الأرشيفكتاب وادباء

هل سترفع أمتنا شعار ” للقدس رب يحميه ؟ “

من روائع الأديب الكاتب
 
السعيد الخميسي
* القدس ليست مدينة ملاهي أو لعب أطفال حتى يتلاعب بها الصغار والكبار. القدس ليست ملكا للغرب أو الشرق حتى يبيعوها بثمن بخس فى صفقة غير شريفة . القدس ليست أرض ” وضع يد ” حتى يطمع فيها الطامعون . القدس ليست يتيمة لا أب لها ولا أم .  القدس ليست  عقارا يباع ويشترى فى سوق النخاسة والعبيد . القدس ليست عرجاء ولا كسيحة ولا عمياء وإن أصابها السوء والضراء . القدس ليست تركة موروثة لا وارث لها ولا صاحب . القدس ليست أرض فضاء جرداء يقضى فيها التائهون حاجاتهم ويرمون فيها قاذوراتهم .
القدس ليست قصة بلا عنوان , بل القدس تاريخ ممتلئ بالأحزان والأشجان . القدس وراءها ملايين المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها . القدس وراءها خير أمة أخرجت للناس . القدس وراءها أحفاد صلاح الدين  قائد موقعة حطين . القدس حاملة القضية وعنوان الهوية لأنها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين الذي تشد إليه الرحال معهما ولا تشد لغيرها فقال عليه الصلاة والسلام : : ” لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ”   . هل بعد تلك القدسية العظيمة وبعد تلك المكانة الفريدة يأتى ” أبرهة العصر ” الرئيس الأمريكي العنصري اليميني الليكودي وبجرة قلم ينتزع تلك المهابة ويشوه تلك المكانة ويعلن القدس عاصمة للكيان الصهيوني . وكأنها فندق سياحى تابع لعقاراته وأمواله , وكأن القدس ملك له ولأسرته حتى يتصرف فيها بهذا الطيش السياسى وهذه الحماقة العقلية . لم يفعلها قبله كل الرؤوساء الأمريكان الذين سبقوه رغم أنهم كانوا أكثر منه قوة وأكثر جمعا وأكثر استقرارا . فلعلها الرقصة الأخيرة له فى البيت الأبيض الامريكى لأنه يواجه شبهة الفساد  التى قد تطيح به إلى ما وراء الشمس فلا يرى بعدها شمسا ولا قمرا .
*  يذكرنى موقف ” ترامب ” العنصرى بتهويد القدس وهى ملك لأمة الإسلام وليست ملكا للعرب فحسب  , بقصة أبرهة الأشرم أو أبرهة الحبشى عندما جاء  أبرهة
بجيش عظيم ومعه فيلة كبيرة تتقدم الجيش  لتدمير الكعبة وعندما اقترب من مكة المكرمة، وجد قطيعاً من النوق لعبد المطلب سيد قريش فأخذها غصباً. فخرج عبد المطلب، جدّ الرسول صلى الله عليه وسلم طالباً منه أن يرد له نوقه ويترك الكعبة وشأنها،  فلم يمانع أبرهة  من رد النوق لعبد المطلب ولكنه رفض الرجوع عن مكة. وخرج أهل  مكة هاربين إلى الجبال المحيطة بالكعبة خوفاً من أبرهة وجنوده . وعندما ذهب عبد المطلب ليسترد نوقه سأله أبرهة لماذا لا تدافعون عن الكعبة ؟ فقال عبد المطلب : “أما النوق فأنا ربها، وأما الكعبة فلها رب يحميها “فهل سيعلنها العرب والمسلمون طواعية دون نقاش مع الرئيس الأمريكي ويعطون ظهورهم للقدس ويتركون مقدساتهم نهبا للصهاينة المعتدين ويقولون لترامب: للقدس رب يحميه ؟ لو قالها العرب والمسلمون وخشوا سطوة أمريكا وبطشها فلن تقوم لهم قائمة بعد اليوم ولن تشرق لهم شمس ولن يضئ لهم قمر . وسيعيشون إلى يوم القيامة فى كهف الخوف والذل والمهانة لا  قيمة ولا شرف ولا كلمة لهم بين الأمم والشعوب .
 

*

إن القدس لها مكانة خاصة عند عامة المسلمين وخاصتهم , والدفاع عنها فرض عين على كل مسلم فى مشارق الأرض ومغاربها . إن أمة المليار مسلم اليوم على محك عظيم وخطير , فإما تكون أو لاتكونولاننسى البطل صلاح الدين الذى حرر القدس فى موقعة ” حطين ”  نتذكره وقد استولى الجهاد على قلبه وغلبه على نفسه وهون عليه الشدائد. لقد قضى سنوات عمره في الخيام أو على صهوات الخيل مقاتلا للأعداء. وكان لا يرى إلا مهتما مغتما، تعلوه كآبة الأسى والحزن. بل كان عزوفا عن الطعام، ولا يتناول من الغذاء إلا الشيء اليسير، ولما سئل عن سبب ذلك أجاب  كيف يطيب لي الفرح والطعام ولذة المنام وبيت المقدس بأيدي الصليبيين ? قال صاحبه القاضي بهاء الدين بن شداد: “كان رحمه الله عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال”. وقال: “وهو كالوالدة الثكلى، يجول بفرسه من طلبٍ إلى طلب، ويحث الناس على الجهاد، ويطوف بين الطلاب بنفسه ويُنادي: يا للإسلام، وعيناه تذرفان بالدموع”. وقال: “لقد هِجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسائر بلاده، وقنع من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تهب بها الرياح ميمنة وميسرة”.
* إن أحوال العرب والمسلمين اليوم تشبه تماما أحوال المسلمين قبل إن يحرر صلاح الدين الايوبى القدس . اليوم نحن نعانى من حالة الضياع والتفرق والتشرذم والهزيمة على يد أراذل الأمم . فى عصر ماقبل تحرير القدس على يد صلاح الدين , ساد الجهل والبعد عن الدين وانتشرت البدع والخرافات والفرق الضالة والباطنية التى كونت إمارات ودولا مستقلة . ومن الناحية السياسية كانت هناك خلافتان : خلافة عباسية سنية فى بغداد وأخرى  فاطمية شيعية فى مصر . وكانت بينهما حروب . وقد استعان الفاطميون فيها بالصليبيين على العباسيين ووقفوا حجر عثرة فى طريق تحرير القدس .  بل وقاموا باغتيال كثير من الأمراء والعلماء الذين كانوا ضد الصليبيين . أما الحالة الاقتصادية: فقد عم الغلاء واحتكار الأقوات وترف الأغنياء وشيوع الفقر وكثرة الضرائب حتى بيعت البيضة بدينار.يقول المؤرخ ”  أبو شامة  ” عن أحوال الناس في ذلك الزمان: “كانوا كالجاهلية، همة أحدهم بطنه وفرجه، ولا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا” . يدور الزمان دورته والأيام هى الأيام والزمان هو الزمان والحال هو الحال .
* يتساءل البعض : وماذا بوسع العرب والمسلمون أن يفعلوا اليوم ؟ والإجابة ليست صعبة أو شاقة . فأضعف الإيمان أن يكون هناك تحركات على المستويين السياسي والاقتصادي . أما على المستوى السياسىى فمقاطعة الكيان الصهيوني نهائيا وعدم الاعتراف به . فضلا عن تجميد العلاقات الدبلوماسية مع أمريكا وعدم التعامل مع الرئيس الأمريكي وعدم نشر صوره ولا أخباره السياسية على المستويين العربي والاسلامى , أضف إلى ذلك حجب صوره كاملة عن مواقع الشبكات الإعلامية العربية والإسلامية  . علاوة على ذلك القيام بحشد مظاهرات فى العواصم العربية والعالمية يتقدمها المسؤولون العرب ومنظمة الدولة الإسلامية وعلماء المسلمين ونخبتهم السياسية لكى يعلم العالم أن أمتنا مازالت حية على قيد الحياة . كما يمكن تقديم احتجاج رسمى لمجلس الأمن والدعوة لانعقاده والتواصل مع دول الاتحاد  الاوربى ودول أفريقيا وأسيا لعدم الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيونى المعتدى . كما يمكن مقاطعة المنتجات الأمريكية  كلية. هذا أضعف الإيمان ولا أقل من ذلك طرفة عين غير الاستسلام التام . أمامنا طريقين : إما أن نكون عرب ومسلمين بحق نحفظ كرامتنا ونغضب ونثور من أجل قدسنا , وإما أن نبلع ألستنا وندفن رؤوسنا فى الرمال كالنعام , ونكف عن إطلاق صواريخ الشجب والإدانة الورقية اليومية التى لا تسقط عصفورة من فوق شجرة ..!
اللهم بلغت اللهم فاشهد . اللهم وفق العرب والمسلمين إلى اتخاذ القرار الصائب السليم .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى