منوعات

هكذا تهيئ توقعاتك كي لا تتسبب في تعاستك أو استنفاذ طاقتك

على الرغم مما قد يخبرك به الحس السليم، تُظهر الأبحاث أن الأشخاص غير مُحقين دوماً في التنبؤ بما سوف يشعرون به في المواقف المختلفة، على سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أن الأزواج المتزوجين حديثاً يميلون إلى تقدير أن مستويات سعادتهم سترتفع، أو على الأقل تبقى كما هي، خلال فترة السنوات الأربع التالية للزواج، لكن هذا لا يحدث في الواقع، وتميل مستويات سعادتهم إلى الانخفاض خلال تلك الفترة الزمنية.

تتسبب التوقعات التي نبنيها ونجد الواقع مُغايراً لها في تعاستنا، وربما تتسبب أيضاً في استنفاذ طاقتنا في الأهداف الخاطئة التي نتوقع أن تُحقق لنا السعادة والرخاء والاستقرار وحينما نصل إليها لا نجدها كذلك، أو تكون كذلك لفترة مؤقتة فقط لا للأبد كما نتوقع.

فبينما نعتقد أن الوظيفة المثالية أو العلاقة المثالية أو الحساب البنكي الممتاز سيغير مستويات سعادتنا بشكل دائم، نجد أن هذه الأشياء قد تمنحنا دفعة مؤقتة من الفرح فقط، وتكون هذه الفترة قصيرة بشكل مدهش فتوقعاتنا يمكن أن تربكنا في التفكير في أن أهدافنا ستجلب لنا أكثر مما تفعل بالفعل، مما يُهدر طاقتنا في السعي لتحقيق الأهداف الخاطئة.

تدعم الدراسات الفكرة القائلة إننا قد لا نُقدّر تماماً ما لدينا عندما نتوقع المزيد أو عندما نُقارن ما لدينا بما يمكن أن نملكه، وجدت إحدى الدراسات أن المشاركين الذين تعرضوا لتذكير مبدئي بالثروة أمضوا وقتاً أقل في الاستمتاع بتذوق قطعة من الشوكولاتة، بينما أظهر الأشخاص الذين لم يتم تذكيرهم بالثروة متعة أكبر.

هذه الدراسة يمكن تطبيقها على حياتنا بأكملها، كم مرة ركزنا كثيراً على شيء أردناه فسبب لنا هذا التركيز عدم الاستمتاع بالوقت الحالي؟ كم عدد المرات التي تجعلنا توقعاتنا للأشياء العظيمة نشعر بأن ما لدينا ليس كافياً بينما هناك الكثير من الناس لديهم أقل مما لدينا.

يمكن أن تكون توقعاتنا سبباً مُباشراً في تعاستنا وحزننا عندما نتوقع أكثر مما هو واقعي في موقف معين، قد نتوقع من شركائنا أن يرقوا إلى مستوى ما نراه في الأفلام الرومانسية، أو أن تكون وظائفنا تطبيقات مثالية لما يطوف بأحلامنا، أو حتى أن تكون حياتنا مواكبة لما نراه من الصور على Instagram.

توقعاتنا يمكن أن تخلق ضغوطاً كبيرة عندما لا تتوافق مع الواقع الذي نعيشه بالفعل، ضع في اعتبارك أيضاً كيف يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تساهم بشكل كبير في حدوث هذا، فنحن من خلالها نقارن أسوأ لحظاتنا، تلك التي لا نُشاركها للآخرين عبر الإنترنت، بأفضل لحظات الآخرين، والتي غالباً ما تتم فلترتها وتقديمها بشكل تبدو فيه مثالية، ولا ندرك أن هذه المقارنة مُنصفة أو منطقية.

قد تكون توقعاتنا لحياتنا غير واقعية وغير منطقية، إذا أسسناها بناءً على ما نعتقد أنه لدى الآخرين، فنظرتنا لما لدى الآخرين محدودة للغاية وقاصرة، وهم ليس لديهم الحياة المثالية الخالية من المُشكلات والأزمات والعثرات التي نتصورها، قد يكون هذا سبباً من الأسباب التي تجعل من يمضون وقتاً أطول على مواقع التواصل الاجتماعي أقل سعادة.

يجب في البدء معرفة أن الأهداف ليست هي نفسها التوقعات، فالأهداف تُبنى على أساس الواقع والحقائق، والتوقعات هي معتقدات تستند إلى الأمل والأمنيات والآراء، ستساعدك النقاط التالية في إدارة توقعاتك بشكل فعّال وإيجابي:

إذا كنت ترغب في الخروج من خيبة أمل التوقعات التي لا تجعلك تُبصر سوى سوء الواقع، فهذا يمكن أن يحدث إذا عملت على رفع وعيّك، فمن المهم أن نلقي نظرة أعمق على توقعاتنا وعلى الواقع الذي نحياه، وكيف تتأثر الحالة المزاجية لدينا بسبب هذا فتحديد وإدراك ما تتوقعه بدقة هو بداية رائعة لتقييم هذه التوقعات ومعرفة مدى واقعيتها.

عندما تدخل في موقف جديد، اسأل نفسك عما تتوقع أن يحدث، وعندما تحصل على الإجابة عليك سؤال نفسك مرةً أخرى ما إذا كانت توقعاتك يجب أن تكون بهذه الطريقة أم لا؟ وما هي المُقدمات الواقعية والفعلية التي حدثت أمامك لتبني عليها هذه التوقعات؟ وهل هي توقعات واقعية أم لا؟

حتى عندما تشعر بخيبة الأمل، حاول أن تفكر فيما إذا كان من الواقعي توقع ما كنت تأمل فيه أم لا؟ إذا كنت ترى أن توقعاتك كانت واقعية، فضع خطة للحصول على ما تريده في المرة القادمة، وإذا لم يكن كذلك، فكر في إدارة توقعاتك بشكل أفضل مما تفعله حالياً.

عندما تجد أن ما يحدث ليس ما كنت تتوقعه، فابحث بنشاط عن الإيجابيات فيما لديك، قد تجد أنه بمجرد التغلب على الشعور بخيبة الأمل، تتمكن من رؤية أنه لديك بالفعل أشياء جيدة لم تكن مُدركاً لها، وهذا يساعدك على أن تكون أكثر تقديراً لما لديك.

عندما ترى منشورات الآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي وتقرر أنك تريد ما تراه، ذكّر نفسك بأن هذا قد لا يكون حقيقة واقعة فعلياً، ولا تنسَ أن ما تراه ليس بالضرورة هو ما يعيشه الآخرون بالفعل.

صارح نفسك بأنك رُبما تُبالغ في تقدير مدى سعادتك بمجرد حصولك على ما تريده، على سبيل المثال، إذا كنت تعمل في وظيفة تكرهها لتوفير ما يكفي لشراء سيارة باهظة الثمن أو ملابس جميلة، فقد تجد بمُجرد تحقيقك للهدف الذي تريده أن سعادتك ليست طويلة الأمد كما كنت تظن، بدلاً من هذا، حاول الاستمتاع حقاً بما لديك، لا بأس أن تريد المزيد، ولكن يمكنك الاستمتاع بالحياة أكثر من ذلك بكثير إذا كنت تُقدّر ما لديك بالفعل.

حاول أن تقارن نفسك بالآخرين الذين لديهم أشياء أقل، وليس أكثر، أو الأفضل من ذلك، حاول ألا تقارن نفسك بالآخرين بشكل عام، الشخص الوحيد الذي يجب أن تتنافس معه وتُحرز تفوقاً وتقدّماً عليه هو أنت، فيكون الشخص الذي أنت عليه اليوم أكثر تطوراً مما كنت عليه بالأمس، وما أنت عليه بالغد أكثر تطوراً مما أنت عليه اليوم، ولو في شيء واحد بسيط.

عليك إدراك أن إزالة التوقعات من علاقاتك، سواء الشخصية أو المهنية، ليس من الحكمة فحسب، بل من الجيد لصحتك النفسية وصحة علاقاتك أيضاً، فالبشر، حتى أكثرهم تعصباً بيننا، يزدهرون حقاً بسبب شعورهم بأنهم مرتبطون بالآخرين.

يُمكننا تجنب الكثير من الدراما اليومية التي تحدث في كل مكتب، إذا تمكننا من إدارة توقعاتنا المهنية، فالناس الذين يعرفون كيفية إدارة التوقعات قادرون على التنقل بسهولة أكبر في المياه المتقلبة لأعمالهم، يُمكنك اتباع النصائح التالية لتحسين قدرتك على إدارة التوقعات في العمل:

غالباً ما يُصاب الأشخاص بالإحباط وخيبة الأمل عندما يفترضون أن زميل العمل أو البائع أو المدير سيفعل شيئاً مُحدداً، أو سيتبنى موقفاً مُعيناً، دون سياق مُحدد من المُقدمات الفعلية والواقعية لبناء هذه الافتراضات.

يجب ألا تقع أبداً في فخ افتراض فهم مُعين أو رد فعل مُحدد لشركاء العمل، يُمكنك تجنب هذا المأزق من خلال إجراء محادثة تناقش فيها بصراحة ما هو متوقع، وكيف يمكن تحقيقه، وكيف سيتم قياس النجاح، وتذكر أن تترك الكثير من الفرص للأسئلة، لجعل كل الخطوط واضحة دون اللجوء للافتراضات.

واحدة من أفضل الطرق لإدارة التوقعات في العمل هي التأكد من التواصل مع الجميع بشكل متكرر، خاصةً خلال المراحل المبكرة من مشروع جديد أو كنهج رئيسي طوال فترة العمل في المشروع وحتى موعد التسليم.

قد يُزيد كثرة التواصل من ضغوط العمل عليك، لكنه مهم بشكل خاص إذا كان لديك فريق جديد وغير مُعتادين على العمل معاً، ومن خلال التواصل المُتكرر طوال فترة المشروع، يكون لديك أيضاً فرصة لتقديم التحديثات والتغييرات في الوقت المُناسب، وإدارة أي مُشكلات حال ظهورها، وتقليل الفجوة بين التوقعات وبين ما تسير عليه الأمور في الواقع.

عليك أن تكون مرتاحاً إلى أن التوقعات واقعية وقابلة للتحقيق، إذا لم يكن الأمر كذلك، فيجب عليك أخذ خطوة للوراء، فالمفتاح هنا هو التراجع بطريقة تحقق التوازن بين احتياجات المنظمة وقدرات الفريق.

أصعب قليلاً من إدارة توقعاتنا هي إدارة توقعات الآخرين منّا، لكن يمكنك القيام بذلك ببعض الطرق البسيطة، منها:

التواصل على مستوى العلاقات أمر هام للغاية أيضاً، دع الآخرين، خصوصاً المُقربين الذين يعولون كثيراً عليك، يعرفون بالضبط حدودك؛ متى تكون متاحاً أو غير متاح، ما هي حدودك الثابتة؟ وما هي خططك وتفضيلاتك؟ ومتى لا تكون مرناً، وما إلى ذلك، لا تترك أي شيء للصدفة أو للافتراض الخاطئ تجاهك.

من المهم مشاركة كل هذه الأشياء وأكثر مع أصدقائك وعائلتك، إذا لم يكن أحد يعرف كيف يرضيك، فسيخسر الجميع.

قد يكون من المفيد في بعض الأحيان قضاء بضع دقائق «كارثية» تتخيل خلالها السيناريوهات الأسوأ وكيف يمكن أن تحدث، هذا سيعطيك الفرصة للاستعداد لكل الاحتمالات واتخاذ القرارات لضمان سير الأمور بشكل جيد، سيسمح لك هذا أيضاً بعدم رفع سقف توقعاتك لأقصى حد، وسيسمح لك بإدارة توقعات الآخرين منك.

فكر في أي تاريخ أو حدث مشترك قد يكون لدى الآخرين معك، هذا على الأرجح يُنبئك بكيفية تبنيهم لتوقع مُعين اتخاذهم رد فعل مُحدد من خلال الأفكار والتصورات والتجارب السابقة معك، فمعرفة المكان الذي يقف فيه أصدقاؤك وعائلتك حول بعض الأمور ومعتقداتهم الأساسية تجاهك، يمكن أن تساعدك على إدارة توقعاتهم منك بشكل أفضل.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى