تقارير وملفات إضافية

“هيمنة الدولار” تضر باقتصاد أمريكا.. وأبرز منافسيها هو المستفيد الأكبر من هذا الوضع

الدولار يلحق الضرر بالاقتصاد الأمريكي رغم دوره الكبير في نشر هيمنة واشنطن السياسية في العالم، فقد وسع الدولار ولاية واشنطن إلى ما هو أبعد من حدودها، لأن كل التجارة الدولية تقريباً تخضع فعلياً لإشراف الولايات المتحدة.

بالنسبة للسياسيين، يدور الاقتصاد في المقام الأول حول السياسة. منذ أن أطلق فاليري جيسكار ديستان، وزير المالية الفرنسي، على هيمنة الدولار اسم “الامتياز الباهظ” لأمريكا، كانت الحكمة التقليدية هي أن مكانة الدولار الأمريكي تعود بمزايا اقتصادية كبيرة على الولايات المتحدة. لكونه أقوى عملة في العالم.

فحوالي 50-80% من التجارة الدولية يتم تحرير فواتيرها بالدولار. يشكل الدولار أكثر من 60% من الأصول الاحتياطية للبنوك المركزية العالمية. يتم إجراء ما يقرب من 

 90% من معاملات الصرف الأجنبي بالدولار، حسبما ورد في تقرير لموقع  مجلة The National Interest الأمريكية.

ومع ذلك فإن الهيمنة الاقتصادية للدولار ليست بالضرورة “امتياز”. بل إنه “عبء باهظ” على اقتصاد الولايات المتحدة.

إذ إن اعتماد النظام المالي الدولي المعاصر على عملة وطنية واحدة كوسيلة للتبادل الدولي والدفع وتخزين القيمة غير متوازن إلى حد كبير وغير مستقر بطبيعته، وسيكون من مصلحة كل دولة استبدالها ببديل أفضل.

في اقتصاد عالمي مثالي، لا يوجد عجز في الحساب الجاري. إذا كان بلد معين يعاني من عجز في الحساب الجاري مع دولة أخرى، فيجب أن تعيد آليات سعر الصرف النظام إلى التوازن.

ومع ذلك، نظراً لأن الدولار الأمريكي هو العملة المرغوبة أكثر في العالم، فإن الحكومات الأجنبية والبنوك المركزية تقوم بتجميع الأصول المالية المقومة بالدولار كشكل من أشكال الاحتياطيات وللتداول مع البلدان الأخرى. هذه هي الطريقة التي تؤدي بها زيادة تدفقات رأس المال الأجنبي إلى تعزيز الدور الدولي للدولار. الطلب المفرط يدفع نحو المبالغة في تقييم الدولار، ويقلل من القدرة التنافسية التجارية للمصدرين الأمريكيين على الساحة العالمية، ويؤدي إلى فقدان الوظائف عن طريق زيادة العجز التجاري الأمريكي.

على سبيل المثال، وفقاً للدراسة التي أجرتها مؤسسة Coalition for Prosperous America، وجدت أن قيمة الدولار قد تجاوزت قيمته الحقيقية بنسبة تصل إلى 27%، وأن “تعديل الدولار إلى مستوى تنافسي سيحقق فوائد كبيرة للاقتصاد الأمريكي، بما في ذلك ما يقدر بنحو 1 تريليون دولار أمريكي إضافة للناتج المحلي الإجمالي وما يصل إلى 5.2 مليون وظيفة جديدة على مدى ست سنوات”.

إن عجز الحساب الجاري في أمريكا هو انعكاس وتأثير لهيمنة الدولار، والتي بدورها هي نتيجة السياسات التي تتبعها الاقتصادات الموجهة للتصدير، مثل الصين واليابان وألمانيا (أو “الدول الفائضة”). لذلك فإن الدول التي لديها فائض، وليس الولايات المتحدة، هي التي تهتم باستمرار التفوق العالمي للدولار.

تتمتع الدول ذات الفائض بمعدلات ادخار عالية، أعلى بكثير من احتياجاتها الاستثمارية – وعادة ما تكون نتاج سياسات تقمع الاستهلاك المحلي وتحويل الدخل إلى قمة المجتمع أي الأغنياء والشركات والحكومات، بدلاً من الأسر العادية،

فشعوب هذه الدول يدخرون أو يستثمرون معظم دخلهم بدلاً من الاستهلاك.

يؤدي هذا إلى ضعف الطلب في بلدان الفوائض، حيث يصبح السكان المحليون غير قادرين على استهلاك كل ما ينتجون – وبالتالي يتم تصدير فائض الإنتاج إلى الخارج. وفي غضون ذلك، عادة ما يتم نقل المدخرات الزائدة (أو الأرباح من صافي الصادرات) إلى بلدان أخرى في شكل شراء أصول مالية.

بما أن فائض المدخرات على الاستثمار يساوي فائض الحساب الجاري، يجب على البلدان التي تمتص فائض التدفقات المالية، أن يكون عجزاً في الحساب الجاري، أو تستهلك أكثر مما تنتج.

الأهم من ذلك أن هيمنة الدولار تساهم في الأزمات المالية، حيث يصاحبها تدفق هائل للأموال الأجنبية في الاقتصاد الأمريكي، والذي يؤدي، من خلال خفض أسعار الفائدة، إلى تكوين فقاعات الأصول – وهو ما كان عليه الحال في عام 2008 العالمي. مما أدى إلى أزمة مالية.

ومع ذلك، فإن الآثار المترتبة على هيمنة الدولار تمتد إلى ما وراء المجال الاقتصادي. أدى العجز في الحساب الجاري لأمريكا (وهو في حد ذاته نتاج هيمنة الدولار)، أو فائض الحساب الجاري للصين مع الولايات المتحدة، إلى خسارة الملايين من وظائف التصنيع في الولايات المتحدة. كما أن استياء الناخبين اللاحق من اختراق الواردات الصينية كان مسؤولاً عن عودة الشعبوية في الولايات المتحدة، كما أظهرت إحدى الدراسات.

وجد الباحثون أنه في انتخابات عام 2016، كان أداء ترامب أفضل في الولايات التي شهدت أكبر خسارة في الوظائف بسبب تدفق الواردات الصينية.

لذلك، يجادل الباحثون بأنه ربما ما يعرف باسم “صدمة الصين” هي المسؤولة عن فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية لعام 2016. وفقاً لتقديراتهم، لو كان تغلغل الواردات الصينية أقل بنسبة 50%، لكانت هيلاري كلينتون قد فازت بالولايات المتأرجحة الرئيسية، مثل ميشيغان وويسكونسن وبنسلفانيا.

في حين أن العواقب الاقتصادية والاجتماعية السياسية لهيمنة الدولار سلبية في الغالب، فإنَّ تراجع دور الدولار في الاقتصاد الدولي ستكون له آثار جيوسياسية بعيدة المدى. عندما يناقش الاقتصاديون وعلماء السياسة هيمنة الدولار الأمريكي، فإنهم عادة ما يأخذون في الاعتبار آثاره فقط في مجالات تخصصهم، ويتجاهلون الترابطات المهمة بين الجوانب الاقتصادية والجغرافية السياسية الأوسع لهيمنة الدولار التي يعد اعتبارها ضرورياً لصنع السياسات البناءة.

مع وجود معظم احتياطيات العملات الأجنبية لدى البنوك المركزية غير الأمريكية بالدولار، فإن هذه الهيمنة تزود الولايات المتحدة بأداة فريدة لممارسة نفوذها في السعي لتحقيق أهدافها الجيوسياسية وتسهيل تطبيق واشنطن للنظام الدولي القائم على القواعد (التي وضعها الغرب في الأغلب).

فالدولار الأمريكي هو الوسيلة الافتراضية لتسعير المعاملات الدولية وتسويتها. بالنظر إلى اعتماد الاقتصاد العالمي على النظام المالي الأمريكي، فإن التهديد بإبعاد دولة معينة عن الاتصالات المالية العالمية بين البنوك وسيلة ضغط قوية.

والشركات والأفراد مجبرون على الاختيار بين الوصول إلى النظام المالي الأمريكي أو التعامل مع كيان خاضع للعقوبات (ظهر هذا في رفض الشركات الأوروبية التجاوب مع طلب الاتحاد الأوروبي منها الاستمرار في التعامل مع إيران بعد فرض العقوبات الأمريكية).

ترى المجلة الأمريكية أن انخفاض هيمنة الدولار قد يؤدي إلى عالم أقل استقراراً وسلاماً. حلَّت العقوبات الاقتصادية الأمريكية إلى حد كبير، محل التدخلات العسكرية المباشرة كوسيلة لتحدي الخصوم، لكن تقليص دور الدولار سيجعل الحرب الاقتصادية أقل فاعلية.

وتقول: “فقد تم عزل كوريا الشمالية وإيران جزئيًا عن النظام المالي العالمي، مما قوَّض قدرتهما على بث الفوضى وانتهاك القانون الدولي. في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الإرهابية، استخدمت واشنطن هيمنة الدولار للحد من تمويل المنظمات الإرهابية مثل القاعدة، من خلال برنامج تتبُّع تمويل الإرهاب”.

وهكذا، في حين أن هيمنة الدولار الأمريكي تضر بالاقتصاد الأمريكي وتغذي الانقسام الاجتماعي والاستقطاب السياسي، فهي بمثابة حصن للنظام العالمي المتمركز حول الولايات المتحدة.

كانت واشنطن تدعم هيمنة الدولار في المقام الأول لأسباب جيوسياسية، ولكن فقط من خلال التخلي طواعية عن أولوية الدولار يمكن أن تتغلب أمريكا على تحدياتها الداخلية.

ومن هنا تشكل أولوية الدولار، في جوهرها، معضلة للولايات المتحدة، إذ يتعين على واشنطن أن توازن بين مصالح سياستها الداخلية والخارجية.

من المستحيل معالجة الآثار الاقتصادية السلبية للدولار القوي دون تقليص النفوذ الأمريكي العالمي بشكل كبير. قد يؤدي الحد من الدور العالمي للدولار إلى تسريع فك ارتباط أمريكا بالشؤون الدولية.

هناك العديد من التحركات أحادية الجانب التي يمكن أن تتخذها واشنطن لتقييد الدور العالمي للدولار، وضمن ذلك خفض قيمة العملة من خلال تنفيذ آلية لفرض رسوم على الوصول إلى السوق على المتعاملين بالدولار، وفرض قيود على قدرة الدول الأجنبية على الاحتفاظ باحتياطيات مقومة بالدولار، وفرض ضرائب على رأس المال الأجنبي. ولكن في حين أن هذه الإجراءات ستساعد الولايات المتحدة، فمن المرجح أن تعارض الاقتصادات الثلاثة الأكبر التالية- الصين واليابان وألمانيا- هذه الخطوات، مما يؤدي إلى رد فعل عنيف ضد أحادية واشنطن مع انعكاسات جيوسياسية عميقة.

لطالما اعتمدت البلدان ذات الفائض (الصين، اليابان، كوريا، ألمانيا) على الصادرات لتوليد نموها الاقتصادي.

وعلى الرغم من أن إنهاء هيمنة الدولار سيكون في النهاية وضعاً مربحاً للجميع، فمن المرجح أن يجبر هذا الدول ذات الفائض على إعادة توزيع مدخراتها الفائضة في الداخل عن طريق توسيع الطلب المحلي، مما يستلزم إصلاح استراتيجية النمو الخاصة بها.

ستكون هذه عملية صعبة من الناحية السياسية، حيث توجد مصالح مكتسبة تستفيد من نموذج النمو المعتمد على التصدير للدول الفائضة، كما أشار مايكل بيتيس وماثيو كيلين في كتابهما الأخير، الحروب التجارية هي حروب طبقية.

على سبيل المثال، لإعادة توجيه نمو الصين بحيث يتحول للاعتماد على الاستهلاك، سيتعين على بكين تحويل الدخل إلى الأسر العادية.

كما لاحظ مايكل بيتيس، “لكي يتشابه الاستهلاك الصيني على نطاق واسع مع استهلاك البلدان النامية الأخرى، يجب على الأسر العادية استعادة ما لا يقل عن 10-15% نقطة من الناتج المحلي الإجمالي على حساب الشركات أو الأثرياء أو الحكومة. تنطوي إعادة التوازن هذه على تحول هائل للثروة- ومعها السلطة السياسية- إلى الناس العاديين”.

لن تكون الصين قادرة على جعل عملتها الرنمينبي (اليوان) عملة دولية حقيقية دون تحرير اقتصادها، على سبيل المثال. إنهاء ضوابط رأس المال وإعادة توزيع القوة الاقتصادية، وهو ما يعني، مع ذلك، تضاؤل ​​سيطرة الحكم المركزي.

بينما تستطيع الولايات المتحدة إقناع حليفتيها اليابان وألمانيا بتبني سياسات إعادة التوازن، فإنَّ فرض إعادة تعديل على الصين سيكون له عواقب جيوسياسية خطيرة. كانت بكين تتحول إلى النمو الموجه للاستهلاك في السنوات الأخيرة، لكن هذه الجهود لم تكن كافية: لا يزال اقتصادها يعتمد على الموارد المالية القادمة من الصادرات، ومعدل الادخار فيها مرتفع بشكل غير عادي، والاستهلاك منخفض للغاية.

ومن المرجح أن يؤدي فرض ضريبة على تدفقات رأس المال الأجنبي إلى إثارة استياء بكين (حيث ستتأثر حيازاتها من الديون الأمريكية، التي تبلغ قيمتها نحو تريليون دولار)، وستشتد التوترات بين البلدين.

إذا خفضت الصين حيازاتها من الأصول المقومة بالدولار وأعادت موازنة اقتصادها نحو الاستهلاك، فإن دور اليوان في المعاملات الدولية سيرتفع، مما يسمح لبكين بإنشاء كتلة تجارية من الدول القائمة على اليوان تتجاوز النظام المالي الأمريكي.

كان الاعتماد المتبادل بين الاقتصادات الأمريكية والصينية والعالمية بمثابة سد قوي ضد الصراع المحتمل بين واشنطن وبكين، وسيؤدي فصل الصين عن الدولار إلى إزالة هذه الميزة وزيادة احتمالية الصراع بين القوتين.

ما لم يتم اتخاذ إجراءات متعددة الأطراف، فإن التخلي عن هيمنة الدولار يعني أن العملات الأخرى ستلعب دوراً أكثر بروزاً في الشؤون الدولية، وقد يؤدي هذا إلى تقسيم العالم إلى عدة مجالات نفوذ، تشبه الظروف التي أدت إلى الحرب العالمية الأولى، عندما لعبت عملات القوى الرائدة دوراً كبيراً في الاقتصاد الدولي.

سوف يتقلص النفوذ السياسي لأمريكا على البلدان الأخرى مع انخفاض حصة الدولار في التجارة الدولية. حتى إن أمريكا قد تختار العودة إلى الانعزالية وفصلها عن الشؤون العالمية تماماً.

ترى المجلة الأمريكية أن هناك ضرورة مُلحة لإصلاح النظام المالي الدولي، ولكن العمل يجب أن يكون متعدد الأطراف. ينبغي أن تركز استراتيجية إعادة التوازن العالمية على تقليص دور الدولار والزيادة المقابلة في المركز الدولي لحقوق السحب الخاصة (حقوق السحب الخاصة، وحدات صندوق النقد الدولي القائمة على سلة من العملات الرائدة) بحيث يتم توزيع الطلب العالمي على الأصول الاحتياطية بشكل متساوٍ بين عدة عملات.

ستلعب حقوق السحب الخاصة دوراً مشابهاً للعملة الدولية من خلال الجمع بين العديد من العملات الاحتياطية باستخدام طريقة المتوسط ​​المرجح، بحيث لا يتم تحديد حصص عملات معينة في التجارة الدولية بقرارات الدول القومية، ولكن وفقاً لحجم اقتصاديات حامليها من العملات الاحتياطية.

سيصبح نظام التجارة العالمي أقل اختلالاً، لأن حقوق السحب الخاصة ستمكّن الدول ذات الفائض من تكوين احتياطيات دون الحاجة إلى تصدير مدخراتها وإجبار البلدان الأخرى على مواجهة عجز في الحساب الجاري.

إن إنشاء النظام المالي الدولي الجديد ليس حتمية اقتصادية فقط، حيث بدأت تكاليف العبء الباهظ الذي يفرضه الدولار في الظهور، ولكن أيضاً أمن قومي بالنسبة لواشنطن.

لا يمكن أن تزدهر الولايات المتحدة في عالم غير مستقر ومنقسم، وقد تتخلى الولايات المتحدة من جانب واحد عن هيمنة الدولار.

وقفت الولايات المتحدة وراء إنشاء نظام بريتون وودز في أعقاب الحرب العالمية الثانية، من أجل تجنُّب السياسات الحمائية التي أدت إلى تفاقم الكساد الكبير ومهدت الطريق للحرب العالمية الثانية.

يذكِّرنا حجم الانكماش الاقتصادي العالمي الناجم عن فيروس كورونا الجديد، من نواحٍ كثيرة، بالكساد الكبير، ويجب على واشنطن أن تقود العالم في تجديد النظام الاقتصادي والمالي العالمي؛ لتجنب الانهيار المدمر المحتمل للنظام العالمي المعاصر.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى