كتاب وادباء

هل تحولت الثورة إلى “عورة …!؟ “

هل تحولت الثورة إلى “عورة …!؟ “

بقلم الأديب والمحلل السياسى 

السعيد الخميسى

السعيد الخميسى  

* لقد سرت دماء الفخر والعزة والكرامة فى شرايين المصريين ومعهم كل العالم الحر الأبي ابتهاجا بنجاح ثورة يناير وهى مازالت فى مهدها . وكان المصريون آنذاك يفتخرون بجنسيتهم المصرية لان الثورة رفعت رؤوسهم إلى أعلى عليين . وتغيرت نظرة العالم لمصر وشعبها لأنهم أدركوا ساعتها أن المصريين  كانوا كجذوة نار تعلوها رماد الديكتاتورية والاستبداد , وما أن أتيحت لهم الفرصة حتى اشتعلت تلك الجذوة وأكلت الأخضر واليابس فى نظام جثم على صدور وقلوب وأنفاس المصريين ردحا من الزمن . لقد صار شعار ” ارفع راسك فوق أنت مصري ” هو النشيد الوطني بل والعملة الرسمية فى تلك الاوانة . فمن كان يصدق أن نظاما فاشيا أحمقا نهب البلاد وأذل العباد طيلة 30 عاما , يسقط فى ثمانية عشر يوما بالتمام والكمال  ..؟. لكن اليوم .. وما أدراك ما اليوم… وبعد نجاح الثورة المضادة فى إجهاض جنين ثورة يناير , كثر نزيف الدماء , وتناثرت الأشلاء , وصار الحديث عن الثورة عورة يجب سترها وإخفاؤها من قاموس الحياة اليومية .

* تسير فى الطرقات وفى القرى والمدن , وفى المواصلات العامة , وفى أماكن العمل , بل وفى المساجد والشوارع , فتجد الناس وقد طأطؤا رؤوسهم خزايا خائفين مرتعشين لايتلفظون ببن شفة , ينظرون إلى أسفل منهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم شاخصة أبصارهم ترهقهم ذلة وكأنهم قد ارتكبوا إثما مبينا وجرما عظيما . حبائل الخوف تلتف حول رقابهم , فإذا ناقشتهم أو فتحت معهم بواب الحوار تراهم ينظرون إليك من طرف خفى , يتوجسون منك خيفة , خشية أن تكون مخبرا سريا تعد عليهم أنفاسهم وتحصى عليهم كلماتهم . ماهذا الخوف والجبن ..؟ ماهذا الصمت..؟ ماهذا الخزي والعار ..؟ لاتدرى ولاتفهم ماذا انتاب الناس وحدث لهم . تتساءل .. أين الذين ارتدوا ثوب الشجاعة سابقا , وكانوا يسبون ويشتمون ويتطاولون على خلق الله ..؟ مروا مر السحاب لم يشعر بهم احد وكأنهم طيف خيال فى المنام ..!.
* لقد أصبح الحديث عن ثورة يناير من أكبر الكبائر ومن الموبقات المهلكات . بل صار الحديث عن الثورة بمثابة العورة التي يجب سترها ولا مجال ولاوقت للحديث عنها اليوم . يحار فهمك ويدوخ عقلك فى فهم شرائح ليست بالقليلة من هذا الشعب أبت إلا أن تلقنك درسا مجانيا عظيم الأثر فى كيفية اللعب على كل الحبال واللحن على كل الأوتار والأكل على كل الموائد والرقص فى كل الموالد . غريبة هى النفس البشرية , فهى كسيل بليل يأتيك بطوفانه من حيث لاتدرى ولاتحتسب . لقد صار الحديث عن الحقوق وعن الحريات وعن الديمقراطية رجسا من عمل الشيطان يجب علينا أن نجتنبه لكى نفلح فى رحلة البحث عن رغيف الخبز من مطلع الشمس حتى غروبها . حقا لقد تحول الحديث عن الثورة إلى عورة مغلظة ..!
* فى ظني بل فى يقيني أن الشعوب هى التي ترسم معالم طريقها , وهى التي تحدد مستقبلها بحرصها على نيل حريتها والعيش بحرية وكرامة دون تسلط المتسلطين أو استبداد المستبدين . إن الإذعان والخضوع والخوف والرعب لايأتون بخير . لأن نيل المطالب ليس بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا . ولن يضيع حق ووراءه مطالب  ,بل تضع الحقوق وتنقسم الأوطان وتعم الفتنة ويسود الظلام , عندما يحرص كل مواطن على مصلحته الخاصة ضاربا بعرض الحائط مصالح الوطن العليا والمتمثلة فى إرساء قواعد الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان . لايستبد مستبد , ولايظلم ظالم  إلا بصمت وخنوع الناس وتذليل ظهورهم للطغاة حتى تكون مركبا مريحا لهم مادامت السموات والأرض . الشعوب الحرة تتقدم . والشعوب المتخلفة تتقهقر وتتخلف . الشعوب الحرة تحقق كل يوم تقدما فى شتى فروع العلم  , أما الشعوب المرتعشة فستظل ترضخ فى بئر التخلف والفقر والأمية إلى يوم يبعثون .
* لابد أن نمتلك الشجاعة لمواجهة الواقع الذى نعيش فيه ونحياه . والحق أقول إن واقعنا اليوم مرير وكئيب ومظلم . لابد أن يقف الشعب على حقيقة الأمور ويعي أن حكم الفرد جربناه كثيرا وضاعت معه البلاد وتأخرت وصارت فى مؤخرة الأمم . لن تفلح شعوبنا ولن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام وحالنا هكذا . ولابد أن يعلم كل الطغاة على مر العصور أنهم زائلون راحلون , أما الشعوب فهي باقية والأوطان لاتموت بل تضعف وتنقسم عندما يضيع الحق بين الناس .  لابد لثورة يناير أن تنجح وتؤتى أكلها ونجنى ثمارها وينعم الشعب بخيرها . ساعتها سيطمئن الشعب أنه هو الحاكم الفعلى للبلاد , وساعتها سينتعش الاقتصاد , ويرتفع معدل النمو . ويؤخذ كل ذي حق حقه . أما أن نتحول جميعا إلى أرانب وثعالب يطارد بعضنا بعضنا ويتربص بعضنا ببعض ويأكل بعضنا بعضا , فهذا أمر جد خطير ليس وراءه إلا الخسران المبين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى