منوعات

وثق اعتقال إخوته وفاز بجائزة الإيمي ورُشح للأوسكار.. تفاصيل وثائقي «5 كاميرات محطمة» الفلسطيني

هناك في قرية بلعين -إحدى قرى الضفة الغربية- ولد المخرج الفلسطيني عماد برناط الذي كان مزارعاً أباً عن جد، قبل أن يدخل عالم التصوير بمحض الصدفة بعدما اشترى كاميرا بالتزامن مع ميلاد أصغر أبنائه جبريل في عام 2005. كان يرمي من وراء شرائها إلى تصوير ابنه الرضيع وهو يكبر أمام عينيه قبل أن يقرر توثيق المقاومة الشعبية السلمية في قرية بلعين بواسطتها، ومن هنا استهل برناط مشواره في توثيق المقاومة الشعبية السلمية، وولد من رحم هذا التوثيق الفيلم الوثائقي (خمس كاميرات محطمة) الذي حصد جائزة إيمي الدولية لأفضل فيلم وثائقي، وتم ترشيحه أيضاً للحصول على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي.

ليس من زاوية الساسة الفلسطينيين
الذين أماط برناط اللثام عن زيفهم وكذبهم، ولكن من زاوية ما وصفهم المصور
الفلسطيني بالمناضلين الحقيقيين يرصد انعكاسات الأحداث السياسية على الصعيد المحلي
والعربي على أهالي بلعين -من ناحية عامة- الذين كانوا متجاوبين مع كل هذه الأحداث.
وعلى عائلته وأطفاله -من ناحية خاصة- الذين ولدوا في مراحل مختلفة تباينت فيها
حياة الطفولة بالنسبة لكل واحد من أبنائه الأربعة؛ فها هو محمد الذي ولد في عام
1995، عاش أيام الأمل الذي صاحب اتفاقية أوسلو الأولى، والذي لا تختلف طفولته
كثيراً عن ياسين الذي ولد عام 1998، أما تقي الدين فولد عام 2000 في ظروف استثنائية
كانت الانتفاضة الفلسطينية في أوجها آنذاك، وكان المستشفى الذي شهد ولادته مليئاً
بمصابين وشهداء هذه الانتفاضة، أما جبريل الذي ولد في عام 2005، فسنة ميلاده هي
التي بدأ فيها والده توثيق المقاومة السلمية لأهالي بلعين.

هذه هي المنهجية التي انتهجها برناط
لرصد المعاناة الفلسطينية، والتي تتماهى إلى حد كبير مع منهجية الأديبة العظيمة
رضوى عاشور -عليها رحمة الله- في تأريخها للنكبة الفلسطينية في روايتها الطنطورية،
والتي تناولت فيها انعكاسات الأحداث الدامية على أهالي فلسطين -الذين يدفعون الثمن
(في كل الأحيان) المتمثل في قتلهم وتشريدهم- على وجه عام، وعائلة رقية بطلة
الرواية على وجه خاص.

نقل برناط في هذا الفيلم حالات الكر
والفر التي تحدث بين المحتل الإسرائيلي وأهالي قرية بلعين على وجه مستمر، والتي لا
تنتهي بمجرد إلقاء القنابل المسيلة للدموع، بل يستخدم المحتل الإسرائيلي الرصاص
الحي في كثير من الأحيان لفض هذه التظاهرات، والتي ما إن تنطفئ جذوتها حتى يتم
إشعالها من جديد بالتزامن مع مرور ذكرى فلسطينية أو عربية، أو حدوث حدث يستدعي
الوقوف عنده، وهو ما حدث بالفعل بالتزامن مع الاجتياح الإسرائيلي للأراضي
اللبنانية في يوليو/تموز 2006، بعد عملية (الوعد الصادق) بعدما أعطى حكام العرب
-بصمتهم وتواطئهم- الضوء الأخضر للحكومة الإسرائيلية للتنكيل بالشعب اللبناني.
كعادة الشعب الفلسطيني الذي هو أكثر شجاعة من حكامه وساسته، لم يتوان عن التضامن
مع الشعب اللبناني، نظمت الفعاليات التضامنية التي كان يشارك فيها على وجه دائم
نشطاء سلام تجتذبهم المأساة الفلسطينية من بقاع العالم المختلفة.

وما كان يجري في هذه التظاهرات كانت
الكاميرات الخمس الخاصة -التي حطمت واحدة بعد الأخرى- ببرناط على سدة ترصده، ناهيك
عن رصدها للعصف بالقوانين الإسرائيلية من قبل الحكومة الإسرائيلية التي من المفروض
أن تضعها حيز النفاذ، وهذا ما تجلى عندما سمحت للمستوطنين الإسرائيليين بوضع
بيوتهم المتنقلة على أراضي فلسطينية، وعندما قام الفلسطينيون بوضع بيوتهم المتنقلة
هم الآخرون على أراضيهم لم يتأخر جيش الاحتلال عن إزالة هذه البيوت، بل لم يقف
الأمر عند هذا، فعندما داوم الفلسطينيون على مقاومتهم السلمية، ووضعوا بيوتهم
المتنقلة مرة أخرى في أراضيهم بعد إزالتها أول مرة، لم ينحصر رد الفعل الصهيوني في
إزالة هذه البيوت، بعدما قام المستوطنون الإسرائيليون بإضرام النيران في شجر
الزيتون المبارك.

«الشجرة اللي بتسبح بربها شو ذنبها يولعوها؟» كان هذا السؤال الذي طرحه أحد أهالي قرية بلعين هو رد الفعل المنطقي على هذا التصرف الصهيوني البربري الذي يعتبر بمثابة نقطة في بحر بربرية الاحتلال الصهيوني، فليست القوانين التي تتم صياغتها بواسطة المشرع الصهيوني هي فقط التي تضرب عرض الحائط، وذلك لأن الأحكام القضائية التي تصدر من محاكم إسرائيلية يتعمد جيش الاحتلال التلكؤ في وضعها حيز النفاذ، وهذا ما تبين عندما حكمت إحدى المحاكم الإسرائيلية بتفكيك جزء من الجدار العازل، فبالرغم من هذا الحكم؛ إلا أنه لم يحرك ساكناً إزاء الجدار، إلا تحت وطأة الضغط الشعبي من قبل أهالي قرية بلعين الذين خرجوا في تظاهرات منددة بهذا الانتهاك الصارخ للحكم الصادر من محكمة إسرائيلية (ليست فلسطينية أو دولية) مرددين (بدنا ننفذ القرار، بدنا نهد الجدار).

لم يكن (الديب) الذي يتصدر واجهة كل
مسيرة إلا نموذجاً يوجد مثله الآلاف من الفلسطينيين والفلسطينيات، حيث إن إصابته
في إحدى الفعاليات لم تمنعه من الانضمام إلى التظاهرات التي كانت تنظم، فبمجرد أن
اندمل جرحه تصدر مرة أخرى واجهات الفعاليات المقارعة لسياسات المحتل، فغيابه كان
يترك أثراً يشعر به كل المشاركين في هذه الفعاليات؛ وذلك لأن وجوده هو و(الفيل)
الذي كان صاحب الروح الخفيفة يضفي روحاً ظريفة على الفعاليات، ويرفع من معنويات
رفقائهم الذين كانوا -أحياناً- من المنزلقين في خانات السأم والقنوط.

اكتملت أركان المأساة التي يتعرض لها
الشعب الفلسطيني في هذا الفيلم الوثائقي عندما سلط عماد برناط الضوء على اعتقال
إخوته الأربعة واحداً تلو الآخر، ولم يكن بمقدوره أن يفعل حيالهم شيئاً، إلا أن
يصورهم لكي لا تندثر الانتهاكات التي يتعرضون لها بمرور الوقت، فحتى مقاومة أبيه
-الذي قفز على واجهة (الجيب) الإسرائيلي- وأمه التي حاولت بصراخها وقوتها الخائرة
بعوامل الشيخوخة أن تخلص ابنها (خالد) من براثن جنود الجيش الصهيوني، لم تقف
حائلاً بين الجلاد الصهيوني وبين اعتقال ابنهم (خالد). وكيف تحول بينهم؟ وهم
انتهكوا كل المعاني الإنسانية عندما قتلوا طفلاً لم يتجاوز عامه الحادي عشر -عليه
رحمة الله- في قرية بلعين، كما أن مأساة عائلة عماد برناط لم تقف عند هذا الحد،
وذلك لأنه تم اعتقاله هو الآخر على خلفية عمله كمصور صحفي؛ وتجشمت زوجته آلام
أعتقاله أول مرة برباطة جأش قبل أن تضيق ذرعاً بمهنته التي جلبت له ولأسرته
المتاعب وتصرخ في وجهه (كفى تصويراً يا عماد)، وذلك بعد صدور أمر باعتقاله مرة
ثانية أثناء تلقيه جلسات العلاج بعد إصابته على أثر تغطيته إحدى التظاهرات.  

في غمرة هذه المأساة تجرد الاحتلال
الصهيوني من الشرف -وهذا ليس بالأمر الغريب- عندما لم يتورع عن اعتقال الأطفال
الفلسطينيين في ظلام الليل أملاً في إثناء أهالي بلعين عن الاستمرار في فعالياتهم
السلمية التي تسبب لهم إزعاجاً دائماً، لاسيما أن هذه الفعاليات تستقطب نشطاء سلام
كما تمت الإشارة آنفاً، كما تجردوا من كل شرف عندما أطلقوا النيران على معتقل مكبل
بأصفادهم بين أيديهم، وهو (ضبع) صاحب الضحكة الطفولية التي فقدها بعد قتل أخيه
(الفيل) الذي كانت تربطه علاقة حب بينه وبين أطفال القرية، لاسيما جبريل الذي أقر
والده عماد برناط أنها أقوى من أن يسبر أغوارها.

لماذا قتلوا الفيل؟ 

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى