ثقافة وادب

وداد حمدي.. الفنانة التي أهانها المجتمع ورفضت أسرة فريد شوقي خطبتها لأن معظم أدوارها خادمة!

«دي بتطلع في
الأفلام خدامة لهدى سلطان إزاي تتجوزها؟»، كانت تلك الجملة هي المبرر الذي
عللت به أسرة الفنان الراحل فريد شوقي، رفضهم لخطبة شقيقه أحمد شوقي من الفنانة
وداد حمدي، «كنا هانعملها مفاجأة واشترينا الدبل وكتبنا عليها أسامينا، أحمد
شوقي ووداد حمدي، لكن الكلام وصلني وقررت فوراً أقطع علاقتي بيه، رميت كل حاجة
ورايا وطلعت إسكندرية أربع أيام نسيت فيهم كل حاجة.. أصلاً مكنتش بحبه».

موقف لم تكن الفنان
المصرية وداد حمدي «3 يوليو 1924-26 مارس 1994» تتحرج من أن تحكيه خلال
لقاءاتها التلفزيونية، بدا كاشفاً لحقيقة غير شائعة عن ارتباط  تقدير الفنان
بطبيعة الأدوار التي يؤديها ومدى احترام المجتمع لتلك الأدوار على أرض الواقع، ففي
مجتمع ينظر بازدراء لوظائف كالخادمة والبواب وعامل النظافة، بدت أدوار وداد حمدي
العديدة كـ «خادمة» مثار نظرة دونية آذتها للدرجة التي حددت معها شكل
حياتها العاطفية والمادية لسنوات تالية.

«يلا اعملي الشويتين
بتوعك»، كانت تلك هي الجملة التي تكرهها وداد بشدة، وتتكرر بشدة أيضاً من
جانب عدد من المؤلفين والمخرجين الذين عملت معهم، فالخادمة المرحة ذات القلب
الأبيض والوجه البشوش لم يكن أكثر المؤلفين يبذلون جهداً في وصف دورها أو مظهرها،
تقول: «كان ييجي في السيناريو ويكتب هنا وداد من غير تفاصيل كتير لأنهم
عارفين بقول اللي جوايا وأقدم حاجات أكتر من اللي محتاجها الدور، دا خلاهم يعتمدوا
عليّ، بس في منهم كانوا بيقولولي يلا اعملي الشوية بتوعك، وكنت بحس بمهانة، يعني
إيه اعملي الشوية بتوعك؟».

«كلمينا عن دور
الخادمة»، كان هذا هو السؤال المجاني الأقل ابتكاراً والأكثر تكراراً لها من
جانب الصحفيين والمذيعين الذين قرروا استضافتها، بمن فيهم الفنانة صفاء أبوالسعود،
حين استضافتها في حلقة من برنامج لها عبر قناة art، خصصت الحلقة بالكامل
للحديث عن دور الخادمة في حياة وداد حمدي، الأمر الذي دفع وداد لإعلان استنكارها
«يعني أنا عاملة 700 عمل فني، ما لزقش فيّ غير دور الخدامة؟».

نظرة دونية رغم التاريخ
الطويل لها، بدت واضحة في ترتيب المتحدثين خلال لقاء مفاجئ من مذيعة بالتلفزيون
المصري لمجموعة من الممثلين داخل أستوديو الإذاعة خلال تسجيلهم حلقات مسلسل إذاعي
بعنوان «معلش»، حيث بدأت حديثها باهتمام شديد مع الفنان عبدالله فرغلي
على اعتبار أنه «الأقدم والأكثر أهمية» بين الموجودين، متجاهلة القاعدة
الأشهر «السيدات أولاً»، ومتجاهلة أيضاً أن عبدالله فرغلي مواليد 1928
بينما وداد حمدي مواليد 1924، أي أنها كانت الأكبر بين الموجودين والأكثر تواضعاً
أيضاً، لكن وداد لم تعبأ ولم يظهر على وجهها تأثر أو ضيق، ربما كان هذا بسبب
الاعتياد، أو ربما بسبب سعة صدرها الشديدة، هكذا راحت تحكي، ثم راقبت الحديث بينما
تضع يدها على كتف زملائها بحب واهتمام في أجواء بدت حميمة، كانت الضحكة الأعلى
داخل الأستوديو، تزغرد، وتبدأ الأحاديث وتجامل ولا يتوقف وجهها عن الابتسام.. كانت
الأكبر سناً والأكثر تواضعاً.

في المقابل لم تكن وداد
تضيق ذرعاً بالدور الأكثر تكراراً في تاريخها الفني، لم يكن الوحيد لكنه الأكثر
التصاقاً بذهن الجمهور، لم تكن السيدة الباسمة تشعر ببأس، صحيح أن بدايتها لم تكن
كما خططت لها، كمغنية، لكنها كعادة أبناء برج السرطان، تركت الرياح تأتي لها بما
تشتهي وما لا تشتهي، فعاشت تستمتع بما لديها ولا تبكي طويلاً على ما فاتها.

مذاق خاص أعطته وداد لدور
الخادمة، فهي ليست منكسرة، وليست غبية، وليست لعوباً أيضاً، خادمة، طيبة وصادقة
ولطيفة وضاحكة، وجميلة في الوقت ذاته، اندماج مع الدور تصفه بقولها: «أنا
مجرد ما بحط رجلي في الأستوديو السعادة اللي في الدنيا كلها تبقى جوايا، بحب
الفيلم ككل من صغري ولحد آخر يوم في عمري، بحب دا، مفرقش بين دور خادمة أو غيره،
نجاحي مكنش تميز، لكن كان اندماج، مكنتش بحس إني بأدي دور، كنت بحس إن اللوكيشن هو
فعلاً البيت اللي بشتغل فيه، والممثلة اللي معايا هي فعلاً صاحبة البيت، اللي
بحبها وعاوزة أخدمها بعيني، وبعزها أكتر من جوزها وأبوها واللي جابوها».

دور لم تعشه في الحقيقة
داخل بيتها، في لقائها الأخير قبل وفاتها بدت متسامحة جداً مع الفكرة، حيث قالت:
«مكانش عندي وقت أعمل حاجة وأنا صغيرة، دلوقتي معنديش خدامة، أنا اللي بحب
أعمل حاجتي، أقف في المطبخ، لنفسي، أنضف وأبص للأوضة بعد لما أخلص، وأفرح بنفسي،
أتاري جوايا شغلانة الخدمة وأنا مش دريانة، صحيح اتغيرت نوعية الأدوار اللي
بقدمها، فبقيت أفرغ طاقتي في البيت».

قدسية خاصة لهذا النوع من
الأدوار بالذات جعلتها تنظر بغضب للممثلات اللاتي حاولن تقديمه من بعدها حتى
وافتها المنية تقول: «الأداء اختلف، دلوقتي الخدامة بتلبس باروكة وتلبس
تايير، ومكياج على الآخر وتركب رموش.. الموازين انقلبت كلها».

انهال على وداد حمدي عدد
غير قليل من عروض الزواج بسبب دور الخادمة، «كانوا معجبين بيّ أوي»،
بجلباب أبيض وجمال مصري استثنائي، كان دورها في فيلم «أم رتيبة» بمثابة
نقطة فاصلة، فوداد لم تكن مجرد خادمة تقضي الطلبات وتلبي الاحتياجات، بل كانت
واحدة من أهل البيت، تشارك بالرأي وتتضامن، تختار عريسها بإرادتها لا تتقبل
إملاءات، تعاون أم رتيبة على هموم حياتها الصغيرة، وتساعدها كصديقة وأخت وليس
كخادمة في المنزل منعدمة الرأي والكيان.

وعلى الرغم من المقاييس
الجسدية التي امتلكتها وداد، والتي كانت لتمكنها من أداء أدوار أبعد من دور
الخادمة، إلا أن وداد لم تفعل أو ربما لم تحظ بالفرصة، لكن الأكيد أنها نالت
استحسان المنتجين بمن فيهم آسيا داغر التي منحتها مبلغ 5 جنيهات في اليوم لتحصد 40
جنيهاً عن دورها في فيلمها الأول «هذا ما جناه أبي».

«بومبة» في
الزوجة الـ 13، كانت هي الأخرى جزءاً لا يتجزأ من المنزل، لا تستطيع شادية أن تحيا
دون وجودها، ولا تكف هي عن تمني الخير لأهل البيت والتوفيق بينهم، كذلك الأمر مع
صباح في ثورة المدينة.

بين ثلاث محافظات، كانت
حياة وداد حمدي، فهي من مواليد كفر الشيخ، انتقلت بصحبة والدها إلى المحلة الكبرى،
ثم إلى القاهرة في عمر الـ 11 عاماً، كان شكل المرأة المصرية من الحارات والشوارع
الريفية بين كفر الشيخ والغربية ثم في شوارع القاهرة الفارهة، مثار اهتمام خاص،
رصدت التغير في أدق تفاصيله بما في ذلك ما طرأ على طقوس علاقة السيدات بالشرفات
-البلكونة- فمن استخدامها كمكان للتسوق بواسطة «السبت» وموضع لتخزين
الجبن أو الثوم والبصل والكشك، وتجفيف الفلفل والملوخية، إلى مكان مغلق، كئيب،
مختنق بما فيه، لا يتعرض للهواء أو يستخدم كسابق عهده.

في لقاء لها مع الفنان
رمسيس، اختار الأخير مكاناً موفقاً لمحادثة ضيفته التي بدا مقدراً لها إلى حد
بعيد، اختار الرجل، أو ربما جاء الأمر مصادفة «شرفة» كي يقوم بعمل
المقابلة داخلها، هكذا بدأت وداد في سرد مجموعة من مشاهداتها للفرق بين السيدات
«المتحضرات» والسيدات «البلدي» معلنة تفضيلها للفئة الأخيرة،
وكانت نقطة المفاضلة هي «الشرفة»، اللقاء الذي أذيع عام 1988 قالت فيه:
«دلوقي البلكونة بقت فراندا، متقفلة ومتفيمة، تخلي ريحة البيت تخنق، والطلبات
بتيجي بالورقة والقلم، معادش بلاليص جبنة قديمة ومش بدوده والسمنة البلدي اللي
اتضح إنها مابتعملش ذبحة ولا حاجة معادش بيتعمل حفلة وهي بتتسيح عشان العيال
ياخدوا منها المورتة، واللحاويس يتعمل منها قراقيش».

كانت وداد حمدي تشجع
النادي الأهلي، وتغضب بشدة لخسارته، محبة دفعتها خسارة الفريق لأحد الماتشات في
أواخر الثمانينات للتأكيد: «يقطع الكورة وسنينها نكدوا عليّ»، نكد لم
يكن يقف عند حدود كرة القدم ولكن يمتد إلى صناعة السينما التي رصدت تغيرها على
مدار سنوات عملها، في لقاء لها خلال فترة التسعينات، بينما كانت بعد بملابس الدور
الذي تقوم بتأديته قالت: «الممثلين كانوا ملتزمين ويحبوا يجوّدوا، ومكنش
المنتجين زي دلوقتي يقولك أنا دافع فلوس، كانت الساعة أربعة فركش يعني فركش، كان
في التزام مشترك من المنتج والممثل زي بعض».

«لما الفرح يبقى
فضايح إمال الحزن يبقى إيه؟»، قالتها وداد في فيلم «ليلى بنت
الشاطئ»، كواحد من أقوالها المأثورة التي تتراوح بين «الردح»
المصري الأصيل «إنتي الأكلانة تنزل من عليكي تاخد دش»، وبين الجمل
العميقة، نجحت وداد في الخروج من عباءة الخادمة فقدمت أدواراً مختلفة كالصديقة،
والأم، والجارة والقريبة، والزوجة، حيث قدمت عبر المسرح أعمالاً بذات القوة، فقدمت
أعمالاً مسرحية من بينها: «الدنيا لما تضحك» أمام فريد شوقي، و
«فندق السعادة الزوجية» وغيرهما.

لعل دورها في فيلم
«الأيدي الناعمة» كان الأبرز بين أبطال الفيلم، بقدر ضآلته، فقد كانت
السيدة الوحيدة تقريباً التي تعمل على أرض الواقع بصحبة زوجها الجزار، وفي الوقت
نفسه تعطف على عشرات القطط، بالتزام وحب شديدين، عكس سيدات الفيلم اللائي بدا
مظهرهن مرفه بشكل لا يتناسب مع ما كان الفيلم يدعو إليه من انضباط وعمل على أرض
الواقع.

كثيراً ما أعلنت شعورها
بالفخر من نفسها، «أنا مكنتش بقلّد حد، طلعت في عز زينات صدقي، وماري منيب،
ما روحتش قلدت زينات، طلعت ليّ لون بعمله ولايق عليّ».

تحمل صفحات الإنترنت
عشرات المعلومات المغلوطة عن وداد حمدي، فيدعي بعضها أنها تزوجت أربع مرات، ويشير
بعضها إلى أنها ثلاثة فقط، لكن وداد نفسها لم تتحدث عن علاقة عاطفية باستثناء
خطبتها لأحمد شوقي وانفصالهما والأسباب، أما المعلومات الواردة عن زواجها بكل من
محمد الموجي ومحمود قابيل، فقد تم نفيها من جانب أبنائهم، فخرجت الدكتورة غنوة
الموجي لتؤكد: «والدي لم يتزوج وداد حمدي»، كما خرج نجل الفنان الراحل
محمود قابيل لينفي المعلومات التي مسته وعائلته: «لست ابن الفنانة وداد حمدي،
ووالدي لم يتزوج سوى والدتي طوال حياته».

الزيجة الوحيدة التي لم
تحظَ بالنفي كانت تلك التي جمعتها مع الفنان محمد الطوخي، لكن الأكيد أنها لم تحظ
بأبناء أو زواج طويل الأجل.

ربما ارتسمت البسمة على
وجه الريجيسير متى باسيليوس في أحد الأيام بينما يشاهد دوراً لوداد حمدي، وربما لم
يحدث هذا، لكن الأكيد أنها لم تخطر على باله كاختيار أوليّ حين قرر سرقة أحد
الفنانين.

وداد التي احتفظت
بلياقتها وحيويتها حتى يومها الأخير، كانت على استعداد لتلقي أدوار جديدة وهي في سن
السبعين، ربما كانت طاقة استثنائية أو حاجة ماسّة للعمل، الأكيد أن السيدة لم تكذب
خبراً حين أخبرها باسليوس بأن لديه دوراً جديداً، استقبلته وأنصتت إليه، أحاول
تخيل ما دار بعقلها، أعتقد أنا فكرت في المقابل، هل سيكفي لسداد الإيجار
ومساعدتها، حيث لم تكن تمتلك في منزلها سوى 250 جنيهاً.

كان باسليوس قد مر قبلها
على يسرا وأحمد ذكي وشريهان، وهشام سليم، لكنّ أحداً منهم لم يكن ليقبل دوراً
جديداً عبر ريجيسير، منعه الأمن تارة ولم يجدهم تارة أخرى، كان الوصول صعباً، هي
فقط كانت بحاجة للدور وهي الوحيدة التي بدت متاحة، هكذا استقبلت المكالمة وأحسنت
الاستقبال وفتحت الباب لـ 35 طعنة في أماكن متفرقة بجسدها ليسرقها القاتل ويلحق
بها إلى بارئها شنقاً عقب أربع سنوات من المحاكمة.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى