الأرشيفتقارير وملفات

وجف مداد “هيكل “… وبقى ماخطت يداه..!.

من روائع الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى

*بادئ ذى بدء , لست فى هذا المقال أتبوأ دور سلطة ” النيابة ” فأغرق ” هيكل بسيل من الاتهامات , وما أكثرها . كما لا أتبوأ سلطة ” قاضى الإعدامات ” , فأصدر ضده أحكاما نهائية قد يستحقها . فلست هذا ولا ذاك . غير أنى فضلت أن أقوم بدور تاجر المشغولات الذهبية الذى يضع بضاعته فى ميزان دقيق حساس ولكم وللتاريخ تقدير الوزن والقيمة ثم الحساب ..! . بداية , هو محمد حسنين هيكل الذي ولد فى عام 1923م فى حي الحسين لأب صعيدي من ديروط بأسيوط . حيث كان تاجرا للحبوب . أطلقوا عليه لقب “كاتب السلطة” , و”صديق الحكام” و” الصندوق الأسود ” و ” مستشار النكسة ” و” كاتم الأسرار “. كان يعيش بداخله شخصان مختلفان : ” الكاتب ” و ” السياسي ” ورغم كل ما قيل عنه من مدح وإطراء ككاتب لامع ومشهور , إلا أن مواقفه السياسية سحبت كل رصيده الصحفي وتركته كصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا..!. انحاز إلى ضباط يوليو وكتب عنهم قائلا : ” إنهم فتية آمنوا بوطنهم ” . حقا .. ” يموت الحصان ويبقى سرجه , ويموت الإنسان ويبقى اسمه . كم من عزيز أذله الموت. وكم من ملك علا , فلما علا مات . وكم من كاتب غادر دنياه , وأبقي الدهر ما كتبت يمناه . فكل ما يكتبه الكاتب فى صحيفة أعماله , إما له , وإما عليه , لان صحيفة الأعمال لاتقف على الحياد وليس فيها صفحة باللون الرمادي , وإنما صفحاتها كالليل والنهار , سوداء أو بيضاء . الدنيا بابان يدخل المرء من أحدهما , ويخرج من الآخر , ولكن باب الخروج يستطيع المرء أن يحدد مواصفات وسمات الطريق الذي يؤدى إليه . ولقد حدد صاحبنا الطريق الذي يخرج منه , إنه الطريق المؤيد لكل السلطات حقا وباطلا , وليذهب الشعب إلى سواء الجحيم.

العراب
* قال فى آخر أيامه ما يتناقض مع مواقفه على أرض الواقع حيث صرح :” مصر ليس لديها بوصلة واضحة وإن تلك مشكلة خطيرة جدا. وإذا لم تنتبه إلى ذلك فإنها ستصبح مرشحة للخروج من التاريخ، وإن مجمل البيانات المطروحة لا يكفى لإقناع الناس بأن هناك مستقبلا مرضيا ومقبولا. ” وعندما سئل ” هيكل ” عن الفرق بين العرب وإسرائيل , قال : إسرائيل تلعب الشطرنج لكن العرب يلعبون الطاولة . ومن أشهر أقواله : ” من الممكن للطرف الأقوى أن يفرض على طرف أضعف منه أمرا واقعا يريده لكن ذلك لا يحقق المراد شرعيته . وإنما تستقر الشرعية حين يقدم الضعيف اعترافه بالأمر الواقع حتى وإن كان مفروضا عليه. ” قال أيضا :” وفى الحقيقة فإنني لا أتصور الحياد لصاحب رأى وإلا كان معنى ذلك التوهم بإمكانية الانسلاخ عن الزمان والمكان وعن التاريخ والحياة وكله فى رأيي من المستحيلات واقعا وفكرا. ” قال أيضا :” إن عدم الفهم لم يخلق سوء الفهم فحسب ولكن خلق ماهو أخطر , خلق أزمة تاريخية .” قال أيضا :” إن إستراتيجية أى وطن لاتكفيها أهواء الزعماء والحكام وإنما تفرضها ثوابت الجغرافيا أولا ثم تحركها دواعي التاريخ ثانيا .” قال أيضا :” التحليل السليم لأى حدث من الأحداث لايتوفر بمجرد فهم ماكان وإنما قبله بفهم مايمكن أن يكون .” قال أيضا : ” ظلام الليل كله لا يستطيع إن يطفئ شمعة لكنه يستطيع ذلك إذا تحالف مع هبة ريح .” . قالت عنه شبكة CNN الإخبارية ” مات آخر فراعنة الصحافة المصرية “
* أخيرا توقف قطار ” هيكل ” وغادره بعد أن وصل لمحطته الأخيرة التي كان لابد أن يصل إليها مهما طال به وبغيره العمر . غادر الحياة , تاركا وراءه تركة ثقيلة من مئات المواقف , وآلاف المقالات التى نشرت على نطاق واسع , علم بها واطلع عليها القاصي والداني نظرا لشهرته العالمية . لكن هيكل وحده هو الذى سيحمل هذه المواقف وتلك المقالات فوق ظهره يوم القيامة , ليحاسبه الله عليها , على كل حرف , وكل كلمة , وكل سطر, وكل موقف . كم فيها لوجه الله , وكم فيها لوجه السلطان . كم فيها لوجه الحق , وكم فيها لوجه الباطل . كم فيها لوجه العدالة , وكم فيها لوجه الظلم . كم فيها لوجه الدرهم والدينار , وكم فيها لوجه الرحمن . مات هيكل , وسقط القلم من يده , ولم يعد قادرا على كتابه حرف واحد ولا أقل من ذلك ولا أكثر . سيسأل هيكل : كم من موقف نصر فيه حقا وأدحض فيه باطلا . كم من موقف انتصر فيه لمظلوم وقهر فيه ظالما , كم من موقف قال فيه كلمة الحق فى وجه سلطان جائر . كم من موقف انتصر فيه لأمة مقهورة , وشعب مذلول . كم من موقف خرج من عباءة السلطة التى كثيرا ما التف بها وحولها ليلتف بعباءة الشعب المرقعة البالية والتى لم تجد من يرقع خرقها ..؟ فهل أعددت يا هيكل الجواب..؟
* غادر قطار هيكل الحياة , بعد عمر مديد , وأجل طويل , وعاصر جيل بعد جيل . لكن الأسئلة التى تطرح نفسها : هل استغل هيكل سلطة ” القلم ” وخدم بها قضايا الحق والعدل والحرية ..؟ هل وظف هيكل شهرته العالمية لخدمة دينه ووطنه ..؟ أم وظفها لخدمة كل سلطة حاكمة ..؟ هل كتب يوما مقالا نافذا انتصر فيه لقول الحق , وانتفض به لدحر الباطل ..؟ هل استغل هيكل موهبته الصحفية وسمعته العالمية لتأسيس قواعد الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ..؟ هل استغل هيكل قدرته على الإقناع فى أن يقنع كل سلطة حاكمة على مدار خمسين عاما خلت أن يحترموا إرادة الشعوب وصندوق الانتخابات وحرية الشعب المصري فى تقرير مصيره ..؟ هل أحسن هيكل استغلال قدرة قلمه على الوصف والتفصيل فى أن يضع كل شئ فى مكانه ..؟ هل يمكن أن يطلق على هيكل كاتب الجماهير , أم كاتب السلطة والأمير ..؟ هل يمكن أن يطلق على هيكل كاتب الفقراء أم كاتب الأغنياء..؟ هل يمكن أن يطلق على هيكل كاتب المظلومين , أم كاتب الظالمين ..؟ هل استفاد الوطن من هيكل , أم انه هو الذي استفاد من الوطن ..؟ لست معنيا بالإجابة على مثل هذه الأسئلة لأن التاريخ وحده القادر على الحكم عليها .
* غادر هيكل دنيانا , بعد أن جفت محابره وألقى دفاتره كما يقول أمير الشعراء شوقى . ألقي محابره رغما عنه . فلم يعد قادرا على شئ , أى شئ , حتى لغة الاعتذار غير مسموح بها . فقد مضى زمن الاعتذار لأن الله عز وجل جال ” بل الإنسان على نفسه بصيره ولو ألقى معاذيره ” . لن يقبل الله عذر أحد لأنه لاعذر اليوم . اليوم ساعة حساب وعرض أما محكمة العدل الإلهية . المحكمة من دائرة واحدة وليس هناك مراحل للتقاضي ولا استئناف ولانقض ولا دفاع ولا شهود , لان جوارح المرء شاهدة عليه . وماخطت يمينه شاهدة عليه . وألقى هيكل دفاتره , فلم يعد قادرا على كتابة كلمة وإضافة سطر واحد يبرئ بها ذمته أمام الله , فلقد رفعت الأقلام وجفت الصحف . جفت الصحف بما فيها من سيئات وحسنات , بما فيها من شر وخير , بما فيها من ظلم وعدل , بما فيها من حق وباطل . لله الأمر من قبل ومن بعد .
* لاشك أن ” القلم ” مسؤولية أمام الله . وتقدر حجم المسؤولية بقدر شهرة صاحبها . وصاحبنا لم يكن كاتبا مغمورا لأنه نال من الشهرة مالم ينله أحد من قبله فى مجال الصحافة والكتابة . إن الكتابة ليست ترفا أو تسلية أو وسيلة للاسترزاق أو الكسب الرخيص . فهناك كتاب مأجورون باعوا مداد أقلامهم لمن يدفع أكثر . جعلوا أقلامهم كالشقق المفروشة يستأجرونها لأصحاب العروض الأكثر ثمنا . لم يراعوا فى دينهم ولا فى أوطانهم ولا فى مجتمعاتهم ولا فى أبناء وطنهم إلا ولا ذمة . باعوا كل شئ , وماتوا وتركوا كل شئ وراء ظهورهم لكنهم محاسبون أمام الله عما اقترفوا فى حق الإنسانية من تضليل وغسيل أدمغة كغسيل الماء والصابون..! . وهناك كتاب صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومن من ينتظر , تحملوا آلام قول كلمة الحق ولم ينحنوا لظالم ولم يركعوا لطاغية ولم يسجدوا لديكتاتور . يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف . ثبتوا وصمدوا أمام كل الأعاصير والرياح العاتية وخرجوا من بين أتربة تلك العواصف أكثر إشراقا وبريقا ولمعانا . إذا نظرت إلى وجه القمر ليلة البدر تذكرتهم , وإذا نظرت إلي وجوههم نسيت وجه القمر..! إنه نور الحق يعلو وجهوههم بما قدموا من خير وحق وعدل وتضحيات تنوء بحملها الجبال الراسيات . يموت الكاتب , ويبقى ماخطت يداه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى