آخر الأخبارتراند

هكذا تساهم الصحافة الغربية في شرعنة جرائم الإبادة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطينى

يتجلى الانحياز الغربي في مجموعة من المظاهر

 الخبير السياسى والإقتصادى

د.صلاح الدوبى 

الأمين العام لمنظمة اعلاميون حول العالم

ورئيس فرع منظمة اعلاميون حول العالم 

رئيس حزب الشعب المصرى 

جنيف – سويسرا

إن طبيعة علاقة القوة بين الأجسام البشرية من ناحية والقنابل المحمولة جواً من ناحية أخرى واضحة تمامًا. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني – وهو في حد ذاته تعبير ملطف عن حرب إسرائيل الدائمة على الفلسطينيين – لا تفوّت وسائل الإعلام الغربية أبدًا فرصة لوصف الوحشية الصارخة من جانب واحد على أنها “اشتباكات” و”شجار”.

ومن الأمثلة على ذلك مسيرة العودة الكبرى (المظاهرات السلمية التي انطلقت في قطاع غزة في مارس/آذار 2018) ووفقًا للأمم المتحدة، قتل الجيش الإسرائيلي 214 فلسطينيًا -46 منهم من الأطفال- في سياق المسيرة، وأصيب أكثر من 36 ألف. وفي المقابل، قتل جندي إسرائيلي وجرح 7 آخرون.

وكانت الخلاصة الإعلامية الغربية لهذه الإبادة الجماعية : “هناك اشتباكات”.

استخدمت وسائل الإعلام الغربية اطار “الحرب” فى تغطيتها لأحداث غزة . ولكن أحداث غزة لم تشى فى الواقع حرباً،فى ما لاحظ كارل فون كلاوزفيتز فى كتابه الشهير “فن الحرب”، فإن “الحرب هى قتال فى الأساس، لأن القتال هو المبدأ الفعلى الوحيد فى الأنشطة المتشعبة التى تحدد عموماً على أنها حرب” .

هل رأيتم قتالا فى غزة؟

شعوب العالم أجمع لم ترى قتالا فى غزة؟ إن محصلة الضحايا المتفاوتة جداً على كل من الجانبين تبين حدوث مجزرة وليس حرباً غير أن توصيف أحداث غزة فى اطار “حرب” أخفى نتائج الأعمال الهجومية “الإسرائيلية” التى لم تكن ضرورية،وكذلك مسؤولية “إسرائيل” عن مقتل المدنيين وقد أتاحت عمليات التطهير العرقي الإسرائيلية في القدس الشرقية المحتلة فرصة أخرى للمنافذ الإخبارية لممارسة المفردات المفضلة لديها.

حي الشيخ جراح بالقدس

يواجه 40 فلسطينيًا، من بينهم 10 أطفال، حاليًا عملية إخلاء من منازلهم في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية لإفساح المجال لمزيد من المستوطنين اليمينيين الوافدين – وهي الجولة الأخيرة في حملة إسرائيلية استمرت عقودًا من إعادة التهجير القسري لعائلات اللاجئين الفلسطينيين منذ 1948.

وفي مقابل رفض الفلسطينيين لهذه الإجراءات، ردت الشرطة الإسرائيلية على المتظاهرين في الشيخ جراح عبر إغراق المنطقة بالغاز المسيل للدموع ومياه ذات رائحة كريهة (وهو اختراع إسرائيلي وُصف بأنه أسوأ من مياه الصرف الصحي الخام، وربما يكون خليطا من الفضلات والغازات الضارة والمواد المتحللة).

علاوة على ذلك، اعتدت قوات الأمن الإسرائيلية على المصلين الفلسطينيين في المسجد الأقصى، وأطلقت الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية، مما أدى إلى إصابة المئات بجروح.

لكن بالنسبة لوسائل الإعلام الغربية، فإن كل ذلك عبارة عن “شجار”. كانت هناك الكثير من “المشاجرات” و”الاشتباكات” في “الواشنطن بوست”، وعلى موقع “إيه بي سي” الإخباري، وفي “الجارديان”، وعلى “فوكس نيوز”، ومرة ​​أخرى في “واشنطن بوست”.

من جانبها، أبقت “بي بي سي”، جمهورها على اطلاع دائم على “الاشتباكات” مع الإصرار على أن الشرطة الإسرائيلية كانت ببساطة تتصرف “ردًا على الاستفزازات الفلسطينية” (تمامًا مثل ما تتصرف إسرائيل دائمًا “ردًا على الاستفزازات” عندما تقتل آلاف الأشخاص في غزة!).

في غضون ذلك، أشار مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” في 7 مايو/أيار حول “مواجهات الشرطة الإسرائيلية مع المتظاهرين الفلسطينيين” عرضت الصحيفة رواية الخارجية الإسرائيلية التي تقول إن “السلطة الفلسطينية والإرهابيين الفلسطينيين يصورون نزاعًا عقاريًا بين أطراف خاصة كقضية قومية من أجل التحريض على العنف في القدس”.

بطبيعة الحال، فإن “الصراع” الإسرائيلي الفلسطيني برمته هو صورة مكبرة عن الشيخ جراح: “نزاع عقاري” حيث اغتصب طرف الجزء الأكبر من العقارات الفلسطينية في عام 1948 -وهو يواصل احتلاله بشكل غير قانوني- ويقوم بتصوير الفلسطينيين على أنهم إرهابيون من أجل تبرير الإرهاب الإسرائيلي.

لسان وبوق ومطبلاتى الصهاينة من الإمارات

منذ البداية، كان نجاح المشروع الإسرائيلي مبنيًا على سياسة التطهير العرقي – وهي السياسة نفسها المتبعة الآن في الشيخ جراح. لكن ليس من وظيفة “نيويورك تايمز” والمنافذ ذات التفكير المماثل ربط النقاط التاريخية بصورة تظهر الصراع على عكس حقيقته.

علاوة على ذلك، من خلال الاستعانة بتصريحات سخيفة من وزارة الخارجية الإسرائيلية دون توضيح أنها سخيفة  تساعد “التايمز” فقط في نشر الرواية الإسرائيلية الإجرامية.

تخيلوا للحظة، على سبيل المثال، أن وزارة خارجية جواتيمالا أصدرت بيانًا تدعي فيه أن فيروس كورونا ينتقل عن طريق وحيد القرن. ثم تخيلوا أن الصحيفة الأمريكية نشرت هذا البيان دون أي إشارة إلى أن الكلام ضرب من الجنون، وستحصلون على فكرة عما يواجهه الفلسطينيون فيما يتعلق بالتغطية الإعلامية العالمية.

إذا كانت وسائل الإعلام مهتمة فعلاً بقول الحقيقة، فإن قضية الشيخ جراح تكشف بشكل كامل عن حجم النفاق والخداع الإسرائيليين.

ويتلخص التبرير المزعوم لطرد العائلات الفلسطينية، التي أقامت في الحي منذ خمسينيات القرن الماضي، في أن مؤسستين يهوديتين اشترتا جزءًا من المنطقة من ملاك الأراضي العرب خلال القرن التاسع عشر.

وقد قدم نائب رئيس بلدية القدس “أرييه كينج” -وهو نفسه الذي تم تصويره مؤخرًا في شريط فيديو وهو يعرب عن استيائه من عدم إطلاق النار على ناشط فلسطيني في رأسه– فكرته بالمنطق التالي: “أليس من حقنا في إخراجهم من ممتلكاتنا؟”.

إن النقطة السابقة رائعة جدا إذا نظر المرء إلى مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين طردتهم إسرائيل من ممتلكاتهم في عام 1948، وملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين يُحرمون حاليًا من حق العودة. بعبارة أخرى، هناك الكثير من الأشياء التي يجب تغطيتها خارج نطاق “الاشتباكات” و”الشجارات” – إذا كانت وسائل الإعلام الغربية مهتمة بالحقيقة.

ولكن تغطية وسائل الإعلام الغربية تبدو عاقلة نسبيًا بالمقارنة، مع مثال آخر من صحيفة “إسرائيل اليوم” يأخذنا إلى أبعد من “الاشتباكات والمشاجرات”، حيث قال “كارولين بي جليك” إن “الرئيس الأمريكي جو بايدن والديمقراطيين لا يمكِّنون الإرهابيين في جميع أنحاء الشرق الأوسط فحسب، بل هناك “هجوم فلسطيني غربي منسق ضد السيطرة الإسرائيلية على القدس”!!

وبحسب الصحيفة الإسرائيلية، فقد ارتكب ناشطون فلسطينيون “فعل شيطاني” يتمثل في إضافة ترجمات باللغة الإنجليزية إلى مقطع فيديو للشرطة الإسرائيلية في الشيخ جراح وهو يخنق فلسطينيًا على الأرض وهو يقول: “أنت تخنقني”. وتقول “جليك”: “الغرض من الفيديو واضح: يسعى الفلسطينيون إلى رسم خط مباشر بين مقتل جورج فلويد في مينيابوليس وسلطات إنفاذ القانون الإسرائيلية في القدس وهي تقوم بعملها”.

وبالتالي، فإن جائزة الجريمة رقم واحد لا تذهب إلى التطهير العرقي الإسرائيلي، أو وابل الرصاص المطاطي، أو الضرب والخنق الذي تمارسه الشرطة الإسرائيلية، بل بالأحرى للترجمة النصية التي وضعها الفلسطينيون لمقاطع هذه الاعتداءات!.

أن أعمال “إسرائيل” يمكن أن تشكل إرهاباً، من حيث إن القسم الأعظم من عمليات القصف “الإسرائيلي” على غزة يفتقر لتبرير عسكري مقبول، بل يبدو أنه يستهدف إرهاب السكان المدنيين.

هذه الوقائع تم تحريفها إلى حد بعيد في وسائل الإعلام الغربية، من أجل تقديم توصيف إيجابي ل”إسرائيل”، وبالتالي إضفاء شرعية على أعمالها.

استخدمت وسائل الإعلام الغربية اطار “الحرب” في تغطيتها لأحداث غزة. ولكن أحداث غزة لم تشكل في الواقع حرباً، فكما لاحظ كارل فون كلاوزفيتز في كتابه الشهير “فن الحرب”، فإن “الحرب هي قتال في الأساس، لأن القتال هو المبدأ الفعلي الوحيد في الأنشطة المتشعبة التي تحدد عموماً على أنها حرب”.

وهل أنتم رأيتم قتالاً في غزة؟ إن محصلة الضحايا المتفاوتة جداً على كل من الجانبين تبين حدوث مجزرة وليس حرباً. غير أن توصيف أحداث غزة في اطار “حرب” أخفى نتائج الأعمال الهجومية “الإسرائيلية” التي لم تكن ضرورية، وكذلك مسؤولية “إسرائيل” عن مقتل المدنيين.

إن العالم كله تقريباً يتفق على ضرورة حل للصراع يستند إلى قرار الأمم المتحدة 242، الذي يشير إلى تسوية على اساس دولتين: الاعتراف ب”إسرائيل” ضمن حدود ما قبل حرب 1967، والاعتراف بدولة فلسطينية، ويتضمن القرار انسحاباً “إسرائيلياً” كاملاً من الأراضي المحتلة والقرار يحظى بتأييد الفلسطينيين (بمن فيهم حماس) وتأييد الدول ال22 الأعضاء في الجامعة العربية (وإيران). وقد تم إقراره في العديد من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وحسب (العالم السياسي والناشط والكاتب الأمريكي) نورمان فنكلشتاين، فإن القانون الدولي واضح تماماً. في يوليو/تموز 2004، قضت أعلى سلطة قضائية في العالم، هي محكمة العدل الدولية، بأن “إسرائيل” ليس لها أي حق في الضفة الغربية وغزة.

وليس لها أي حق في القدس. وحسب أعلى سلطة قضائية في العالم، القدس الشرقية العربية هي أرض فلسطينية محتلة. وهذه المحكمة قضت بأن جميع المستوطنات في الضفة الغربية غير شرعية بموجب القانون الدولي.

ولكن للأسف، هناك مشكلة أساسية: “إسرائيل” والولايات المتحدة لا تلتزمان بالإجماع الدولي، وترفضان أحكام محكمة العدل الدولية. والحقوق الفلسطينية، المثبتة في القانون الدولي، لا يشار إليها في تغطية الصحافة الغربية لأحداث غزة والصراع الفلسطيني – “الإسرائيلي”.

وما لم تنه “إسرائيل” احتلالها، سيكون من الصعب أن تتذرع بحقها في الدفاع عن النفس. وعليه، يمكن المحاججة بأن الهجوم الأخير على غزة افتقر للشرعية بموجب القانون الدولي. ولكن يبدو أن وسائل الإعلام الغربية أغفلت هذه المسألة.

يتجلى الانحياز الغربي في مجموعة من المظاهر منها:

 التأييد السياسي والدبلوماسي: بتأييد مذابح الدولة الصهيونية في حق الشعب الفلسطيني، واستعمال “حق” النقض (الفيتـو)، والتجريم القانوني لنقدها باعتباره معاداة للسامية، وتعهد رؤساء الولايات المتحدة في حملاتهم الانتخابية، وبعد انتخابهم، بحماية أمنها.

الحماية العسكرية: وهي ظاهرة معروفة، وحقيقة واقعة، تتجلى في أمور منها أن “الولايات المتحدة أقامت جسراً جوياً بينها وبين (إسرائيل)، إذ نقلت إليها في أيام قليلة 22 ألف طن من العتاد العسكري لتعويضها عن خسائرها التي مُنيت بها”، كما أن المساعدات الأميركية لتل أبيب تطورت بعد حرب أكتوبر عام 1973 “حتى وصلت إلى 3 مليار دولار تقريباً سنوياً طبقاً للإحصاءات الأميركية الرسمية منها 1.8 مساعدات عسكرية، 1.2 مساعدات اقتصادية”.

الدعم الاقتصادي: هناك أدلة عدة تثبت هذا الدعم منها أن “(إسرائيل) تحصل على ربع المعونات الأميركية كل عام، الأمر الذي جعلها أكثر دول العالم اعتماداً على المعونات الخارجية” و”يصل مجموع المساعدات الأميركية لتل أبيب إضافة إلى التعويضات الألمانية عن “المحرقة النازية” والجباية اليهودية منذ عام 1949 وحتى عام 1996، إلى أكثر من 179.4 مليار دولار، موزعة بين 79.6 مليار دولار مساعدات حكومية أميركية متنوعة، 60 مليار دولار تعويضات ألمانية، 19.4 مليار دولار جباية يهودية، 23.4 مليار دولار أصول أجنبية في (إسرائيل)، هذا بالإضافة إلى المساعدات غير الحكومية التي تتلقاها إسرائيل من أفراد ومؤسسات داخل الولايات المتحدة منذ منتصف السبعينات.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى