ثقافة وادب

وثائق تروي تاريخ العالَم وماضياً مؤسفاً للكنيسة.. جولة داخل الأرشيف السري للفاتيكان

قررت الكنيسة فتح الأرشيف السري للفاتيكان، لأول مرة، الإثنين 2 مارس/آذار 2020، وهو ما يعني قدرة الباحثين والمؤرخين أخيراً على الوصول إلى الوثائق التي قد تلقي الضوء على تاريخ مثير للجدل للكنيسة من جهة وشخصية البابا الراحل بيوس الثاني عشر، الذي اتُّهم بالتسامح مع النازيين خلال الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن ملف الانتهاكات الجنسية.

وبيوس
الثاني عشر هو بابا الكنيسة الكاثوليكية بترتيب 260 لحبرية طويلة دامت 19 عاماً
بين 1939 و1958.

أبرم
خلال وزارته عديداً من المعاهدات المهمة مع دول أوروبا وأمريكا اللاتينية، كان
أبرزها الاتفاقية مع ألمانيا النازية، والتي سعت من خلالها الكنيسة لحفظ موقعها في
ألمانيا.

خلال
الحرب العالمية الثانية اعتُبر مثيراً للجدل موقفه من الهولوكست مقابل من اتهمه
“بالصمت أمام إبادة اليهود في العالم”. وبعد الحرب العالمية الثانية،
دعا البابا إلى السلام والمصالحة، وضمن ذلك سياسات متساهلة تجاه دول المحور
السابقة (ألمانيا النازية وإيطاليا وفنلندا وبلغاريا والمجر).

ولطالما
طالب الباحثون والمؤرخون والجماعات اليهودية بأن تصبح وثائق تلك الفترة متاحة
للجميع، فعلام يحتوي الأرشيف
السري للفاتيكان؟ وما
الأسرار التي ستنكشف بعد إسقاط السرية عنها؟

ينتظر
الفاتيكان عادةً 70 سنة بعد وفاة البابا قبل إتاحة أرشيفاته للدراسة، ولكن بسبب
الضغوط السياسية والأكاديمية، قرر الفاتيكان توفير وثائق الحرب العالمية الثانية
قبل مرور فترة الأعوام الـ70.

ويأتي
قرار البابا الحالي فرانسيس تقصير المهلة الزمنية؛ لتوضيح النقاش الدائر حول بابا
روما وقت الحرب، والذي توقفت إجراءات جعله قديساً، بسبب هذا الجدال.

على امتداد 85 ميلاً تقريباً، تحمل الرفوف 35 ألف مجلد من الفهارس، ووثائق يعود عمرها إلى 12 قرناً مضت، وفق ما نشر موقع History  البريطاني.

جميعها داخل واحد من أكثر الحصون الدينية والثقافية أيقونيةً على
الإطلاق؛  فأرشيف الفاتيكان السري بحد ذاته أسطورة تاريخية،
لكنَّ وجوده حقيقي تماماً.

وربما ألقى الكاتب دان براون نظرة وجيزة إليها، من خلال روايته
التي تحولت إلى فيلم بعنوان “Angels and Demons”.

يستحضر الاسم وحده لغز الكنيسة الكاثوليكية وعظمتها، ويحث الخيال
أكثر على ابتداع نظريات شريرة حول ما قد يوجد في الداخل. 

لا تُتاح فهارس الأرشيف للعامة وليس بإمكان الباحثين الاطلاع
عليها، وهي موجودة في جزء يشبه الحصن بالفاتيكان.

وأثارت الطبيعة المتحفظة التي تتسم بها الكنيسة الكاثوليكية
والكنوز الدفينة المحتمل وجودها داخلها، سنوات من التكهنات الجامحة حول ما يقبع
هناك. 

وحتى اليوم، تكثر نظريات المؤامرة حول محتوياتها، مثل التكهنات الغريبة بأن الفاتيكان يخبئ كائنات من الفضاء الخارجي داخله.

مع ذلك، فإن الأرشيف في الواقع لا يُعتبر سرياً حقاً؛ بل نتجت كلمة
“سري” عن سوء فهم للكلمة اللاتينية “secretum”، ومعناها
بالإنجليزية “خاص”. 

كان الأرشيف -ولا يزال- مصمماً لحفظ الأوراق الرسمية للكرسي
الرسولي، إلى جانب مراسلات وغيرها من المعلومات التي تتعلق بالبابا.

يضم
الأرشيف أيضاً بعض أروع كنوز الكنيسة الكاثوليكية، المتمثلة في وثائق تعود إلى
القرن الثامن. 

لكن حتى
عام 1881، لم يكن يُسمح للباحثين في المسيحية حتى بالدخول إلى الأرشيف. 

وبعدها
سمح البابا ليون الثالث عشر، الذي عُرف بأنه مثقف تصدى للحداثة
التي طرأت على أواخر القرن التاسع عشر، للباحثين بالاطلاع على المجموعة
النفيسة. 

لا تروي
تلك الوثائق قصة الكنيسة فقط؛ بل قصة بقية العالم بأكمله.

ومن بين
الوثائق الاستثنائية رسالة ماري ملكة أسكتلندا، التي
أُعدمت بعد إجبارها على التنازل عن عرشها وقضاء ما يقرب من 20 عاماً في السجن.

حُكم عليها في
النهاية بالإعدام بتهمة التآمر لقتل الملكة إليزابيث الأولى، ابنة عمها، من طائفة
البروتستانت. 

وبعد
الحكم عليها بالإعدام، كتبت رسالة تنمُّ عن
اليأس، إلى البابا سيكتوس الخامس، تتوسل إليه إنقاذ حياتها، وتشجب
“الهراطقة” الذين سيُنهون حياتها في نهاية المطاف. لكن البابا لم يتدخل،
وقُطع رأسها في 8 فبراير/شباط 1587.

ثمة وثيقة
أخرى لا تُقدَّر بثمن، غيَّرت حرفياً تاريخ الدين، إذ توثق الطرد والحرمان الكنسي
الذي عاقبت الكنيسة الكاثوليكية به مارتن لوثر،
الألماني الذي أشعل أوروبا بانقلابه على الكاثوليكية في رسالته التي تضمنت 95 أطروحة، والتي
يُنظر إليها الآن باعتبارها الوثيقة التي أشعلت شرارة البروتستانتية. 

ورداً على
ذلك، كتب البابا ليو العاشر Decet Romanum Pontificem، وهو
المرسوم البابوي الذي طرد لوثر من الكنيسة الكاثوليكية. وقد حرر هذا لوثر لينشئ
كنيسة خاصة به، وعليه حدد هذا الانشقاق كثيراً من تاريخ العالم منذ ذلك الحين.

يحتوي
الأرشيف السري أيضاً على وثيقة سرية للغاية: محاضر محاكمة فرسان الهيكل، وتُعرف
بوثيقة شينون (Chinon Parchment)، وهي في حجم طاولة غرفة الطعام، وتوثق
محاكمات التنظيم العسكري الرهباني الكاثوليكي الروماني على أمور مثل السلوك
التجديفي والهرطقة خلال الحملات الصليبية. 

وبسبب خطأ
في الأرشيف، ضاعت الوثيقة عقوداً، ووُجِدت في صندوق يحتوي على وثائق أخرى
عام 2001. وصُنفت الآن على نحوٍ صحيح، وصارت متاحة للباحثين.

صارت
الوثيقة متاحة للعامة عام 2007، وقد صححت أسطورة فرسان المعبد بقوة، عن طريق إثبات أن
البابا كليمنت الخامس صفح عن مجموعة الهرطقة عام 1308، وهذا لم يكن معلوماً
للتاريخ.

تُحفظ هذه الوثائق وغيرها من الوثائق التاريخية
بالقرب من مكتبة الفاتيكان في روما. ومثل أي أرشيف، توجد رفوف وغرف
للمطالعة. 

يوجد أيضاً مستودع، وهو عبارة عن هيكل تحت الأرض
مقاوِم للنار ومُصمَّم لحماية الوثائق الضعيفة من العناصر الكيميائية
والنيران. 

حتى إن هناك مدرسة لرجال الدين الذين يدرسون
التاريخ والفن المسيحي.

لا يُسمح لأي شخص بالدخول إلى الأرشيف، فهو مفتوح
فقط للباحثين بعد أن يخضعوا لعملية فحص شاملة. 

لكن الفاتيكان صار في السنوات الأخيرة، أكثر
انفتاحاً فيما يتعلق بأسراره. وفي عام 2010، سمح الفاتيكان للصحفيين بالتجول للمرة
الأولى، استجابةً للاهتمام العام المتزايد بالأرشيف السري والأساطير التي أحدثها
الكتاب الأكثر مبيعاً، للكاتب دان براون “Angels and Demons”. 

وفي عام 2012، أقام الفاتيكان معرضاً عاماً لبعض
أهم وثائقه، احتفالاً بعيد ميلاده الـ400.

لكن هذا
الانفتاح مخادع، فبضعة أسرار حقيقية لا تزال محفوظة في الكنوز الدفينة
بالأرشيف. 

وشكلت
أوراق البابا بيوس الثاني عشر، التي ستُفتح في 2020 للباحثين، والذي فُسر صمته في
أثناء الهولوكوست على أنه تعاون مع هتلر، مثار جدل فترة طويلة. 

ورغم أن
الكنيسة أتاحت بعض
الوثائق التي تعد في مصلحة بيوس الثاني عشر بالسابق، فإنها ترفض الكشف عنها كلها.

وفي عام 2005، كشف سيرجيو باغانو، أمين الأرشيف،
عن السبب. إذ أخبر باغانو مجلة L’Espresso الإيطالية بأن المسألة ليست مسألة شجاعة؛ بل
موارد. 

وقال باغانو إنه نظراً إلى ضخامة الأرشيف، تصعب
معالجة المستندات سريعاً وإتاحتها للمؤرخين. 

وأضاف أن الناس “يطالبون كثيراً بفتح أرشيف
الفاتيكان تقريباً كما لو أنهم سيدخلون إلى حصن سري بعد التغلب على المقاومة
الوهمية. لكن عندما يُفتح الباب وتتاح الوثائق، لا يظهر أولئك الذين يقفون عند البوابة
مطالبين بالدخول ولا حتى يأتوا في جولة سياحية”.

وبطبيعة
الحال، لا يمكن إغفال الوثائق التي قد تكون الأكثر إثارة للجدل في الأرشيف السري،
وهي تلك المتعلقة بفضيحة الانتهاكات الجنسية المستمرة داخل الكنيسة. 

وحسبما
يتضح، فلكل أبرشية أرشيف سري أيضاً،
وكثير منها ساعد في إثبات مشاركة الكنيسة في الانتهاكات. 

لكن أرشيف
الفاتيكان السري لا يتيح وثائقه إلا بعد أن يمر عليها 75 عاماً، ومالك الأرشيف
الحقيقي ليس الكنيسة؛ بل البابا.

رغم أن
الناس بإمكانهم مقاضاة الأبرشيات الفردية بالمعلومات التي لديهم، فالكنيسة نفسها
في مقام أُمة ذات سيادة ويمكن أن تفعل ما تشاء. 

والبابا هو الشخص الوحيد الذي يمكنه إتاحة الوثائق قبل الموعد المحدد لإتاحتها للعامة، وحسبما يبدو الآن، قد يستغرق الصحفيون والمؤرخون والضحايا عقوداً لمعرفة المزيد عن دور الكنيسة الكاثوليكية في الانتهاكات.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى