كتاب وادباء

هل تصدأ الشعوب وتتحول إلى خردة..؟

هل تصدأ الشعوب وتتحول إلى خردة..؟

بقلم الأديب والمحلل السياسى 

السعيد الخميسى

السعيد الخميسى  

* عندما يتعرض الحديد للمطر والهواء والرطوبة فإنه يصدأ ويتآكل ومن ثم يتحول إلى برادة لايقوى على حمل شئ يذكر ويصير رمادا تذروه الرياح  ويباع فى سوق الخردة . هكذا الشعوب عندما تتعرض لحملات غسيل الأدمغة والتشويش العقلية الممنهجة والمنظمة طيلة اليوم والليلة لتغييب عقلها وخطف ذهنها . ساعتها فإن الحابل يختلط  لديها بالنابل , بل وتصير سيكولوجية تلك الشعوب مرتعا لكل الجراثيم تسبح فيها أناء الليل وأطراف النهار , بل وتصير الشعوب طيعة مستسلمة لاتقوى على  فرض إرادتها فتسقط  فريسة بين أنياب ومخالب لايهمها سوى التشفي والانتقام ومص دماء الضحية . وما أكثر الضحايا التي سقطت وتسقط نتيجة الآلة الإعلامية الجبارة التي تعبث وتلهو بعقول أقوام هم أضعف من الريشة فى مهب الريح . هكذا يتم تحويل شرائح من الشعب إلى بردة حديد لاقيمة ولاثمن لها ولاتصلح إلا للبيع فى سوق خردة شعوب العالم الثالث.!.

* الهدف هو الإنسان ولا شئ غيره . لأن الإنسان هو مربط الفرس وحجر الزاوية , ويوم أن يسقط الإنسان فى بئر الرذيلة الفكرية والغواية الشيطانية , يوم أن يسقط الشعب نفسه . كيف يقوم لأي وطن قائمة وشعبه مغيب العقل والفكر وقد علاه الصدأ وأصبح لاقدرة له على تحمل أي موقف . تشعر بالأنين يختلج فى أعماق نفسك  والألم يموج فى سويداء قلبك , عندما ترى بعينيك قطاعا من الشعب لم يعد يهمه غير رغيف الخبز فإن حصلوا عليه ذهبوا إلى بيوتهم آمنين مطمئنين , لاعلاقة لهم بما يجرى فى العالم  من خير أو شر. لاتقلقهم الحروب ولا يزعجهم احتلال الوطن  , ولا يشغلهم هذا أو ذاك لان شعارهم السرمدي الأبدي نحن مع من يوفر لنا رغيف الخبز حتى ولو امتطى ظهورنا وجرنا من أعناقنا إلى حيث يريد . تنازلوا عن الحرية مقابل الخبز فخسروا الاثنين معا .

* لم تسع أى سلطة فى عالمنا العربي إلى الارتقاء بالمواطن وتثقيفه وتعليمه , لأنهم فى الغالب يريدون مواطنا جاهلا غبيا لايطمع فى شئ غير الطعام والشراب . التعليم ليس له أهدافا محددة ولا استراتجيات واضحة ولا وسائل فعالة . وتصدم أكثر عندما تقف على مستوى كثير من الخريجين فتراهم أقرب إلى الأمية الثقافية وبعضهم يعانى من الأمية الأبجدية لأنهم لاعلاقة لهم لا بقراءة ولا بكتابة ولا بعلم . هكذا تدرار شعوبنا , وهكذا أرادوا بها كيدا لنكون فى الأسفلين علميا وثقافيا واقتصاديا . يريدون شعبا علاه الصدأ ليكون قطعا من أسياخ الحديد القديمة الملقاة فى عرض الشارع لاتنشا بنيانا ولاتبنى صرحا بل تظل ملقاة تحت أقدام المارة . هكذا أرادوا بشعوبنا أن تظل قابعة تحت أقدام الأمم الراقية والشعوب المتقدمة نتسول كل شئ بلا حياء أو خجل .

* تذرف عيناك الدمع مدارا عندما تشاهد بنى قومك وقد أضلهم ما أضلهم وغشيهم من أكوام الجهل ماغشيهم . تتألم ألما نفسيا عميقا , ويزداد ألمك ويزداد الجرح اتساعا عندما تسمع الناس وهم يتحدثون ويتبادلون أطراف الحديث فى وسائل المواصلات وفى دوائر العمل الحكومية وفى المنتديات والنوادي والمساجد والشوارع , تسمع حديثا فارغا من مضمونه تافها خاليا من أى فكرة ومن أى مضمون , فتتوجس فى نفسك خيفة على مستقبل وطن تنتمى إليه تلك الشرائح المغيبة عقليا ونفسيا . تجد لديهم قابلية لتصديق أى شئ وتكذيب أي شئ . ولاتسألهم لما تصدقون هذا وتكذبون ذاك  . لأنك إن سألتهم لن ترى غير رغاوى الكلام تتدلى من ألسنتهم مثل رغاوى الصابون التى تتدلى وتنساب من بين فروج أصابعك وأنت تغسل كلتا يديك مما علق بها من الغبار والأتربة .

* لقد تحول الوعي الجمعي لشعوبنا إلى مايشبه برادة الحديد التي علاها الصدأ وتمكن منها وفتتها إلى جزيئات متناثرة لاقيمة لها ولاوزن ولاثمن . هانت علينا أنفسنا فكنا على غيرنا أهون . ومهما ارتقت وسائل التكنولوجيا وتقدمت فانه لاقيمة لها ولا مردود لها على أرض الواقع طالما أن المواطن لايعبا بشئ ولايعير اهتماما إلا لما يدخل جوفه . هم يريدون قطعانا تسير على خط واحد وفى قافلة واحدة يقودها عصا الراعي إلى حيث يريد . فلاتتعجب إن قلت لك إننا تحولنا إلى برادة حديد نعيش فى جاهلية عمياء وصفها الراحل الدكتور مصطفى محمود قائلا ” إنها جاهلية على مستوى عال جاهلية عقلها الكتروني وأسنانها ذرية ودماؤها بترولية وأقمارها صناعية ورجلها على القمر ويدها بلغت المريخ..! . ” فالي متى ستظل شعوبنا ترضخ تحت وطأة تلك الجاهلية وتدفع الثمن غاليا ..؟ بل ومن المستفيد ..؟

* إلى متى ستظل شعوبنا تغط فى سبات عميق ونوم ثقيل لاتستطيع أن ترفع رأسها إلا لأداء التحية لأسيادها فقط  . ماقيمة جوهرة فى يد غواص لايعرف قيمتها ولا يقدرها بقدرها . لدينا كل وسائل التقدم والرقى لكى ننهض ولكن أعداءنا فى الداخل والخارج يردون لنا أن نظل نلهث وراء كل سراب يحسبه الظمآن ماء , حتى إذا جاءه لم يجده شيئا مذكورا . هكذا سنظل نلهث وراء شعارات فارغة ومشاريع فاشلة وخطط وهمية وحكومات صورية وبرلمانات شكلية وانتخابات مزورة معروف نتيجتها كمباراة كرة القدم المسجلة حتى نيأس من أى إصلاح ونسلم الراية لأعدائنا فتسقط أوطاننا فى براثن التخلف والأمية والجهالة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . إن مواد البناء الملقاة فى الشارع لاتبنى بيتا ولاتنشئ صرحا , بل لابد من جمعها وتفعيلها ووضعها فى مكانها لكى تبنى صرحا . هكذا الشعوب لاقيمة لها مالم توحد كلمتها وتفرض إرادتها حتى تعلو رايتها وإلا تحولت إلى برادة حديد تذروه الرياح .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى