تقارير وملفات إضافية

هل تآكل “الردع الإسرائيلي” أمام حزب الله مؤخراً؟ هآرتس: الجيش أصبح في حالة تأهب دفاعي ومستعد لقبول “عقابه”

لم يكن كمال محسن جواد، المقاتل اللبناني الذي أشعل مقتله في غارة على دمشق التوتر الحالي على الحدود بين لبنان وإسرائيل، نجماً صاعداً في سماء حزب الله. وكان جواد، الذي ينحدر من قرية عيتيت جنوبي لبنان، قد خدم في الحزب بالماضي. لكنَّه أُعير قبل بضع سنوات إلى مكتب الإغاثة، وهي وحدة فرعية لمقاتلين لبنانيين، يعملون ضمن قوات الحرس الثوري الإيراني، كما يقول عاموس هرئيل، خبير في الشؤون العسكرية في صحيفة Haaretz الإسرائيلية.

وبحسب هرئيل، كان اللبنانيان اللذان قُتِلا قبل سنة في هجوم إسرائيلي بسوريا –أثار التوتر بين الجانبين في أغسطس/آب الماضي- قد تبعا مساراً مماثلاً. وعموماً، لا يبدو أنَّ حزب الله يعير أعضاءه البارزين للإيرانيين، بل يعير أولئك الذين يمكنه تدبُّر أمره من بدونهم. لكنَّ الحزب يستردهم عند وفاتهم، ويغدق عليهم الأمين العام للحزب، حسن نصر الله، بالتكريم المناسب.

يقول الإسرائيليون إنه قد أُوكِلَت لجواد في الأصل مهمة محددة في الحرس الثوري، تتعلَّق بتنظيم تهريب الأسلحة من إيران إلى لبنان عبر سوريا. وحين اتضحت صعوبة الأمر بالنسبة له، أُعِيد تكليفه بمهمة أخرى. ويبدو أنَّ هذه هي الطريقة التي وجد بها نفسه في الموقع الذي تعرَّض للقصف بمطار دمشق الدولي في الساعات الأولى ليوم 21 يوليو/تموز. كان جواد جالساً مع سائقي الوحدة الإيرانية حين قُتِل. وعلى الأرجح أنَّ هدف الهجوم كان عتاداً حربياً متجهاً إلى لبنان.

وهنا يدخل نصر الله إلى الصورة. فقبل عام، وخلال سلسلة من الأحاديث العلنية، كرَّس الأمين العام المخضرم “معادلة الردع”: حزبه سيرد من لبنان، لقاء كل ضحية تسقط من قواته في سوريا. وكان هذا هو الوضع العام الماضي بعدما قُتِل رجلان من حزب الله في سوريا، وأيضاً بعد هجوم جوي، يُنسَب إلى إسرائيل، على ضاحية بيروت الجنوبية. وقد نشر آنذاك فرقة لإطلاق صواريخ مضادة للدبابات على إسعاف حربية إسرائيلية على الحدود مع لبنان.

بعد ذلك، في أبريل/نيسان من هذا العام، قطع حزب الله السياج الحدوي بين لبنان وإسرائيل في ثلاث مناطق، رداً على هجوم جوي على الجانب السوري من الحدود مع لبنان.

ويبدو أنَّ النهج نفسه استُخدِم الأسبوعين الماضيين، فجواد بالنسبة للإسرائيليين كان مصرعه “ضرراً جانبياً” من الهجوم على الأسلحة الإيرانية. وقد أبقى الجيش الإسرائيلي الإثنين الماضي، 27 يوليو/تموز، فرقة حزب الله التي اجتازت الحدود إلى داخل إسرائيل في منطقة هار دوف تحت المراقبة لفترة طويلة، وفتحت إسرائيل هذه المرة أيضاً النار بهدف حث الفرقة على الانسحاب، وهو ما حدث وعادت إلى لبنان دون ضحايا.

من المبكر للغاية القول ما إن كانت محاولات الردع ستحقق هدفها أم لا، لكنَّ حزب الله حقق في هذه الأثناء إنجازاً يُحسَب له: يبدو أنَّ المؤسسة العسكرية الإسرائيلية برمتها في حالة تأهب دفاعية، ومستعدة لقبول عقابها من حزب، تتضاءل قدراته في مواجهة الجيش الإسرائيلي بكل المقاييس، ويشعر الجمهور الإسرائيلي كذلك بقلق إزاء عملية انتقام حزب الله، التي تقترب في فترة لا تنقصهم فيها المخاوف المُلحَّة الأخرى، وتبقى فيها أيضاً المواقع السياحية في الشمال واحدة من المهارب القليلة من جائحة فيروس كورونا.  

بشكل عام، أدَّى سلوك الحكومة والجيش الإسرائيلي هذا الأسبوع إلى انزعاجٍ غير بسيط. والأسباب هي: الشعور بالانقباض الناجم عن انتظار رد من لبنان، وقبول إسرائيل بمعادلة وضعها نصر الله، المستعد لفتح الحدود اللبنانية أمام النشاط العسكري بعد 14 عاماً متتالياً تقريباً من الهدوء منذ حرب لبنان الثانية، والأهم، القرار بالسماح لفرقة مسلحة بالهرب دون أضرار حتى بعد اختراقها 200 متر داخل الأراضي المحتلة، وكانت على بُعد عشرات الأمتار فقط من موقع غلاديولا التابع للجيش الإسرائيلي.

وبإمكان أولئك الذين اختاروا احتواء الحادثة دون قتل المتسللين التذرُّع بوجود اعتبارات ثقيلة. إذ كان هناك ظن معقول بأنَّ قتل أفراد حزب الله من شأنه جرِّ الشمال الإسرائيلي إلى تصعيدٍ أكبر، وإشعال تبادل للنيران قد يستمر ليوم أو يومين. مع ذلك، وعلى الرغم من التوافق على “ضبط النفس” الذي أظهرته الحكومة والجيش، قد يبدو هذا حالة استثنائية في السنوات الأخيرة، حالة ستؤدي بمرور الوقت إلى تآكل الردع الإسرائيلي لحزب الله.

وكان لحادثة “هار دوف” نتيجة أخرى لم يكن يتوقعها الجيش الإسرائيلي. ففي التصعيد الأخير الصيف الماضي، استخدمت القيادة الشمالية الإسرائيلية تكتيكاً خادعاً –التظاهر بعملية إجلاء لضحايا مُفتَرَضين على متن مروحية بعد هجوم حزب الله على سيارة الإسعاف- من أجل بث الحيرة في صفوف الحزب لساعات. لكنَّ الظروف غير الاعتيادية لحادثة هذا الأسبوع دفعت الكثير من الإسرائيليين إلى التشكيك في رواية وحدة الناطقين باسم الجيش الإسرائيلي، وسؤال أنفسهم عما إن كانت فرقة حزب الله قد تسللت فعلاً أم لا. (يقول هرئيل بقدر ما يمكنني التحقق، فإنَّ رواية الجيش لحادثة هذا الأسبوع ذات مصداقية).

وعلى أي حال، تشير إعلانات الحزب إلى أنَّ الحساب لم يُصفَّ بعد، وربما تكون هناك محاولة أخرى للانتقام في الأيام أو الأسابيع المقبلة.

وتخضع آلية القيادة في إسرائيل الآن لشخص في محنة غير مسبوقة، وهو نتنياهو، وهذا سببٌ وجيه للإبقاء على متابعة وثيقة للاعتبارات العسكرية لشخصٍ، يوصفه بأنه مستعدٌ لإشعال النار في البلاد.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى