لايف ستايل

هل تساءلت من قبل لماذا يمتلك البعض ذاكرة أفضل من الآخرين؟ هكذا يفسر العلم عمل الذاكرة

نتعرض جميعاً لنسيان أمور كثيرة في حياتنا، فقد تعد قائمة التسوق وتنسى جلبها أثناء التسوق، وحينما تحاول أن تتذكر ما بها، ففي الغالب لن تذكرها بأكملها. وربما قد تقابل أحد أصدقاء طفولتك، ولكن للأسف لا تتذكر اسمه مما قد يدفعك للتساؤل: لماذا يمتلك البعض ذاكرة أفضل من الآخرين ؟.

لحظات كهذه قد تقودك إلى الاعتقاد بأن لديك ذاكرة سيئة، أو أنك بدأت تعاني من علامات الشيخوخة وفقدان الذاكرة. ومع ذلك، فإن الدماغ البشري هو آلة معقدة وغامضة بشكل لا يُصدق، وقدراتنا على التذكر هي بعض من العناصر الأكثر غموضاً داخلها.

بينما يبدو أن بعض الأشخاص لديهم ذاكرة جيدة بشكل طبيعي، ويمكنهم استحضار الأسماء والأحداث والتواريخ بدقة، إلا أن هناك فارقاً أكبر بكثير في الذاكرة من مجرد وصف قدرة الشخص بأنها جيدة أو سيئة.

ولتعرف أكثر لماذا يمتلك البعض ذاكرة أفضل من الآخرين تابع قراءة هذا التقرير.

تمثل الذاكرة العرضية والذاكرة الدلالية نوعين رئيسيين من الذكريات التي تشكل جزءاً من الذاكرة طويلة المدى، وتعرفان معاً باسم الذاكرة التعريفية.

الذاكرة الدلالية هي شبكة المعرفة والمعلومات التي يكتسبها الفرد على مدار حياته، وتكون عبارة عن حقائق، بينما الذاكرة العرضية هي التجارب الشخصية التي تعود بالفرد لتذكر الأحداث التي وقعت في مكان معين وزمن محدد.

وتعتبر الذاكرة العرضية ذاكرة الشخص الفريدة لحدث معين، لذلك ستكون مختلفة عن تذكر شخص آخر لنفس التجربة.

تسمى الخطوة الأولى في العملية: الترميز، وهي عملية يمر بها دماغك في كل مرة تقوم فيها بتكوين ذاكرة عرضية جديدة، ويمكن أن تخزن تلك الذاكرة بصرياً أو صوتياً أو دلالياً.

فعلى سبيل المثال، عند رؤية البطاقة التعريفية لزميل جديد في العمل، فإنك تخزن المعلومات بشكل مرئي كصورة، وإذا تحدثت معه وكررت نطق اسمه فأنت بذلك تشفر المعلومات صوتياً. وإذا تشابه اسم زميلك مع اسم شخص مقرب منك أو ممثل مشهور فيمكنك تخزين المعلومات بشكل دلالي لتكون مرتبطة ببعضها البعض.

هناك خطوة أخرى في عملية تشكيل ذاكرة عرضية تدعى التخزين، وتحدث عند نقل هذه الأجزاء المشفرة من المعلومات إلى ذاكرتك قصيرة المدى (STM)، حيث يمكن أن تستمر لمدة 0-30 ثانية، ما لم يتم اختبارها أو دمجها في ذاكرة طويلة المدى.

دمج الذاكرة يعتمد على مرور الوقت، فكلما طالت مدة نشاط المعلومة في الذاكرة قصيرة الأجل، زادت مقاومتها للمحفزات المنافسة. إذا اعتُبرت المعلومات مهمة أو ذات معنى، فسيتم تحويلها إلى الذاكرة طويلة المدى. التكرار والبروفة أمر بالغ الأهمية في هذه المرحلة؛ كلما تفاعلت أو تفكرت في المعلومات في الذاكرة قصيرة المدى، كانت هناك فرصة أفضل لدخول الذاكرة طويلة المدى.

عندما يتم تكوين الذاكرة في البداية، يقوم الجزء المسمى الحصين في المخ بدمج جميع المعلومات من تلك الذاكرة في فكرة واحدة، ولكن مع مرور الوقت، تكون أجزاء مختلفة من الدماغ قادرة على الارتباط مع تلك المنطقة القشرية الجديدة، من خلال التغييرات الجزيئية والخلوية والعصبية، مما يجعل الذاكرة يمكن الوصول إليها من مختلف الزوايا.

العملية النهائية تنطوي على التذكر، أي عملية استرجاع المعلومات السياقية المتعلقة بحادث معين. في بعض الأحيان، يتم استرجاع الذاكرة من الذاكرة طويلة المدى دون عناء تقريباً، وفي أحيان أخرى قد تحتاج إلى شيء لإطلاقها، مثل كلمة أو صورة أو رائحة أو سماع أغنية معينة.

ومن أمثلة الذكريات العرضية تذكر أول يوم دراسي، والتفاصيل حول كيفية علمك بوفاة أحد الأقارب، وتذكر المواقف مع صديق طفولتك.

ليست العوامل الوراثية سوى قطعة واحدة من لغز اختلاف الذاكرة بين الأشخاص. ولكن هناك العديد من الأسباب التي تتحد معاً لتجعل هناك اختلافاً في الذاكرة بين الناس.

السبب الرئيسي الذي يجعل الناس يتذكرون هو أنهم ينتبهون إلى ما يحدث حولهم بدلاً من استغراقهم في أفكارهم الخاصة. فبينما أحدهم يشهد على كيفية مرور حدث معين يجري بجانبه، هناك من يكتفي بالتدقيق في الوجوه.

يمكن للشخص الأول أن يصف ما حدث كما رآه، بينما يجيد الآخر التعرف على الوجوه.

سبب آخر لتذكر الأحداث في حياتنا هو مقدار العاطفة التي نستثمرها فيها. دور العاطفة في الذاكرة معقد، ففي حين أن المشاعر الإيجابية قد تحسِّن من الاستذكار، إلا أن بعض التجارب المجهدة تُحجب من الذاكرة.

تسهل الإثارة العاطفية عملية التذكير، مع الإشارة إلى بعض الأحداث على أنها جديرة بالملاحظة والبعض الآخر غير ملحوظ. لذلك من المرجح أن نتذكر ما حدث أثناء الاحتفال بحدث معين عندما تحيط بنا العائلة والأصدقاء، أكثر مما يجب أن نتذكر ما حدث في الأيام الأخرى.

ربما تكون تساءلت من قبل عن سبب نسيان بعض الأمور في حياتك، وطالما أنك مررت بها، لمَ لا تتذكرها؟! هناك أربعة أسباب رئيسية وراء النسيان، وتشمل:

– فشل الاسترجاع بمرور الوقت خاصةً بالنسبة للذكريات قصيرة الأجل، إذا لم يتم اختبار المعلومات بانتظام أو إعادتها، فسوف تتحلل مسارات الخلايا العصبية وتتلاشى الذاكرة، ولم تصل إلى ذاكرتنا الطويلة المدى.

– فشل التخزين، فبعض المعلومات التي نأخذها، حتى بشكل متكرر، لا يتم تخزينها لأنها ليست ضرورية للذاكرة. على سبيل المثال، قد تكون قادراً على تذكر لون المبنى الموجود في بداية الشارع، لكنك لن تتمكن من تذكر عدد النوافذ الموجودة في الجزء الأمامي من المنزل، فهذا الجزء من المعلومات أقل صلة بالموضوع، وبالتالي لم يصل إلى ذاكرة طويلة الأجل.

– تداخل الذكريات، فعندما يتم تخزين جميع الذكريات والأماكن والوجوه والأسماء والخبرات المتشابهة معاً، فقد يكون من الصعب فصلها في حزم مختلفة بوضوح.

– النسيان المحفز، فبعض الأشياء التي نختبرها إما يتم نسيانها بوعي أو بغير وعي، خاصةً إذا كانت مؤلمة. في حين أن هذه الأحداث قد تشق طريقها إلى ذاكرتنا الطويلة الأجل، فإننا لدينا القدرة على تشويشها ونسيانها بالكامل من خلال أعمال القمع الواعية وقمع اللاوعي.

مع تقدمنا ​​في السن، تتلاشى ذكرياتنا عن الأحداث التي عايشناها في الماضي، لكن بعض الأفراد أفضل بكثير في التذكر من الآخرين. فوفقاً لدراسة علمياً، فإن للوراثة دوراً في إحداث بعض الفروق الفردية في الاحتفاظ بالذاكرة.

لقد وجدت مجموعة كبيرة من الأبحاث أن الناقل العصبي الدوبامين يؤثر على قدرتنا على تذكر أحداث سابقة محددة، تسمى الذاكرة العرضية. على سبيل المثال، وجد الباحثون أن وجود كثافة أكبر من مستقبلات الدوبامين في منطقة الحصين بالدماغ يؤدي إلى ذاكرة عرضية أفضل.

ففي دراسة أجريت في عام 2013، أراد الباحثون معرفة مدى تأثير الدوبامين على التخزين طويل المدى للذكريات العرضية واختلافها مع تقدم العمر. نظر الباحثون في الأنماط الجينية لثلاثة جينات تؤثر على المكونات المختلفة لنظام الدوبامين في مناطق المخ المرتبطة بالذاكرة. يؤثر اثنان من الجينات على كثافة مستقبلات الدوبامين ويؤثر الجين الثالث على كمية الدوبامين المتاحة لنقل الإشارة.

خضع للتجربة 433 شخصاً تتراوح أعمارهم بين 20 و31 عاماً، و60 شخصاً تتراوح أعمارهم بين 59 و71 عاماً.

أشارت نتائج الدراسة إلى أن التباين الوراثي الشائع قد يكون أحد العوامل المساهمة في الاختلافات الأعلى بين الأشخاص في العمر الأكبر سناً، وأن الآثار الوراثية على الإدراك تتضخم في سن الشيخوخة.

تساعد الأبحاث الحديثة حول نشاط الدماغ في توضيح السبب الذي يجعل النساء يتذكرن الأحداث بشكل أكثر دقة. تكون أدمغة الإناث أكثر نشاطاً استناداً إلى تصوير جريان الدم في القشرة الدماغية.

هذا يعني أن أدمغة النساء تأخذ المزيد من المعلومات من البيئة بحيث يمكن تشفير الذكريات بتفصيل أكبر. هناك اختلاف آخر بين الجنسين يتعلق بزيادة العاطفية لدى النساء. يظهر هذا في معالجة المشاعر بالإضافة إلى تخزين الذكريات.

في حين أن مثل هذه الاختلافات بين الجنسين في الذاكرة قد تكون معطى، فإن معظم ما هو معروف عن تخزين واسترجاع الذكريات يشير إلى أنه قد يتم تحسين أداء الذاكرة.

تتمثل أكثر الطرق وضوحاً في تحسين الذاكرة في إيلاء المزيد من الاهتمام للتفاصيل، وإعادة سرد الأحداث أكثر، والحصول على ارتباط عاطفي أكبر بما يحدث حولنا.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق