتلهم؟ 

خلال العمليات الأطول أمداً (مثل عملية عام 2014)، قال كلاهما إنّ هناك “أوضاعاً عملياتية” مُختلفة: كم عدد المدنيين الذين يُمكن قتلهم أو إصابتهم مع كل هدف؟ وكم حجم الأضرار المسموح بها للبنية التحتية والمنازل المُحيطة؟”.

لكن العميل (أ) قال إنّ تلك المراحل “هي مجرد بيانٍ شامل عن العملية بأكملها ولا صلة لها بالخطر الحقيقي على الجنود في بعض المناطق. وبدلاً من ذلك، تُرفَع كل الأوضاع العملياتية في كافة أنحاء غزة”، مما يُثير أسئلةً حول التناسب.

وزعم العميل أنّ بإمكان الجيش الإسرائيلي أن يرفع المرحلة ويسمح بالمزيد من الضحايا المدنيين في حال شعروا بأنّ نيران الفلسطينيين شديدة الكثافة، أو أنّ هجمات الفلسطينيين “تُحطّم المعنويات” في إسرائيل، أو حتى في حال اعتقد الجيش الإسرائيلي أنّ الرأي العام العالمي سيسمح بالأمر.

ويتأكّد ذلك أكثر في الشهادات التي جمعتها منظمة “كسر الصمت” وشاركتها مع صحيفة The Independent.

إذ قال شاؤول إنّ البروتوكول يجب أن يخضع للمراجعة: “يرفع الجيش الإسرائيلى الوضع العملياتي، ومما يزيد معدلات الأضرار الجانبية في أحد أجزاء غزة، وبالتالي يموت المزيد من الناس في القطاع. هل يبدو هذا شرعياً؟”.

وأردف أنّ هذا هو السبب الذي يجعل المراجعات الداخلية بالجيش  الإسرائيلي “وسيلةً للتتستُّر”، كما حدث في قصف الـ14 من نوفمبر/تشرين الثاني.

وأضاف: “إنّهم يُبعدوننا عن المشكلة الحقيقية، والتي تكمُن في القواعد. إذ تنظر تحقيقات الجيش الإسرائيلي في انتهاكات الأعراف والقواعد، وأنا أقول إنّ المشكلة تكمُن في تلك الأعراف والقواعد. إذ قُتِلَ غالبية المدنيين المُستهدفين في غزة بموجب البروتوكول. وليست هناك طريقةٌ لمهاجمة غزة دون قتل الكثير من الناس”.

وتكمن المشكلة الأخرى في صعوبة محاولة إدارة العمليات داخل المنطقة شديدة الكثافة السكانية.

إذ تتداخل العديد من الأهداف العسكرية في غزة مع البنية التحتية المدنية بسبب طبيعة الأرض، والكيفية التي تعمل بها حماس وغيرها من الجماعات المُسلّحة في القطاع. واتّهم الجيش الإسرائيلي تلك المنظمات مراراً باستخدام الدروع البشرية.

وقال العميل (أ) إنّ هناك -نظرياً- بروتوكولات مُفصّلة لتحديد عدد الناس الذين يُمكن أن يتعرّضوا للإصابة أو القتل في الضربة، وهذا يشمل نماذج إحصائية “علمية بالكامل” لحساب الأضرار. لكن هذا لا يُطبّق على الأراضي العشوائية في غزة.

وأردف: “ليست هناك وسيلةٌ لتقييم الأضرار بدقة في غزة. وأيّ تقييمٍ سيكون تقييماً سيئاً. فليس هناك نموذجٌ رياضي يصلح لغزة، لأنّ كثافتها السكانية لا تسمح بتطبيق النماذج”.

وأضاف (أ) أنّ العجز عن جمع معلوماتٍ استخباراتية كافية حول مبنى بعينه يجعل الأمر مستحيلاً بالنسبة لآلاف الأهداف.

ووافقه العميل (ب) الرأي قائلاً إنّه من الصعب العمل “وسط أكثر الأحياء اكتظاظاً بالسكان في العالم”. واتضّح ذلك على نحوٍ خاص خلال حرب غزة عام 2014، حين انتهى الأمر بالقادة الذين يتعرّضون للضغط إلى الموافقة على مراحل الحرب التي تسمح بأعلى مستويات الأضرار الجانبية.

إذ قال (ب): “ليست هناك طريقةٌ للهجوم دون قتل الكثير من الناس. ليست هناك طريقةٌ على الإطلاق. إلّا في حال خرج كافة المدنيين من المنطقة. 

وفي النهاية، يُعَدّ القطاع منطقةً محدودة. ويجب أن يتحرّك السكان بطريقةٍ أو بأخرى. لكنّهم لن يختفوا جميعاً، لذا يتعيّن عليك أن تُرخي يديك قليلاً، وهذه هي روح القائد، إذ يقول لقادة الخلية: شباب، الأمر يعود إليكم، لقد سُمِح لنا بأعلى مُعدلات الأضرار الجانبية”.

وترى يائيل أنّ المشكلة الرئيسية لا تكمُن في عيوب البروتوكول الممنهجة، بقدر ما تكمُن في الرسالة الرئيسية من الحكومة الإسرائيلية حول أنّ “حياة الفلسطينيين ليست مُهمة. فالأمر يتعلّق بالإرادة السياسة. ولا أعتقد أنّ الأوضاع ستتغيّر مادام أنهم واصلوا النظر إلى حياة الفلسطينيين بوصفها أمراً غير ذي أهمية ويُمكن التخلّص منه بسهولةٍ شديدة. قُتِلَ أطفالٌ صغار [خلال هجوم الـ14 من نوفمبر/تشرين الثاني]، لكن الجميع وصفوا الهجوم بأنّه قانوني. ومن سيهتم في النهاية؟ لقد قُتِلَ بعض الأطفال”.

وبالعودة إلى غزة، نجد أقارب ضحايا ضربة نوفمبر/تشرين الثاني وهم يبحثون عن المتعلقات الشخصية وسط بقايا المنازل، في محاولةٍ لفهم ماحدث.

وقال الأجداد إنّ الأطفال الذين نجوا، وبعضهم يُعاني من إصابات شديدة، يُعانون من الصدمة ويستيقظون وهم يصرخون في جُنح الليل.

إذ قال عوض (20 عاماً)، نجل رسمي: “اضطررنا للحفر من أجل استخراج الأطفال حين حدث الهجوم. ولم يتبقَ شيءٌ من المنزل، وكأن الأرض ابتلعته. لماذا استخدموا ثلاث قنابل ضخمة للقضاء على عائلتين وبعض الماعز والقليل من الأكواخ؟ نُريد أن نعرف السبب؟”.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى