ثقافة وادب

وظَّفا الجواسيس وسرقا الآثار.. ماذا تعرف عن «حرب العظام» التي دمرت عالِميْن بحثاً عن الديناصورات؟

على مدى 30 عاماً، اندلعت
حرب علمية بين خبيرَيْ آثار أمريكيَّيْن، سُميت بـ «حرب العظام». نجحت
تلك الحرب في جعل الديناصورات موضوعاً فضائحياً بعدما تحولت المنافسة من ودية إلى
ساحة تبيح كل الوسائل للوصول إلى الغاية العلمية، بما فيها توظيف جواسيس وسرقة
الاكتشافات.

عثنييل مارش وإدوارد درينكر كوب لم يكونا مجرد عالِمَيْ آثار عاديين، إذ استمرت المنافسة بينهما حتى بعد الموت، وإن كانت السبب في اكتشاف أحد أعظم اكتشافات حفريات الديناصورات في القرن التاسع عشر.

في البداية، كان مارش
وكوب يتعاملان ببعض الودّ الذي لا يخلو من الحذر.

التقيا في ألمانيا في عام
1864، حين كانت أوروبا الغربية وليس الولايات المتحدة في طليعة أبحاث علم
الحفريات.

ينبع جزء من المشكلة
بينهما من خلفياتهما المختلفة، فقد ولد كوب في عائلة ثرية في ولاية بنسلفانيا،
بينما كانت عائلة مارش في ولاية نيويورك فقيرة نسبياً، وإن كان ذلك مع وجود عمّ
ثري للغاية سيدخل القصة لاحقاً.

يتتبع معظم المؤرخين
بداية حرب العظام منذ عام 1868، عندما أعاد كوب تصميم حفرية بشكل غريب.

وصلت الحفرية إلى كوب عن
طريق طبيب عسكري من ولاية كانساس، وأطلق على العينة اسم Elasmosaurus، قام كوب بوضع جمجمة الحفرية في نهاية ذيلها القصير، بدلاً من
رقبتها الطويلة، وعندما اكتُشف هذا الخطأ، أهان مارش كوب من خلال الإشارة إلى خطئه
هذا في الأماكن العامة.

ولحفظ ماء وجهه، حاول كوب
شراء وتدمير كل نسخة من المجلة العلمية التي نشرت فيها عملية إعادة البناء غير
الصحيحة.

من هنا كانت بداية القصة،
إذ ساهمت المشاجرات حول Elasmosaurus في العداء بين الرجلين.

ثم أصبحت أكثر حدةً عندما
اكتشف كوب موقعاً أحفورياً في ولاية نيوجيرسي، والذي أسفر عن  اكتشاف
ديناصورات هادروسورس.

عندما رأى مارش عدد
العظام التي لم تؤخذ بعد من الموقع، دفع الحفارات للحصول على أي اكتشافات مثيرة
ونسبها له، وليس إلى كوب.

سرعان ما اكتشف كوب هذا
الانتهاك للملكية العلمية، وبدأت حرب العظام بشكل جدي.

ما دفع «حرب
العظام» إلى مستوى عالٍ من التنافسية والتحدي، كان اكتشاف العديد من حفريات
الديناصورات في الغرب الأمريكي في سبعينيات القرن التاسع عشر.

فقد تم إجراء بعض هذه
الاكتشافات عن طريق الخطأ خلال أعمال التنقيب لإنشاء السكة الحديد عبر أمريكا.

في عام 1877، تلقَّى مارش
خطاباً من أحد الأشخاص، يصف له العظام التي وجدها خلال رحلة المشي لمسافات طويلة
التي يقوم بها، وتم إرسال عينة من الحفريات له.

ولضمان الاهتمام بالأمر
تم إرسال بعض الحفريات لكوب أيضاً، تحسباً ألا يُثير الأمر اهتمام مارش، لكن الأمر
كان هاماً بما يكفي بالنسبة لمارش، لكي يدفع نحو 100 دولار للحفاظ على اكتشافه
سراً.

لكنه اكتشف بعد ذلك أنه
قد تم إخطار كوب، وفي نفس الوقت تقريباً تم إرشاد كوب إلى موقع أحفوري آخر في
كولورادو، وقد حاول مارش أن يحلّ محله في هذا الاكتشاف ولكن دون جدوى.

خلال هذا الوقت كان من المعروف أن مارش وكوب يتنافسان على أفضل
حفريات الديناصورات، وهو ما يفسر المؤامرات اللاحقة المتمركزة على موقع كوموبلاف.

إذ  نبّه عاملان
يعملان في شركة Union Pacific Railroad، وهو خط سكة حديد لنقل
البضائع، مارش إلى اكتشافاتهما الأحفورية، ملمحين إلى أنهما قد يبرمان صفقة مع كوب
إذا لم يُقدم مارش عرضاً مادياً سخياً.

أرسل مارش وكيله ليقوم
بالترتيبات المالية اللازمة، وسرعان ما تلقّى مارش علباً من الحفريات، بما في ذلك
العينات الأولى من ديناصورات البوكسبلوكس وألوصور وستيجوسورس.

سرعان ما انتشرت الأخبار
حول هذا الترتيب الحصري، لأسباب ليس أقلها أن موظفي يونيون باسيفيك قاموا بتسريب
السبق الصحفي إلى جريدة محلية، مُبالغة في الأسعار التي دفعها مارش للحصول على
الحفريات.

وبعد فترة وجيزة أرسل كوب
وكيله الخاص للتفاوض مع الشركة، وعندما أثبتت هذه المفاوضات عدم نجاحها، ربما لأن
كوب لم يكن مستعداً لتكريس ما يكفي من المال، أصدر كوب تعليماته لمنقّبه للانخراط
في القليل من سرقة الحفريات وسرقة العظام من موقع كوموبلاف مباشرةً، رغم أنف مارش.

بعد فترة وجيزة كان مارش
خلالها غير مُنتظم في دفع التزاماته المادية لرجال شركة السكة الحديد، بدأ أحدهم
في العمل لصالح كوب.

وتحول موقع كوموبلاف إلى
مركز لـ «حرب العظام»، وتتردد الشائعات أنه خلال السنوات التالية انخرط
كل من مارش وكوب في تدمير الحفريات المُتبقية والمواقع الأحفورية لإبعادها عن
الآخر، كما تم التجسس على التنقيبات التي يجريها كلا العالِمين، ورشوة الموظفين،
وصولاً إلى سرقة العظام مباشرةً.

بحلول عام 1880، كان من
الواضح أن عثنيئيل مارش كان يربح «حرب العظام»، بفضل دعم عمه الثري،
جورج بيبودي، الذي بمُساعدته المادية كان باستطاعة مارش توظيف العاملين واكتشاف
المزيد من مواقع الحفر، في حين تراجع كوب ببطء ولكن بثبات.

سرعان ما حظي كوب بفرصة
الانتقام في عام 1884، حينما بدأ الكونغرس تحقيقاً في هيئة المسح الجيولوجي
الأمريكية، والذي تم تعيين مارش رئيساً له قبل بضع سنوات.

جنّد كوب عدداً من موظفي
مارش للإدلاء بشهادتهم ضد رئيسهم، لكن مارش استطاع أن يُبقي شكاويهم خارج الصحف.

لم ييأس كوب، فسرد بدقة
جرائم مارش العديدة والجنح والأخطاء العلمية، قدم المعلومات إلى صحفي لصحيفة
«نيويورك هيرالد»، التي أدارت سلسلة مثيرة من التحقيقات حول حرب العظام.

لكن مارش لم يقف مكتوف
الأيدي، وأصدر بدوره نفياً في نفس الصحيفة، وألقى اتهامات مماثلة ضد كوب.

في النهاية طُلب من مارش
أن يستقيل من منصبه في هيئة المسح الجيولوجي، وكان كوب بعد فترة قصيرة من تعيينه
رئيساً للجمعية الوطنية لتقدم العلوم يعاني تردياً في صحته.

اضطر إلى بيع أجزاء من
مجموعة الحفريات التي اكتشفها، وبحلول الوقت الذي توفي فيه كوب في عام 1897 كا
الرجلان قد بدّدا ثرواتهما الكبيرة.

لكن كوب حاول أن يمدّ في
عمر «حرب العظام» حتى من قبره، فقد كان أحد طلباته الأخيرة أن يقوم
العلماء بتشريح رأسه بعد وفاته لتحديد حجم دماغه، والذي كان متأكداً أنه سيكون
أكبر من حجم دماغ مارش.

رُبما يكون مارش قد رفض
التحدي، لأن رأس كوب الذي لم يتم فحصه بقي مُخزناً حتى الآن في جامعة بنسلفانيا.

لكن رغم كل شيء كان لحرب
العظام تأثير عميق على علم الحفريات
الأمريكية، فقد اكتشف كوب ومارش العديد من الديناصورات التي رُبما لم يكن في
استطاعتهما اكتشافها لو كان التنافس بينهما وديّاً.

وكانت النتيجة النهائية
لهذه الحرب العلمية: اكتشاف مارش 80 نوعاً جديداً من الديناصورات، بينما توصل كوب
إلى أكثر من 56 نوعاً.

في يناير/كانون الثاني عام 2011، أنتجت شركة PBS الأمريكية فيلماً وثائقياً قصيراً، تحت اسم Dinosaur Wars .

ويتناول الفيلم قصة التنافس العنيف بين كوب ومارش، والذي أدى إلى
تدمير بعضهما البعض لأجل اكتشاف الحفريات الجديدة، والحصول على اعتراف المجتمع
العلمي العالمي، بفضل ما توصَّلا إليه.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى