تقارير وملفات إضافية

هل كارلوس غصن هارب من العدالة أم مظلوم؟ فتِّش عن النظام القضائي في «كوكب اليابان»

استحوذ الهروب الدرامي في نهاية العام الماضي، للرجل المهم في عالم
صناعة السيارات، كارلوس غصن، وهو الرئيس السابق لشركات Renault وNissan وMitsubishi
Motors، على
عقول اليابانيين. إن كل العناصر المطلوبة لدراما ملحمية موجودة في هذه القصة
-رهانات قذرة عالية المخاطر، والعناصر الدولية المشبوهة، والإهمال البيروقراطي-
والتي نادراً ما غادرت الصفحات الأولى للصحف اليابانية منذ اعتقاله المفاجئ
بالمطار في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وما تلاه من اتهامه بالاحتيال. 

ولكن وراء الدراما التي تسبب فيها غصن نفسه، أدت المشاكل المتزايدة
في نيسان ورينو، والتركيز العالمي غير المرغوب فيه على النظام القضائي الياباني
إلى وجود عدد كبير من الخاسرين وقليل من الرابحين، بحسب تقرير لمجلة Foreign Policy الأمريكية.

الخاسر الأوضح هو غصن نفسه، وذلك بعد أن هرب مما بدا أنه سجن شبه
مؤكد إلى حياة تتسم بقدر محدود من الحرية في لبنان، مع احتمالات غير واضحة لمباشرة
الترحال بين البلاد والذي اشتهر به الرئيس التنفيذي الحامل للجنسيات الفرنسية
واللبنانية والبرازيلية. وفي حين ﻻ يسلم لبنان مواطنيه من حيث المبدأ، فإن ما يسمى
الإخطار الأحمر الصادر عن الإنتربول يعني أن غصن سيواجه خطر الاعتقال بشكل أكبر في
بلدان أخرى. وهناك خاسر رئيسيٌّ آخر وهو السمعة الدولية للشرطة والمحاكم
اليابانية، وهو أمر مزعج بالنسبة لبلد يحب أن يدافع عن سيادة القانون لإظهار كيف
يختلف عن منافسيه مثل الصين.

لكن يمكن القول إن غصن كانت لديه بعض الأسباب للفرار. فقد أعاد
اعتقاله وما تلاه من 130 يوماً رهن الاحتجاز قبل المحاكمة، إلى جانب استجوابات
ماراثونية من دون محامٍ، تركيز الانتقادات الدولية واسعة النطاق على نظام القضاء
الذي، مع افتراضه للبراءة من الناحية الاسمية، يصدر أحكام الإدانة بدقة آلية.
والآن يستغل كل من خصوم وأنصار النظام الياباني حادثة هرب غصن؛ وهو الأمر الذي
يؤدي إلى تشدد في المواقف ومن المرجح أن يبطل أي دعوات للإصلاح. في الوقت نفسه،
تأثرت اثنتان من الشركات التي كان يديرها من قبل بالأزمة. فقد انخفضت أسهم كل من
رينو ونيسان أكثر من 30% منذ اعتقال غصن في نوفمبر/تشرين الثاني 2018.

ومباشرة بعد أن عقد غصن مؤتمراً صحفياً ماراثونياً عبر التلفاز، في
وقت سابق من هذا الشهر، ببيروت بعد وصوله إليها في أواخر ديسمبر/كانون الأول
الماضي، عقدت وزيرة العدل اليابانية ماساكو موري مؤتمراً صحفياً في وقت متأخر من
الليل، ودافعت عن النظام القضائي الياباني، وقالت إن غصن يجب أن يعود «لإثبات
براءته». لكنها اضطرت إلى التراجع قليلاً بعد ذلك؛ للاعتراف بأنه بموجب
النظام القانوني في اليابان، لا يرجع الأمر إلى شخص ما لإثبات أنه غير مذنب. 

لكن هذا التعليق يمثل رمزاً لنهج اليابان المختلط فيما يخص العدالة،
والتي يقول بعض الخبراء إنها لا تزال تعتمد على فرضية أن الدولة والمدعين العامين
على حق في العادة. وفي مقابلة معه في يناير/كانون الثاني 2019، قال الباحث القانوني كيتشي
موراوكا: «يتمتع الادعاء بسلطة كبيرة، والدفاع لا يملك سوى القليل. ولن يكون
هذا هو الحال إذا كان لدى اليابان نظام مغارمة حقيقي، ولكن حقيقة الأمر هو أن
ميزان القوى في المحاكم اليابانية مختل».

لا شك في أن غصن ليس أول شخص -أو حتى أول أجنبي- يشعر بالقلق من
النظام القانوني في اليابان. ولكن هناك فرقاً كبيراً عندما يتعلق الأمر بأحد كبار
المديرين التنفيذيين في العالم. ففي حين أن احتمال الاعتقال ضعيف بالنسبة لمعظم
رجال الأعمال الأجانب في اليابان، فإن محنة غصن تذكرنا بشكل واضح بأنه عندما تسوء
الأمور في اليابان، فإنها تسوء بشكل خطير فعلاً. 

وعلق جيفري سونينفيلد، أستاذ بجامعة ييل للإدارة، في مجلة Chief
Executive
، قائلاً إن عديداً من المديرين التنفيذيين ابتهجوا سراً لهروب
غصن. ووسط ما وصفه سونينفيلد بالمخاوف المتزايدة للمديرين التنفيذيين على مستوى
العالم، فإنَّ «تعامل اليابان مع غصن يشير إلى قسوتها، وحتى أكثر من ذلك، لأن
الأمر قد حدث في واحدة من أكثر الديمقراطيات المتقدمة بالعالم». وقد وجدت
الصفحات الافتتاحية في صحيفتي New York Times وWall Street Journal اهتماماً مشتركاً بشكل نادر، من خلال إشارتهم إلى أن غصن يستحق
اعتباره بريئاً حتى ثبوت إدانته. ولم تكن هناك أي علامة على حدوث هجرة مفاجئة بين
العمالة الوافدة في اليابان (عكس عام 2011، عندما فر كثيرون في أعقاب زلزال فوكوشيما والأزمة النووية)، ولكن
المخاطرة تزيد من السلبيات الأخرى، لا سيما مسألة فرض الضرائب على الدخل والثروة
في جميع أنحاء العالم لأي شخص يقيم باليابان أكثر من خمس سنوات.

وبحسب المجلة الأمريكية، كل هذا بعيد كل البعد عن وصول غصن لأول مرة
إلى اليابان في عام 1999، كجزء من تحالف نيسان الجديد مع شركة صناعة السيارات
الفرنسية رينو. وكانت قيادة غصن الحاسمة وحقن رينو للسيولة النقدية لشراء حصة 37%
في نيسان المفلسة- هما سبب إعادة إنعاشها مالياً. وبحلول عام 2002، كان غصن بطلاً
عالمياً، وحاز لقب مدير الأعمال الأفضل في آسيا للعام نفسه من مجلة Fortune. وفي عام 2016، أضيفت
ميتسوبيشي موتورز إلى التحالف، وهو ما جعلها بحلول عام 2018 ثاني أكبر شركة لصناعة السيارات في العالم، وذلك بوجود غصن في منصب
الرئيس التنفيذي لجميع المجموعات الثلاث.

بدأت القضية ضده باعتبارها مسألة فنية نوعاً ما بخصوص الضرائب. وجمع
كاشفو الفساد ما قالوا إنه دليل على أن غصن قد عمِل مع آخرين لتعزيز تعويضه دون
وجود للكشوف المناسبة. وباستغلالهم لنظام المساومة المدرج حديثاً، ذهبوا إلى
المدعين العامين، الذين فتحوا على النحو الواجب قضية ضد غصن، والمدير التنفيذي
لشركة نيسان، غريغ كيلي، والشركة نفسها. ثم تحفظوا على غصن وكيلي رهن الاعتقال في
أثناء سفرهما لحضور اجتماعات جاءت بناءً على طلب من مسؤولي الشركة في طوكيو.

من هنا بدأ النموذج الناجح بالانهيار. كان من المفترض أن يعتذر غصن،
ويقر بأنه مذنب، ويُحتمل أن الأمر كان سيؤول إلى دفع غرامة. وكان بإمكانه أن يلاحظ
في دفاعه أن عديداً من المسؤولين داخل الشركة، وضمن ذلك مجلس الإدارة، كانوا على
الأقل مهملين في الموافقة على التدابير التي تتعلق بالتعويض في المستقبل. وفي
تحقيق لاحق أجراه رئيس قسم التدقيق بالشركة ونشرته the Wall
Street Journal
، تبين أن نحو 80 شخصاً شاركوا في العملية. وكان من المرجح أن تغلق
القضية وقتها، مع تحقيق المدعين نصراً آخر.

لكن بدلاً من ذلك، استمر غصن في عناده وادعى براءته الكاملة. ورداً
على ذلك، كثف المدعون من تحقيقاتهم، ووجدوا أن هناك مدفوعات مشكوك فيها للشركاء
التجاريين في عُمان والسعودية، وهو ما أثار مسألة ما إذا كان غصن قد استخدم أموال
الشركة لملء جيبه الخاص. وهذه حالة أكثر خطورة تُعرف باسم «خيانة
الأمانة»، وقد واجه غصن وقتاً أكثر صعوبة في محاولته إسقاط هذه الادعاءات.

وعند هذه النقطة، تمكن غصن ومحاموه من تحويل القصة في اتجاه جديد مع
التركيز على معاملته واستخدام ما يطلق عليه «عدالة الرهائن»، وهو حين
يدفع المدعون العامون المتهم بشكل تدريجي نحو الاعتراف عن طريق ممارسة الضغط
النفسي عليه، حتى عندما يكون بريئاً، لإنهاء قضيتهم. وقال أفراد الأسرة إن غصن كان
محتجزاً في زنزانة صغيرة من دون تدفئة، وحُرم من البطانيات التي طلبها، ولم تكن
لديه ورقة وقلم، وكان يخضع للاستجواب دون حضور محامٍ، لمدة تصل إلى سبع ساعات في
اليوم. (حسب بعض الروايات، كان وضعه أفضل من عديد السجناء اليابانيين. يمكن العثور هنا على تقرير مروع لعام 1995 صادر عن منظمة هيومن رايتس
ووتش).

وقد انزعج مسؤولو وزارة العدل من هذه الأرقام، قائلين إن الاستجواب
لا يزيد في المتوسط على أربع ساعات يومياً. وحتى بعد خروج غصن بكفالةٍ قدرها 14
مليون دولار، كانت أنشطته خاضعة لرقابة صارمة، ولم يُسمح له برؤية زوجته كارول
غصن، التي أصبحت بحلول ذلك الوقت متهمة في القضية. كما اشتكى محامو غصن من أن
الادعاء رفض تسليم أكثر من 6 آلاف مادة مثل رسائل البريد الإلكتروني من نيسان،
قائلين إنها معلومات سرية، وهو ما يدل على أن عملية الكشف القضائي في اليابان بعيدة جداً عن المعايير الأمريكية.

في النهاية، قال غصن إنه وصل إلى يقين بأنه لن يحصل على محاكمة عادلة
أبداً، مشيراً إلى حقيقة أن 99% من القضايا الجنائية التي قُدمت للمحاكمة في
اليابان تنتهي بالإدانة، وأنه ليس وحده في مهاجمة النظام القضائي. فقد دعت جميع
جماعات حقوق الإنسان والأمم المتحدة واتحاد نقابات المحامين في اليابان إلى إجراء
تغييرات على القواعد الصارمة التي تسمح بالاحتجاز لمدة 23 يوماً دون تهمة،
ومحدودية الوصول إلى المحامين، واستخدام أساليب استجواب قاسية لانتزاع الاعترافات
وهو ما تعتمد عليه معظم الإدانات. 

وبينما كانت هناك بعض الإصلاحات في السنوات الأخيرة، مثل تسجيل جلسات
الاستجواب؛ للحد من الاعترافات القسرية، فإن نقابة المحامين تعتقد أنه لا يزال
هناك كثير مما ينبغي فعله، وقالت في بيان صدر في أكتوبر/تشرين الأول 2019، إن «التحقيق الذي
يتمحور حول الاستجواب واحتجاز المشتبه فيهم، والذي يُطلَق عليه (عدالة الرهائن)،
ما زال يشكل حجر الأساس للإجراءات الجنائية اليابانية».

في الوقت نفسه، قدمت قضية غصن أيضاً مدداً للمدافعين عن النظام،
الذين بات بإمكانهم الآن تصويره على أنه هارب من العدالة. وعندما سئل ماساكازو
تويودا، مدير خارجي لشركة نيسان من وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية،
عن ادعاء غصن أن تويودا نفسه كان جزءاً من مؤامرة ضد السلطة التنفيذية، قال ببساطة:
«ليس لديَّ وقت للتعاطي مع استعراض يقوم به شخص ما، انتهك القانون وفرَّ من
العدالة». وأيضاً يدافع المسؤولون الآن عن احتجاز غصن فترات طويلة، من خلال
قولهم إن هروبه يثبت صحة مخاوفهم من محاولته الهرب من العدالة.

ألقت هذه الأحداث أيضاً اهتماماً جديداً على «الرجل
المنسيّ» في القضية، وهو المدير التنفيذي السابق لشركة نيسان، غريغ كيلي،
المكلف مساعدة غصن. وقد عقدت وسائل الإعلام اليابانية مقارنة بين المدير التنفيذي
الثري ذي الصداقات العالمية والأمريكي البالغ من العمر 63 عاماً، والذي يقول إنه
اعتُقل عندما استُدعي إلى اليابان لحضور اجتماع للشركة. لقد ناصرَ غصن بنفسه كيلي
في محنته ونتائج محاكمته بشأن مسألة خطط التعويض، وهو الذي سيكون بمثابة الوكيل
الآن في القضية ضد رئيسه السابق. وليس من المؤكد كيف سيؤثر هروب غصن في قضيته. فمن
ناحية، يريد المدعون العامون إثبات وجود مخالفات. وفي الوقت نفسه، ستكون أساليبهم
قيد التدقيق على نطاق أوسع في الساحة الدولية، مع ملاحظة عدم وجود أي من المديرين
التنفيذيين اليابانيين المعنيين، مثل الرئيس التنفيذي المؤقت هيروتو سايكاوا، في
قفص الاتهام لمشاركة المحنة. 

لكن حتى مع استمرار بحثهم العنيد، فإن مسؤولي العدالة في اليابان
سيجدون أن درجة الحرارة الدولية في ارتفاع مع استمرار غصن المحروم جزئياً من حريته
في نشر المعلومات التي يقول إنها أثبتت أن عمليات الإصلاح كانت قد بدأت بالفعل قبل
وقت طويل من اعتقاله. ونشرت وزارة العدل، هذا الأسبوع، وثيقة أسئلة وأجوبة حول كيف أن النظام الياباني
على ما يرام، في إشارة واضحة إلى توتر النظام بشأن ما سيأتي. وفي حين أنه تجنَّب
حتى الآن تسمية مسؤولين حكوميين محددين، فقد زعم غصن أن لديه أدلة على التواطؤ
المباشر من جانب الحكومة مع نيسان، ويقال إنه يخطط لعقد مؤتمر صحفي ثانٍ قريباً.
ومن المؤكد أن هذا لن يكون خبراً جيداً للوزارات اليابانية، التي تحاول جذب مزيد
من الاستثمارات الأجنبية وكبار المسؤولين التنفيذيين إلى البلاد.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى