آخر الأخبارالأرشيفمقالات إضافية

هل سيصنع النظام الليبرالي العالمي بقيادة أمريكا،روسيا والصين السلام في العالم؟

باديـــة شكاط تكتب في السياسة،الفكر وقضايا الامة

    باديـــــة شكاط 

رئيس اعلاميون حول العالم في الجزائر 

عضو مؤسس

“مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الإتحاد السوفياتي،بدا النظام العالمي الليبرالي أكثر قوة من أي وقت مضى،ولكن اليوم،بعد مرور ربع قرن،أصبح مستقبل النظام موضع شك،والواقع أنّ عناصره الثلاثة “الليبرالية،والعالمية،والحفاظ على النظام ذاته” تواجه اليوم تحدّيات لم يسبق لها مثيل في تاريخه الممتد طوال سبعين عاما” هذا ماقاله  ريتشارد ناثان هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية بالولايات المتحدة الأمريكية.

فإلى أي مدى يجنح هذا الرأي نحو الصواب؟

نحو نظام يناسب عالماً متعدد الأقطاب

 مع ظهور الليبرالية كمفهوم غربي،سرعان ماتلقَفته الشعوب العربية كعادتها في إشباع نهم الجاهزية، فراحت تتعلق بأهداب التبعية،وذلك بداية من اللحظة الأولى للصدام الحضاري بين الغرب والعالم الإسلامي،في أعقاب مجيئ عسكر نابليون لمصر العام 1798،حيث استجابت هاته الدول لعمليات التحول الليبرالي،من حكم سُلطوي إلى نظم قائمة على التعددية السياسية،والإنتخاب الحر للحكومات،

وكأنّ الحرية باتت لصيقة التعدّدية السببية،فحينما كثرت أوجه الأسباب البشرية رافقتها تعددية لأوجه الحرية،ولم تطرح تلك الدول العربية أي تساؤلات حولها وهي  مَحض صناعةٍ بشرية،كأن تتساءل:

هل يمكن أن تسقط مع الليبرالية العدالة؟

– أي سلطة يمكن أن تكون الأحق بالإتباع سلطة الأغلبية،أم السلطة المادية،أم سلطة العرف،أم السلطة الشرعية؟

– ألا يمكن أن تكون الليبرالية مجرد غطاء للطغيان والعنجهية البشرية؟

 – ماهو البديل الذي يمكن أن يكون عن الليبرالية؟

فكان الحري بها هو إنتهاج نهج فوكو في الحفر المعرفي،أو مايدعى بالإركيولوجيا لرصد الخلفيات التاريخية لأي إيديولوجيا،والوقوف عند حيثياتها الواقعية،أما مجرد الإرتماء بين أحضان أي فكر جديد فهو تعميق للوعي الطفولي في المجتمعات،والذي سيحجب عنها حتمًا مايمكن إستقباله من متغيرات.

فإذا أردنا رصد الليبرالية العربية فسنجد أنها ليست وليدة لليبرالية الغربية بالمعنى الآلي للكلمة،بل نتجت كحاجة للمجتمع العربي،فمجرد تطبيق النظرية الليبرالية يجعلنا ندرك ما ينتج عنها من تناقضات،فمثلا نداء الثورة الفرنسية القائل :” لاحرية لأعداء الحرية”،أو إستبدادية روسو الذي يقول :”لابد من إجبار الناس على أن يكونوا أحرارا”جميعها تحمل تناقض النطاق التطبيقي لتلك النظرية،فحمل مثقفي العرب لشعارها هو تصور منقوص لفكرة تنام في مهدها بهدوء،لتستيقظ فتهز كل ماحولها من بنى فكرية تحتية،فمن المهم طرح تساؤلات تُشكّك حتى في الحرية كما طرحها ستيوارت ميل حين إنطلق من مُسلًّمة ليبرالية تفترِض أنّ الإنسان كائن عاقل،فتساءل قائلا:“ولكن هل الإنسان عاقل ويعرف مصلحته في كل المجتمعات؟ وهل هو دائمًا عاقل في نفس المجتمع؟ وهل يجوز بيع السم والسلاح؟ أو أن يبيع أعضاءه؟ أو أن يقتل نفسه؟ وهل تدخّل الدولة لأجل ذلك هو تحجيم لحرية الفرد؟ أم هو حماية لمجموعة أفراد؟”

وقد حدّد عبد الله العروي رائد القطيعة مع التراث العربي الإسلامي ثلاث إتجاهات لليبرالية الغربية تمثلت في الفلسفة الألمانية:” فلسفة نيتشه،وفيور باخ” والفلسفة الوجودية والفلسفة الماركسية إضافة للكلامية الجديدة.                                عوالم الفلسفة اليونانية: من الأسطورة إلى الطبيعة فإلى الفضيلة - منصة معنى الثقافية

بالرغم من أنّ الفلسفة الكلامية في عهد الأنوار كانت تدور حول الله،إلا أنّ الوضع انعكس – كما وصفه فيورباخ- وأصبحت تدور حول الإنسان. وهذا ما نلاحظه عند هيغيل،فلم تبق الحرية الفردية تابعة للحرية الإلهية،بل أصبحت صورة من صورها عند تعين المطلق في الفرد،فهيغيل قام بوضع الحرية الإنسانية المطلقة متجاوزًا المجتمع والتاريخ،ثم أسّس نظريته تلك،وجعل من حيثيات تطبيقها هو توافق إرادة الفرد مع إرادة الدولة،فنتج عن ذلك أمرين هما:

أولا: تقديس هيغيل للدولة

ثانيا: علاقة الحرية بالدولة

فإن كان الفلاسفة التقليديون يضعون الله كتوافق مطلق بين إرادة الفرد وإرادته،فإنّ هيغيل قد أحل محلها الدولة العقلانية،لتكون توافق إرادة الفرد وإرادتها،وهو مطلق الحرية،وهدف التاريخ،

فكان الفكر الهيغلي إذن يقول:“المطلق هو الدولة”

والماركسي يقول:” المطلق هو الطبقة العاملة”

والوجودي يقول:”الحرية الوجدانية هي المطلق”،حتى أنّ سارتر قال:”ليس بوسع الإنسان إلّا أن يكون حرًا” 

والكلامي يقول:“المطلق هو الله،حتى أنه رأى أن الحرية هي لمسة إلهية في الإنسان”.

فكيف تم تطبيق الليبرالية في المنطقة الإسلامية؟

أعقاب سقوط الشيوعية،وتفكك الإتحاد السوفياتي،نشأ التيار الليبرالي وبدأت ملامحه  تظهر بشكل بارز بعد أحداث 11سبتمبر أيلول 2001 م حيث تميز بمايلي:

أولاً:الإصطفاف الكامل مع المشروع الأمريكي في المنطقة الإسلامية،الرامي إلى تغيير مناهج التعليم،استعمال القوة العسكرية لتغيير الأنظمة العربية،وجعل سبيل الإحتلال سبيل هذه الدول نحو الديمقراطية،والتلذذ بدوي الإنفجارات في بغداد،كما صرح بعضهم بأنها أصوات تشبه موسيقى بيتهوفن.

يقول شاكر النابلسي:”عدم الحرج من الإستعانة بالقوى الخارجية لدحر الديكتاتورية العاتية،واستئصال جرثومة الإستبداد،وتطبيق الديمقراطية العربية،في ظل عجز النخب الداخلية والأحزاب الهشة عن دحر تلك الديكتاتورية وتطبيق الديمقراطية” وأنه لاحرج بالإتيان بالإصلاح على ظهر دبابة بريطانية أو بارجة أمريكية.

ثانيًا:تطبيق مقاييس النقد الغربي على نصوص الوحي،وإخضاع المقدَّس إلى المنطق العقلاني.

ثالثا: إعتبار الأحكام الشرعية أحكامًا آنية الزمان،لايمكنها العبور إلى أزمنة تاريخية أخرى،مثل قضية الميراث والإمامة في الصلاة بالنسبة للمرأة.

رابعًا: إعتبار الإسلام تراث من الماضي المتحجر ولابد من الإنفصال عن مبادئه لأجل حاضر متحرّروالبحث عن ديانة

 خامسًا:الدعوة إلى الديانة الإبراهيمية التي تمتزج من خلالها جميع الديانات السماوية وهي دعوة صارخة لجعل الإنسانية هي البديل الوحيد للتعايش بين البشر وليس الإسلام بقيمه الأخلاقية السامية.

سادسًا: التطبيع مع اسرائيل واتهام العرب بكل النقائص،واعتبار حتى دعواتهم إلى الإستقلال محض دعوات غوغائية بعيدة عن العقلانية،فالمقاومة الفلسطينية مثلاً هي مجرد مقاومة إرهابية بزعمهم،لأن الحل الوحيد حسبهم للقضية الفلسطينية هو الجلوس على موائد المفاوضات،ليكون الرد الطبيعي على إسرائيل هو التطبيع معها.

يقول محمد عمارة  رحمه الله:“اننا لانكاد نجد موقفًا سياسيًا لهذا التيار إلا وهو يطابق موقف أمريكا،وهذا يؤكد أنّ هذا التيار عبارة عن إحتياطي إعلامي يستعمله الأمريكيون لتسويق أفكارهم وسياساتهم،وجناح فكري،ورافد ثقافي لمشاريعهم في المنطقة الإسلامية”

كما أنه يرى أنها تناقض أصول الإسلام ومنهجه وأخلاقه كما قيمه،ومحاولة التوفيق بين الإسلام والليبرالية هو محاولة استفراغ لدلالة كل منهما،ففلاسفة الليبرالية قد شكلوها خارج إطار الأديان جميعًا،ولم يدّعي أحدهم إرتباطها ولو بدين محرّف،فالليبرالية لاتعترف بحكم الله،ولاتقر بشريعته جلّ وعز،وترى أنّ الحرية الإنسانية وحدها كافية لإصدار التشريعات،فالليبرالية حسب المفكر محمد عمارة رحمه الله،عقيدة في الحرية الفردية،تعتمد على العقلانية المنكرة للوحي،والمادية المضادة للقيم والأخلاق.

صور عن الاخلاق 2021 حكم عن الأخلاق بالصور | مصراوى الشامل

وكل من يتأمل الواقع ومايحدث في الدول العربية من تمزق فكري أشبه بالخلل العقلي،سيتفق مع الدكتور محمد عمارة،فما نراه من تقديس لليبرالية في الدول العربية،ماهو إلا لعق لأحذية الطغاة،فلا مراعاة حقيقية لهموم الشعوب،ولا تألم لآلامهم،ولا كفكفة لدموعهم،بل مجرد شعارات جوفاء،تلوح في الأفق كلّما أوشك على الكراسي أن يحل الغسق.

فحتى العلمانيين لايملكون من قطمير من الليبرالية،فمايحدث في النظام العالمي اليوم لاينتمي إلى أي أصول،سوى الأصول الوحشية،بما نراه من انتهاكات صارخة لجميع الإتفاقات الدولية،فلم تعد هناك أسلحة دولية محرّمة،ونحن نشهد هذا الكم من الإبادات الجماعية في حق أطفال،وأبرياء مدنيين في سوريا،اليمن،الصين والهند،ثم الآن في اوكرانيا دون أي استحياء من مساءلة مجلس الأمن،ولا المحاكم الدولية،ولا اكتراث بما يقومون به من كوارث إنسانية،حتى أن كوريا الشمالية إستهزأت بالإتفاق الدولي ضد انتشار الأسلحة النووية،إضافة إلى أمريكا التي لم تعد تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان،واستبدلت كل ذلك بشعار“أمريكا أولاً”،

أما روسيا فقد رفعته عاليا قائلا:“لاحاجة الى عالم لامكان فيه لروسيا” يقول ديمتري موراتوف،الحائز على جائزة نوبل للسلام ورئيس تحرير صحيفة نوفايا غازيتا الروسية: ” ..لم يكن بوتين يتصرف كزعيم للكرملين،وإنما كزعيم للكوكب؛ تماما كمالك سيارة فارهة يتباهى بذلك عبر اللعب بمفتاحها في إصبعه – هكذا يفعل بوتين بزِرّ السلاح النووي”.

ويضيف بأن بوتين يهدد بتدمير كل شيء – كل شيء إذا لم تُعامَل روسيا بالطريقة التي يرتضيها هو.

 

وليست ليبرالية الصين عنهم ببعيدة،حيث أنها أدخلت مصطلح”التصيين” إلى معجم الحكومة الرسمية عام 2015،حيث دعت الزعماء من المسلمين والبوذيين والمسيحيين إلى دمج دياناتهم في الفكر الاشتراكي الصيني،وما حملات القمع والابادات الجماعية ضد المسلمين من الايغور إلا مظهر من مظاهر ذاك التصيين.

 وكم كان صادقًا مارك ليونارد مديرالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية حين قال: “سيجري تحويل الإنترنت والهجرة والتجارة وإنفاذ القانون الدولي إلى أسلحة، بدلا من توظيف القواعد العالمية في حُكم كل هذه القوى بفعالية،وسيكون الصراع الدولي مدفوعًا في المقام الأول بسياسة محلية تتحدد معالمها على نحو متزايد وفقا للمخاوف وانعدام الثقة في المؤسسات، والنزعة القومية التي تتسم بضيق الأفق… وسيضطر العديد من القادة إلى الرهان على ما إذا كان النظام الليبرالي قادرًا على البقاء،وما إن كان ينبغي لهم أن يستثمروا الموارد في جلب هذه النتيجة…يتمتع الغرب كجماعة بالقوة اللازمة لدعم النظام الليبرالي ،ولكن إذا عجزت القوى الغربية عن الاتفاق على ما تريده من هذا النظام،أو المسؤوليات التي يتعين عليها أن تضطلع بها،فمن غير المرجح حتى أن تحاول ذلك.”

ففي ظل النظام العالمي الليبرالي الكل من الأحرار،انما ليس من أجل صناعة السلام،بل مِن أجل التسابق على الدمار.

 

 

 

                                                                       بادية شكاط كاتبة في الفكر،السياسة وقضايا الأمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى