تقارير وملفات إضافية

هل تنجح الرياضة فيما فشلت فيه السياسة؟ كيف تسهم كأس الخليج في إنهاء الأزمة بين دول مجلس التعاون

أعلنت اتحادات السعودية والإمارات والبحرين لكرة القدم مؤخراً مشاركة
منتخباتها في بطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم، التي بدأت أمس الثلاثاء 26
نوفمبر/تشرين الثاني.

وكما أشار العديد من الخبراء، أن تراجُع هذه الدول الثلاث عن قرارها
السابق بمقاطعة البطولة ربما يضيء آفاق حلّ أزمة دول مجلس التعاون الخليجي. ووفقاً
لتقرير نشرته وكالة Bloomberg مؤخراً، فالجهود المبذولة لحلّ النزاع القائم في الخليج
«تكتسب زخماً». وفي الواقع، نجحت هذه الجهود في إيقاف الحرب الإعلامية
بين قطر والدول التي تفرض عليها حصاراً، بينما قال نائب وزير الخارجية الكويتي
خالد الجارالله مؤخراً، إنَّ مشاركة الدول الثلاث في البطولة تعد «مؤشراً واضحاً
على التقدم نحو حل أزمة الخليج»، بحسب تقرير لموقع Lobelog الأمريكي.

وجاء قرار المشاركة في بطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم عقب تصريح
حديثٍ لمسؤول سعودي بارز في واشنطن، قال فيه إنَّ الدوحة «تتخد خطواتٍ لإصلاح
العلاقات مع جيرانها». وتجدر الإشارة إلى أنَّ إحدى الدول التي لا يمكن
تجاهلها هنا هي عُمان، التي لَطالما آمنت بضرورة توصُّل الدول الأعضاء في مجلس
التعاون الخليجي فيما بينها، وفي ضوء علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية، إلى حلول
دبلوماسية للمشكلات الإقليمية، ودائماً ما سعت إلى إقناع الأطراف المتنازعة
بالحوار.

وفي وقتٍ سابق من الشهر الجاري، التقى نائب وزير الدفاع السعودي
الأمير خالد بن سلمان  بالسلطان العماني قابوس بن سعيد في عمان، في اليوم
نفسه الذي كان فيه وزير النفط العماني في الإمارات لمناقشة أهمية الحفاظ على
الحوار مع الإيرانيين. وقد أتت هذه المساعي الدبلوماسية إلى جانب جهدٍ دؤوب من
أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، من أجل إقناع قطر والدول التي تُحاصِرها
بالمصالحة.

وبحسب الموقع الأمريكي، من المهم أن نتساءل هنا: لماذا يبدو أنَّ
المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين تتجه نحو موقف أكثر مرونة تجاه قطر،
وهو الأمر الذي تسعى القيادتان العمانية والكويتية من أجله، منذ بدء الحصار في
يونيو/حزيران من عام 2017. لا شكَّ أنَّ طهران وواشنطن تُشكِّلان متغيرين مهمين في
هذه المعادلة، إذ أدَّت التصعيدات في الخليج منذ الهجوم التخريبي الذي وقع قبالة
الساحل الشرقي لدولة الإمارات العربية المتحدة في شهر مايو/أيار الماضي، إلى
الهجوم الذي ضرب منشآت شركة أرامكو السعودية في سبتمبر/أيلول الماضي، والضغط الذي
تمارسه الإدارة الأمريكية على دول مجلس التعاون الخليجي من أجل الاتحاد ضد طهران،
أدت دوراً رئيسياً في حثِّ الرياض وأبوظبي على إعادة تقييم موقفهما تجاه قطر.

إذ سلَّطت الهجمات الأخيرة التي ضربت منشآت النفط السعودية في بقيق،
والحقل النفطي في خريص الضوءَ على مدى سهولة تعرُّض السعودية لتهديداتٍ حقيقية من
أعدائها. ومن ثَمَّ، فشدة الهجوم -ودقة الجهة التي نفَّذته- يبدو أنها دفعت
القيادة السعودية إلى فهم ضرورة معالجة التحديات الأمنية الحقيقية بدلاً من تلك التهديدات
المفتعلة.

وعلاوة على ذلك، أدركت الرياض وأبوظبي أنَّ أقوال الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب غالباً ما تأتي دون أفعال، لذا أصيبتا بخيبة أملٍ تجاه طريقته في
إدارة الوضع. إذ فهمت العاصمتان الخليجيتان أنَّ البيت الأبيض لن يدعمهما في
مواجهة إيران، مثلما أقنعهما بذلك في وقتٍ مبكر من رئاسة ترامب. وفي هذا الصدد،
قال أندرياس كريغ، الأستاذ المساعد في قسم الدراسات الدفاعية في كلية كينغز كوليدج
في لندن: «في عام 2017، وعد الرئيس -الذي  كان مُنصَّباً حديثاً آنذاك-
حلفاءَ أمريكا الخليجيين بدعم سياسات طرف رابح وطرف خاسر في المنطقة (بدلاً من
توازنات القوى الاعتيادية)، وتمكين الشركاء المحليين لجعل الجزء العربي من الخليج
عظيماً مرةً أخرى في مواجهة إيران. لكنَّ ترامب لم ينفذ وعده».

وفي الوقت نفسه، سعت القيادتان السعودية والإماراتية إلى إرضاء إدارة
ترامب بحرب السرديات التي شنَّتاها ضد الدوحة، ولكن نظراً إلى علاقة قطر الوثيقة
مع واشنطن (وإدارة ترامب على وجه الخصوص)، فالمسؤولون في الرياض وأبوظبي اضطروا
إلى مواجهة حقيقة أنَّ عجزهم عن ضمّ البيت الأبيض إلى حملتهما المناهضة لقطر كان
فشلاً ذريعاً.

وفي الشهر الماضي أكتوبر/تشرين الأول، حين قرَّر ترامب سحب بعض
القوات العسكرية الأمريكية من جزء معين من سوريا، في خطوة كانت بمثابة ضوء أخضر
لتركيا لدخول سوريا والهجوم على وحدات حماية الشعب الكردية، تفاقم قلق السعوديين
والإماراتيين بسبب وضع السياسة الخارجية الأمريكية. إذ عزَّز قرار ترامب الرأي
القائل إنَّ الإدارة الحالية تفتقر إلى أي رؤية أو تفكير طويل الأجل بشأن الشرق
الأوسط، مما رسَّخ التصور بأنَّ الولايات المتحدة تعد حليفاً غير موثوق في الخليج.
لذا دفعت المخاوف من انسحاب واشنطن من العالم العربي السعودية والإمارات إلى إعادة
النظر في الأسئلة الأساسية حول كيفية مواجهة التحديات الإقليمية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ عملية إعادة التقييم هذه التي أجرتها
السعودية والإمارات، تساعد في تفسير السبب وراء البادرات الدبلوماسية من
الإماراتيين تجاه طهران وانسحابهم من التدخل المباشر في اليمن، وكذلك قرار القيادة
السعودية إشراك الحوثيين في المحادثات من أجل إنهاء الصراع في اليمن. وكذلك يجب أن
تُفهم المؤشرات على تحرُّك الرياض وأبوظبي نحو المصالحة مع قطر في هذا السياق.

ولكن إذا لم تُنفذ قطر أياً من الطلبات الـ13 التي أعلنتها الدول
التي فرضت عليها الحصار في عام 2017، فسيتعين حينئذٍ على الرياض وأبوظبي مواجهة
مخاطر الظهور بمظهر الطرف الضعيف في مواجهة مرونة الدوحة. ونظراً إلى ضعف احتمالية
موافقة القطريين على إغلاق قناة الجزيرة، أو قطع علاقاتهم مع إيران، أو إغلاق
القاعدة العسكرية التركية في قطر، فمن المؤكَّد أنَّ هذه التصورات التي تظهر
الدُّول المُحاصِرة ضعيفةً ستتزايد، بحسب الموقع الأمريكي.

عند هذا المنعطف، مع اقتراب انتهاء الأزمة بين دول مجلس التعاون
الخليجي على ما يبدو، من المثير للاهتمام أن ندرس كيف يمكن أن يكون حدثٌ رياضي هو
الباب الأول الذي يُفتَح نحو إنهاء الخلاف العربي، وما إذا كانت قمة مجلس التعاون
الخليجي القادمة المقرر عقدها في الشهر المقبل ديسمبر/كانون الأول، يمكن أن تُبشِّر
بفترة مصالحة بين الدوحة والدول التي تحاصرها. ومع ذلك، فحتى إذا استعادت الرياض
وأبوظبي والمنامة العلاقات مع الدوحة، فمن المستحيل أن نتخيل عودة العلاقات بين
هذين الطرفين إلى ما كانت عليه قبل الحصار.

فتأثير الحصار الذي فُرِض على قطر سيستمر فترةً زمنية طويلة،
مؤطِّراً الخطاب الوطني والسرديات بين جيلٍ من القطريين الذين تعرَّضوا للحصار في
سنٍّ مبكرة. وبينما ستتواصل التداعيات الاجتماعية في المستقبل المنظور، سيكون من
الصعب كذلك توقُّع أنَّ الدوحة ستتخذ الخطوة غير الحكيمة المتمثلة في استعادة نفس
الروابط التجارية والاقتصادية التي كانت لديها في الماضي مع المملكة العربية
السعودية، والتي جعلت الإمارة الصغيرة عرضةً لخطرٍ كبير في منتصف عام 2017 عند بدء
الحصار. فالحقيقة أنَّ قطر واصلت المضي قُدُماً بعد بدء الحصار وأقامت شراكاتٍ
جديدة مع مجموعة من الدول -لا سيما تركيا وإيران- لن تتخلى عنها الدوحة حتى لو
انتهت أزمة مجلس التعاون الخليجي غداً. ومن ثَمَّ، فتصوُّر تحالف قطر مع السعودية
ضد إيران في «حلف الناتو العربي»، الذي تدور حوله مناقشات كثيرة،
سيتطلَّب التغاضي عن الدرجة الهائلة التي تقلَّصت بها قدرة الدوحة على الثقة بجيرانها
العرب المباشرين.

وفي النهاية، يدرك المسؤولون القطريون أنَّ توجيه سياسة قطر الخارجية
نحو التماشي مرة أخرى مع مجموعة العرب المتمثلة في تلك الدول الثلاث بصورةٍ تجعل
الدوحة معتمدةً على إطار مجلس التعاون الخليجي سيكون بمثابة مخاطرة هائلة لا يمكن
تحمُّل عواقبها. وصحيحٌ أنَّ حل أزمة الخليج قد يكون تطوّراً مُحقِّقاً للاستقرار
في جميع أنحاء الشرق الأوسط الكبير، لكنَّ إنهاء هذا الشقاق لن يعيد العلاقات بين
دول مجلس التعاون الخليجي إلى ما كانت عليه قبل عام 2017. بل قد يُسفر في المستقبل
القريب عن بدء عصر جديد في تاريخ هذه المنظمة الإقليمية التي يبلغ عمرها حوالي
أربعة عقود.

 

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى