تقارير وملفات إضافية

هلّل السعوديون لتجاوز «أرامكو» تريليوني دولار.. لكن هذه القفزة السريعة قد لا تدوم طويلاً

في «تحدٍّ» لبعض التقارير التي شككت في قيمة الشركة، تجاوزت أرامكو السعودية، الخميس 12 ديسمبر/كانون الأول 2019، هدف التريليوني دولار الذي سعى إليه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حيث حققت أسهمها مكاسب ليوم ثانٍ. إذ جعل ولي العهد من الطرح العام الأوَّلي لـ «أرامكو» ركيزة رؤيته لتنويع اقتصاد المملكة بعيداً عن الاعتماد على النفط، من خلال استغلال حصيلة الطرح، البالغة 25.6 مليار دولار، لتطوير قطاعات أخرى. لكن ذلك يقل بكثير عن خطته في عام 2016 لجمع ما يصل إلى 100 مليار دولار، من خلال طرح عام أوَّلي دولي ومحلي ضخم. وسيحمل ما يحدث لـ «أرامكو» الآن بعض المخاطر والسلبيات، كما يقول محللون اقتصاديون.

يقول بيتر كوي، وهو صحفي اقتصادي في وكالة Bloomberg الأمريكية، إن شركة أرامكو السعودية كانت تريد بيع كثير من الأسهم بسعرٍ مرتفع، لكنَّ المستثمرين لم يُبدوا أي اهتمام. لذا وجد رؤساء الشركة أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مُرٌّ: خفض سعر السهم، أو خفض كمية الأسهم المُبيعة. فاختاروا الخيار الثاني. 

وربما يكون مدى صحة هذا الخيار سؤالاً مثيراً للاهتمام، لكننا قد لا نعرف الإجابة قبل مرور أسابيع أو حتى سنوات. فهو في النهاية سؤالٌ عن الاستراتيجية الأفضل بين التسعير المرتفع والتسعير المنخفض، وهذه معضلة مألوفة لدى كثير من رجال الأعمال.

قلَّصت الرياض خططها بعد إحجام من المستثمرين الدوليين، بسبب التقييم المقترح، ولم يجرِ إدراج سوى 1.5% فقط من أسهم «أرامكو» في بورصة الرياض الأربعاء، وهو حجم ضئيل للأسهم حرة التداول بالنسبة لشركة كبيرة كـ «أرامكو».

وبينما أشادت الحكومة السعودية بقفزة 10% للسهم في أول ظهور له بالسوق، الأربعاء، باعتبارها برهاناً على التقييم الذي طالما جرى السعي إليه، أتى الدعم بدرجة كبيرة من مستثمرين موالين لمحمد بن سلمان من السعودية ومنطقة الخليج، إذ يقول بعض المحللين إن قيمتها تقلُّ عن ذلك.

يقول كوي، في موقع بلومبيرغ، مفسراً ذلك: «الشركة لديها 200 مليار سهم. وإذا ضربنا هذا العدد في سعر السهم بالطرح العام الأوَّلي البالغ 8.53 دولار، فسنجد أن قيمة الأسهم تبلغ نحو 1.7 تريليون دولار. وتجدر الإشارة هنا إلى أن قيمة كلٍّ من شركتي أبل ومايكروسوفت تبلغ نحو 1.2 تريليون دولار».

لكنَّ الأمر في الواقع ليس بهذه البساطة. فكما هي الحال عند بيع أي شيء، سواء أكان شعراً مستعاراً أم طائرات نفاثة، تُشكِّل النُّدرة عاملاً مهماً، إذ تمكن السعوديون من جعل سعر السهم في الطرح العام 8.53 دولار، لأنهم يبيعون 1.5% فقط من أسهم الشركة. وهذا يجعل القيمة الإجمالية للأسهم المُبيعة تزيد قليلاً على 25 مليار دولار. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الأمير محمد بن سلمان كان يريد في البداية بيع 5% من أسهم الشركة مقابل 10 دولارات للسهم الواحد، وجمع 100 مليار دولار، وتقييم الشركة بمبلغ 2 تريليون دولار. لكنَّ مسحاً استطلاعياً أجرته مؤسسة Bernstein Research على 31 مستثمراً عالمياً رئيسياً، وجد أن متوسط ​​التقييم الذي وضعوه لشركة أرامكو السعودية كان 1.26 تريليون دولار فقط، أي نحو 6.30 دولار للسهم الواحد.

لذا تخيَّلوا هنا منحنى طلب منحدر إلى الأسفل من الفئة الاقتصادية. فحين تكون الكمية المعروضة للبيع صغيرة جداً -أي تقع على الجانب الأيسر من الرسم البياني- يمكن أن يكون السعر مرتفعاً للغاية، لأنه دائماً ما يوجد شخصٌ شَرِهٌ مستعدٌّ لدفع مبلغ باهظ. ولكن بينما تنتقل إلى يمين المنحنى -أي تبيع كميةً أكبر- سيتعين عليك خفض السعر، لاجتذاب الأشخاص الأكثر تأثُّراً بالأسعار. لذا يُمكن القول إنَّ أرامكو السعودية تجتذب الأشخاص الأكثر استعداداً للدفع بإبقاء كمية الأسهم المطروحة للبيع قليلة.  

وصحيحٌ أنََّ تقليص كمية الأسهم المعروضة للبيع ربما سمح لشركة أرامكو السعودية بالحصول على سعر أعلى للسهم، لكنَّه مصحوبٌ بسلبيات، إذ يجمع كمية أقل من الأموال. وبدلاً من بناء قاعدةٍ من صفوة المستثمرين الدوليين، تبيع الشركة معظم الأسهم لمؤسساتٍ ومواطنين بالمملكة العربية السعودية والدول المجاورة لها، قد يكونون مفرطين في التفاؤل بشأن مستقبل الشركة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ اللافتات الإعلانية التي تروِّج للطرح العام، منتشرةٌ في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية، بل حتى البنوك السعودية تعلن عن قروض، لمساعدة المواطنين على شراء الأسهم. ومن ثَمَّ، فإذا انخفض سعر السهم، فقد يشعر كثير من المواطنين السعوديين بأنَّ حكومتهم خدعتهم. وفي الواقع، هؤلاء المواطنون هم آخر الأشخاص الذين ينبغي لهم شراء الأسهم؛ إذ يعتمدون بالفعل على الضرائب والرسوم التي تدفعها أرامكو السعودية. والآن سيعتمدون عليها كذلك للحصول على أرباح الأسهم. وهذا هو عكس التنويع المالي.

بحسب بلومبيرغ، ربما ستتكشَّف حقيقة الوضع حين يحدث انخفاضٌ كبير في سعر النفط، أو ربما تتكشَّف بالمرة القادمة التي تحتاج فيها أرامكو السعودية بيع أسهم، ويواصل المستثمرون العالميون العزوف عن دفع السعر الذي يريده السعوديون. يقول بيل فارن برايس، المستشار في مجموعة RS Energy Group: «من الصعب أن نشهد تكرار هذا المستوى من شراء الأسهم لجمع حجم الإيرادات الذي تتطلبه رؤية 2030. والتنويع الاقتصادي السعودي سيحتاج تكرار ذلك في عديد من المرات». 

تقول بلومبيرغ، في خُلاصة تفسيرها لقفزة قيمة أرامكو، إنَّ الاستراتيجية السعودية منحت شركة النفط العملاقة تقييماً مثيراً للإعجاب على المدى القصير، لكنَّها يمكن أن تسفر عن نتائج عكسية على المدى الطويل

وعن ذلك، تقول صحيفة فايننشيال تايمز، إنه على الرغم من التهليل للاكتتاب العام داخل المملكة، باعتباره علامة فارقة لأكبر مُصدِّر للنفط الخام في العالم؛ وباعتباره دليلاً على أنَّ الأمير محمد يمضي قدماً في الوفاء بتعهده بإجراء إصلاحات في اقتصاد المملكة القائم بالأساس على النفط- فإنَّ الأمر بالنسبة إلى عديد من الممولين المنهَكين، الذين استهلكوا كثيراً من وقتهم منذ عام 2017 في هذه العملية المتَّسمة بالتخبط، مثير للحيرة، بسبب التخفيض الشديد في النسب، وبسبب إدراكهم أنهم ربما لن يحصلوا أبداً على الأموال التي حلموا بها.

وفي هذا الصدد يقول مصرفي بارز -رفض الكشف عن اسمه- لـ «فايننشيال تايمز»: «الأمر يسير عكس ما كانوا يسعون إليه، أي جلب رأس المال الأجنبي»، وأضاف: «المسألة برمَّتها مسألة سياسية؛ وليست صفقة حقيقية».

وتصدَّر إدراج أرامكو عناوين الأخبار بجميع وسائل الإعلام الرئيسية السعودية تقريباً اليوم الخميس، بعناوين مثل «أرامكو تعتلي عرش العالم» و «أرامكو.. الوعد يتحقق». لكنَّ محللين لدى «برنستين» وضعوا قيمة أرامكو عند حد 1.36 تريليون دولار، وذلك بالمقارنة مع رأس المال السوقي لعملاق الطاقة الأمريكي إكسون موبيل، والذي يقل عن 300 مليار دولار.

يقول محللون لـ «رويترز»، إن «أرامكو السعودية أكبر شركة نفط في العالم وأكثرها ربحيةً، لكنَّ الحجم ليس كل شيء»، مشيرين إلى خطر تباطؤ نمو صافي الدخل إذا ظلت أسعار النفط مستقرة.

وأشار تقرير لوكالة الطاقة الدولية، اليوم الخميس، إلى وجود ضغط على أسعار النفط، متوقعاً ارتفاعاً كبيراً في المخزونات العالمية، على الرغم من اتفاق لـ «أوبك» وحلفائها على زيادة تخفيضات الإنتاج، وكذلك انخفاض متوقع في إنتاج الولايات المتحدة ودول أخرى من خارج المنظمة.

وقال محللون لدى «برنستين»، إنه يتعين تداوُل أسهم أرامكو بخصم لا علاوة فوق أسعار أسهم كبرى شركات النفط العالمية، إذ إن حوكمة الشركة هي «الخطر الرئيسي بالنسبة للمستثمرين»، في ظل امتلاك السعودية أكثر من 98% من الشركة.

ولأن أرامكو فضَّلت أن تبيع حصة أصغر من الأسهم وتُعوِّل بشكل أساسي على مشترين محليين ومن المنطقة، يتوقع بعض المحللين تراجعاً قبل أن يستقر سعرها.

وقال متعامل في الرياض، طلب عدم ذكر اسمه، إنَّ أغلب التداولات كانت على نطاق صغير، بين ألف و1500 سهم، بما «يشير إلى أن بعض المستثمرين الأفراد فضَّلوا تحقيق أرباح سريعة»، إذ إنهم كانوا «فرِحين بربح ستة ريالات للسهم».

وقالت آرثي تشاندراسكاران، مديرة محفظة في «شعاع كابيتال» التي مقرها أبوظبي: «يجب ألا نتعمق كثيراً في قراءة التراجعات خلال اليوم. دعونا لا ننسَ أن المستثمرين الأفراد لا يزالون يهيمنون على أكثر من 93% من السوق، ومثل أي طرح عام أوَّلي، ستحدث عمليات خروج من جانب مستثمرين اشتروا الأسهم، لاقتناص الأرباح السريعة للإصدار».

وقال محلل بمنطقة الخليج -طلب عدم الإفصاح عن هويته- لـ «رويترز»، إن التعاملات من جانب مستثمرين في المنطقة قد تكون مدفوعة بنظرة السعودية نفسها إلى قيمة أرامكو. وقال المحلل: «سيفكر المستثمرون: لماذا ينبغي أن تصعد أكثر.. في حين يُقيِّمها مالكوها عند تريليوني دولار؟»، مضيفاً أنه عندما جرى إدراج البنك الأهلي التجاري في 2014، صعدت أسهمه بالحد الأقصى على مدى عشرة أيام، قبل أن يبدأ البيع.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى