تقارير وملفات إضافية

هل تمثل معركة الفيروس التحدي الأكبر الذي يواجهه رجل الصين القوي؟

ليس سهلاً أن يعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ أن بلاده تواجه تحدياً خطيراً، لكنه اضطر أن يفعلها، والسبب ليس حرباً تجارية مع الولايات المتحدة ولا تهديداً عسكرياً من روسيا لكنه فيروس كورونا الجديد، فهل يمكن أن تكون هزيمة رجل الصين القوي سببها فيروس؟

صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية نشرت اليوم الإثنين 27 يناير/كانون الثاني، تقريراً بعنوان: «فيروس كورونا: «معركةٌ» يُمكن أن تهزم الزعيم الصيني المُستبد»، تناولت فيه قصة أقوى زعماء الصين منذ ماو تسي تونغ.

تطلّب الأمر آلاف حالات العدوى وعشرات الوفيات من فيروس غامض؛ حتى يُعلن زعيم الصين الاستبدادي على الملأ الأمر الذي بات واضحاً للعيان في الأسابيع الأخيرة: تُواجه البلاد أزمة صحةٍ عامة خطيرة.

وفي أعقاب إعلانه، وضع الزعيم شي جين بينغ الصين في حالة حربٍ افتراضية من أجل التغلّب على وباء فيروس كورونا المُتفشّي. وعقد جلسةً استثنائية لأكبر الهيئات السياسية بالحزب الشيوعي، ليُصدر أوامره بالتعامل مع الأزمة برزانة مُشيرٍ عسكري صارم وكئيب في الوقت ذاته.

وأعلن في يوم السبت 25 يناير/كانون الثاني، أمام رفاقه الستة المُتجهّمين في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي بالحزب الشيوعي الصيني: «سنستطيع بالتأكيد الفوز في هذه المعركة».

واستجاب شي بسرعةٍ ونشاط لحالة الطوارئ الصحية الأخيرة، مقارنةً بمستوى القيادة الصينية السابق في التعامل مع وباء السارس بسريةٍ وتراخٍ عامي 2002 و2003. إذ أصاب الفيروس الشبيه بالالتهاب الرئوي، الذي قتل حتى آخر إحصاءٍ رسمي 800 شخص على الأقل، الآلاف في الصين وانتشر في أنحاء العالم.

ولكن هناك أيضاً إشارات على أنّ الحكومة، خاصةً على المستوى الإقليمي في مصدر التفشّي بمقاطعة خوبي، كانت بطيئةً في التعرّف إلى الخطر وتُواصل إساءة إدارة الأزمة. وتساءل بعض خبراء الصحة العام حول ما إذا كانت قيود السفر الكاسحة التي فُرِضَت ستحول دون حصول الناس على الرعاية الصحية، في حين لا يزال العديد من الصينيين غير مقتنعين بأنّ الحكومة صريحةٌ بالكامل حول أعداد الضحايا.

وقال مينكسين بي، أستاذ الحكومات بكلية كليرمونت ماكينا في كاليفورنيا: «من ناحية الجوهر؛ تُعتبر الاستجابة في هذه المرة مُشابهةً للوباء السابق. وقلّل المسؤولون المحليون من تفشّي المرض في المرحلة الأولية -والأخطر- من التفشّي. وكُمّمت وسائل الإعلام. وحُجِبَت المعلومات عن العامة. ونتيجةً لذلك ضاع وقتٌ ثمين».

ويُمثّل هذا التحوّل، من الرضا إلى التعبئة على مستوى البلاد، الكيفية التي تستطيع الصين أن تستجيب بها لأزمةٍ غير مُتوقّعة بوصفها عملاقاً ثقيل الحركة وكارهاً للتقلّب -ولكنّه يستطيع سحق الأزمة الطارئة. كما يُمثِّل جانبي المقايضة السياسية الاستبدادية تحت حكم شي.

ويُمكن أن يُؤدي الخوف من الإخلال ببروتوكولات الحزب، ورغبات قادته في الاستقرار الذي لا يتزعزع، إلى ردع المسؤولين الذين يرغبون في فعل الشيء الصحيح للعامة. وعلى الجهة المقابلة، تستطيع الحكومة العمل بكفاءةٍ وحشية حين ترغب في ذلك.

ولم تبدأ البيروقراطية الصينية الضخمة في التحرّك إلّا بعد صدور بيانٍ مُقتضب مكتوب يحمل اسم شي في الـ20 من يناير/كانون الثاني، وذلك إبان جولته داخل قاعدة عسكرية معرض تسوّق في مقاطعة يونان.

وبعدها أقرّ المسؤولون سريعاً بمخاطر فيروس كورونا، وأمروا باتّخاذ تدابير صارمة لوقف انتشار المرض -يقول الخبراء إنّها جاءت متأخرة- مثل: إغلاق جزء كبير من المقاطعة التي شهدت ظهور الوباء، مما يعني تقييد حركة 56 مليون شخص. كما أمرت الحكومة ببناء مستشفيين في ووهان للتعامل حصرياً مع المرضى المُصابين بفيروس كورونا، ومن المتوقع أن يكون الافتتاح خلال أيام، وليس شهور أو أعوام.

وقال ريتشارد ماكغريغور، الزميل البارز في مؤسسة Lowy Institute البحثية بسيدني ومؤلف كتاب «شي جين بينغ: رد الفعل Xi Jinping: The Backlash»: «المميز في الصين هو أنّها تستطيع تعبئة الوكالات والموارد أسرع من أي دولةٍ أخرى. وعلى الجانب الآخر، تستطيع إخفاء الأمور ببراعة. ففي الصين، لا يُوجد كيانٌ مُستقل يستطيع التقدّم ونشر المعلومات».

وتحوّل فيروس كورونا من لغزٍ طبي محلي قبل بضعة أسابيع، إلى واحدٍ من أعقد الاختبارات غير المتوقعة لشي منذ وصوله إلى السلطة قبل أكثر من سبع سنوات. وطوال تلك الفترة، نجح شي بواسطة بعض التدابير في تأسيس نفسه بوصفه أكثر زعيمٍ صيني لا يُقهر منذ ماو تسي تونغ.

ولا يزال الوباء وفاعلية استجابة الحكومة من الأمور المجهولة، لكن تفشّي المرض يأتي في وقتٍ يُواجه خلاله شي همساتٍ صامتة حيال فطنته السياسية. إذ تعرّض خلال العام الماضي لانتكاسات مُتكرّرة في ما يتعلّق بعددٍ من القضايا الأكثر حيوية على جدول أعماله.

إذ لا تزال الاحتجاجات جاريةً ضد قبضة الصين الحديدية لإخضاع هونغ كونغ. وتخفّف الغضب حيال واشنطن جزئياً بفضل صفقةٍ تُجارية قال البعض إنّها ألزمت الصين بتقديم الكثير من التنازلات. وقبل أسبوعين، أعاد الناخبون في تايوان -الجزيرة الديمقراطية التي أوضح شي مراراً أنّها يجب أن تنضم للصين الكُبرى- انتخاب رئيسٍ تكرهه بكين.

ويرى العديد من الخبراء والمُطّلعين على السياسة أنّ هيمنة شي المُطلقة ربما تزيد مشكلاته، عن طريق عرقلة النقاش الداخلي الذي يُمكن أن يُساعد على تجنّب إصدار أحكامٍ خاطئة. إذ استهانت بكين مثلاً بقوة بقاء المحتجين في هونغ كونغ، والدعم الشعبي لهم.

وقال رونغ جيان، الباحث المستقل في السياسات الصيني ببكين: «إنّها مفارقة. والسبب في هذا تحديداً هو أنّ شي يمتلك سلطةً هائلة، مما يُؤدي إلى حدوث مشكلات في السياسة -لكن لا أحد يجرؤ على مخالفته الرأي، ولا تُكتشف المشكلات إلّا بعد فوات الأوان».

ورغم انتقاد المسؤولين الحكوميين والمحليين، لكن نظام الصحة العامة يستحق الإشادة لاستجابته الفعّالة، خاصةً حين نُقارنها باستجابته لأزمة السارس السابقة، ففي تلك الحالة، تستّر المسؤولون على مدى تفشّي الفيروس طوال أشهر، لدرجة أنّهم ساعدوا فعلياً في انتشاره وتفاقم أعداد القتلى التي وصلت إلى قرابة الـ800.

وهذه المرة، لم يقُل المسؤولون في ووهان شيئاً على العلن، لكن علماء الحكومة تشاركوا المعلومات مع منظمة الصحة العالمية في آخر أيام عام 2019، وعزلوا الفيروس، ونشروا تفاصيل عنه على قواعد البيانات العالمية بعد 10 أيام، وهذا سمح للخبراء من حول العالم أن يستنتجوا سريعاً أنّ فيروس كورونا الجديد يعود أصله على الأرجح إلى الخفافيش، مثل السارس، قبل أن يصل إلى البشر من خلال إصابة حيوانٍ ثديي آخر داخل سوق ووهان.

وامتدحت دورية The Lancet العلمية الرائدة تعامل الصين مع تفشّي الفيروس حتى الآن في مقالةٍ افتتاحية.

إذ كتبت الدورية: «لقد تعلّمت الصين من وباء السارس، الذي لم تكُن البلاد مجهّزة بما يكفي في وقته لتطبيق ممارسات مكافحة العدوى.. ووفقاً لغالبية الروايات، تُلبّي السلطات الصينية المعايير العالمية، وتعزل الحالات المُشتبه بها ومعارفها، وتُطوّر إجراءات التشخيص والعلاج، وتُنفّذ حملات لتثقيف العامة».

ومضت الدورية لتُؤكّد على أنّ النجاح الفائق لهذه الاستجابة سوف «يعتمد على الحفاظ على الثقة المتبادلة بين السلطات والسكان المحليين»، وربما قوّضت حكومة شي تلك الثقة، رغم دعوتها لتعبئة الجهود والموارد.

وعلى المستوى المحلي في ووهان، نفّس الناس عن غضبهم وإحباطهم كما تجلّى عبر الشبكات الاجتماعية -رغم الرقابة. إذ دعا صُحفيٌ بارز بصحيفة The Hubei Daily، الصحيفة الرئيسية للحزب في المقاطعة، إلى تغيير قيادة ووهان في تعليقاتٍ انتشرت على نطاقٍ واسع قبل أن تتعرّض للرقابة.

وكتب الصحفي تشانغ أويا على موقع Sina Weibo، الشبكة الاجتماعية الصينية الشهيرة: «يفتقر المسؤولون الحاليون للقيادة الآمرة، في ظل تفاقم موقفٍ مُظلم بشكل استثنائي، وتوسّعه يوماً بيوم».

وهناك أدلةٌ أيضاً على أنّ السلطات المحلية عتّمت على الأزمة في الأيام الأولى من يناير/كانون الثاني، حتى لا تُؤثّر على اللهجة المُبتهجة لجلسةٍ تشريعية على مستوى المقاطعة تُعتبر اللقطة المُضيئة في الدورة السياسية المحلية.

وقال شياو دونغ وانغ، حاكم المقاطعة، للأعضاء التشريعيين: «سيكون هذا العام عاماً محورياً بشكلٍ كبير. فلنتوحّد عن قربٍ أكثر حول القيادة المركزية للحزب، وفي قلبها الرفيق شي جين بينغ»، والسيد وانغ مُتّهمٌ الآن على نطاقٍ واسع بالاستهانة بتهديد الفيروس.

إذ قال ديفيد كوهيغ، الدبلوماسي الأمريكي السابق الذي خدم لعشر سنوات في الصين وراقب القضايا الصحية والعلمية: «الصين دولةٌ أكثر مركزية مما تبدو عليه من الخارج. ويتعامل المسؤولون المحليون بكثيرٍ من الحذر، لأنّ الصين هي عبارةٌ عن تحالفٍ يتألّف من أكثر من «أخٍ أكبر» صغير. وشي يُدرك ذلك، لذا يُحاول إعادة مركزة الصين».

وقال يان تشونغ هوانغ، الزميل البارز للصحة العالمية في منظمة Council on Foreign Relations الذي يدرس الصين، إنّ مركزية السلطة منذ أزمة السارس لا يبدو أنّها عزّزت الخبرات على المستوى المحلي أو رغبة المستشفيات الإقليمية غير المجهّزة في الإبلاغ.

وأضاف: «أعتقد أنّ سلطات الصحة المركزية تُحاول أن تكون أكثر شفافية. لكن الحكومة المحلية لا تزال كارهةً لمشاركة المعلومات المرتبطة بالمرض في الوقت المناسب وبكل دقة».

إذ لا تزال السلطات المركزية مُسيطرةً على أجهزة السياسة والإعلام، وقد سعت إلى التقليل من خطورة الأزمة. وقد زاول شي وغيره من المسؤولين البارزين أعمالهم مُتجاهلين الأزمة في البداية، وذلك قبل اجتماع اللجنة الدائمة يوم السبت الماضي؛ إذ ظهروا في مأدبة طعامٍ يوم الخميس 23 يناير/كانون الثاني داخل قاعة الشعب الكبرى احتفالاً بالعام القمري الجديد، وحين تحدّث شي؛ ركّز على الحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار العام.

وتُلمِح هذه العبارة إلى الخوف من غليان الاضطرابات الشعبية، وهو الأمر الذي يُعَدُّ أولوية مطلقة دائمة لدولة الحزب. وقد يتحوّل ذلك الخوف إلى حقيقة في حال فرض الوباء -كما هو متوقع- صعوبات على الاقتصاد وحياة الناس.

إذ قال ماكغريغور: «تكمُن الحقيقة في حالة طوارئ الصحة العامة، فليس الأطباء فقط هم المهمون الآن. بل المهم هو إدارة حالة الطوارئ تلك داخل الحكومة، وبين صفوف الجمهور أيضاً. ومن الصعب القول إنّهم فعلوا ذلك بالطريقة الصحيحة».

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى