ثقافة وادب

«هدف أبوتريكة في كولومبيا»: عن عشق المحاولات التي لا أمَلَ منها

بدأت رحلة قضاء الإجازة من قرية هي أكثر مكان أحببته حتى الآن في كولومبيا، وتزامنت هذه البداية مع رحلة شراء الكتب.
تعرفت في ثاني ليالي بالقرية على بنت اسمها أليخاندرا، هي من أسست أول مكتبة في القرية وسمتها «Alijbe» ومقابلها في اللغة العربية هي كلمة «الجُبَّ» وتعني في الإسبانية مخزن المياه تحت الأرض.

بدأ الأمر بكتاب كان قد صدر حديثاً لأحد كتابي المفضّلين، وانتويت ألا أشتري المزيد من الكتب. لكن زياراتي المتكررة للمكتبة أغرتني بكتاب وراء كتاب، حتى كان يوم من آخر أيامي في القرية، جاءت السيدة الفرنسية وزوجها الكولومبي وصديقته الفرنسية وزوجها المكسيكي وبنتاهما القمران -والتي تدعى إحداهما فلورين حرب- حين وصلوا المكتبة أخبرتهم أنني لم أجد فيها ترجمة بورخيس لكتاب «أوراق العشب» لويتمان الذي كنت بدأت قراءته من الكتاب الذي وجدته في بيت مورييل -السيدة الفرنسية التي تعيش في هذه القرية الصغيرة في جبال كولومبيا منذ 25 عاماً.

حين سمعت أليخاندرا ما قلت، أنهت ترتيب الكتب التي كانت في يدها، ثم ذهبت إلى كل نواحي المكتبة تجمع دواوين وكتب الشعر وتأتي بها إليّ، فقلت لها: «بالراحة بالراحة!» ثم بدأت أقرأ عناوين كتب الشعر مرة أخرى والتي كنت قرأتها من قبل فوجدت كتاباً أسود عنوانه: «ما أردت قوله كان شيئاً آخر».

أسرني عنوان الديوان وحين نظرت إلى غلافه الخلفي رأيت كلمة كتبها شاعر دومينيكاني أعرفه، فاشتريت الكتاب وكان غالي الثمن، لاسمه، لكي أجعله في حقيبتي دائماً وكلما احتجته في حديث أو نقاش مع حبيبتي أمد يدي في الحقيبة وأوجهه لها: ما أردت قوله كان شيئاً آخر.

غادرت القرية بحقيبة ملأى بالكتب، ووصلت إلى بوغوتا وكنت بدأت في ترجمة الديوان سالف الذكر بعد أن أعجبني كله. تواصل معي الشاعر بعد أن وصلته بعد ترجماتي لقصائد من الديوان والتقينا في العاصمة، وكان لقاؤنا متفق مع لقائه بشاعرة صديقة وناشر. تعرفت خلال حديثي مع الناشر على أسماء كتاب وشعراء آخرين كثيرين فانتويت النزول إلى مكتبات وسط المدينة أبحث عن بعض الكتب، وتحديداً لأشتري دواوين لشاعر من الشعراء الذين اكتشفتهم صدفة وفتنتني أبياته. يوم البحث لم أجد أي ديوان لذلك الشاعر، لكنني اشتريت بضع روايات اقترحها عليّ بعض الأصدقاء واشتريت قصص خوان رولفو ومختارات شعرية لسان خوان دي لا كروث وخوسيه أسونسيون سيلبا أمير الشعراء الكولومبيين.

ثم توالت الأيام في العاصمة وتجمعت الكتب على الكتب حتى امتلأت حقيبة ظهر وكيس المكتبة بالكتب. في تلك الأوقات، اقتربت من ترجمة نصف ديوان «ما أردت قوله كان شيئاً آخر» بالقلم الرصاص في أوراق الديوان.

ثم بعد قضائي يومين في نُزُلين بالمنطقة القديمة من بوغوتا، ذهبتُ بعدها لشقة بعيدة عن مركز المدينة، وفي أولى لياليَّ في تلك الشقة بحثت عن الديوان لأرسل لأحد الأصدقاء قصيدة منه فلم أجده. بحثت في كل مكان وفي الحقيبتين ولم أجد شيئاً. ظننتُ أنني فقدت الديوان. تواصلت مع النُزُل، وذهبتُ في اليوم التالي لأبحث عنه هناك وسألتهم إن كانوا وجدوا كتاباً أسود الغلاف بذلك العنوان، لكنهم أبلغوني عدم عثورهم عليه. حزنت كثيراً لأنني كنت أنهيت ترجمة ما يقرب من نصف الديوان وسرت معه في رحلة وحالة لا يوصفان.
حاولت مواساة نفسي فتذكرت أن الشاعر المصري عبدالرحمن الأبنودي قد كتب ديوان «جوابات الأسطى حراجي القط» كاملاً ثم ضاع منه، فاضطر لإعادة كتابته من جديد.

كنت كل يوم أكتشف كتاباً جديداً فقدته، وبعد حوالي ثلاثة أيام من البحث، استيقظت ذات صباح من نومي وفي ذهني معلومة مشعة: ما ضاع مني ليس الديوان، بل الحقيبة الكبيرة الممتلئة بالكتب، كل الكتب التي اشتريتها من مكتبة القرية ومكاتب بوغوتا والكتب التي أهدانيها الأصدقاء و…. كان خبراً شديد الوقع على نفسي، غمني وأحزنني.

تواصلت مع النُزُل، وقضيت يوماً كاملاً أبحث عن آخر مقهى قابلت فيه الناشر والشاعرة الكولومبية الشابة قبل أن أذهب بالكتب إلى النُزل، وبعد ساعة أو أكثر من البحث وصلت إلى المقهى وسألتهم عن الحقيبة لكنهم أخبروني أنني لم أترك شيئاً. عدت بعدها للنزل، طلبت منهم أن نفحص سجلات كاميرات المراقبة، طلبوا مني معاودة الاتصال في الغد، لكنني لم أفعل لأنني لا أملك هاتفاً بالأساس.  عصرت ذهني عصراً، وتذكرت أنني ركبت الأوتوبيس، فذهبتُ من فوري لأسأل في المحطة، فأخبروني أن بعض الخطوط تنتمي لشركات مختلفة وأخبرني العامل أن أتصل برقم الشركة العامة لأسأل، فبدا لي ذلك طريقاً مسدوداً. سلّمت بحقيقة أنني فقدت الكتب، وترجمة الديوان، وطويت صدري على حزن دفين.

في اليوم التالي، حاولت الترويح عن نفسي فذهبت إلى السينما، وبعد أن خرجت أخبرت نفسي همساً لماذا لا أذهب في آخر ليلة لي في بوغوتا إلى الحي القديم -لا كانديلاريا- وأمر على النُزُل الذي سكنت به هناك لأسأل عن حقيبة الكتب وإن كانوا رأوها في كاميرات المراقبة. وكان بي يقينٌ تام أنني سأعود من ذلك المشوار بخفّي حُنين. لكنني ذهبت.
ذهبت فوجدت في الاستقبال فتى لا أعرفه. سألته عن الفتاة التي تعرف الموضوع، فأخبرني أنها في إجازة. طلبتُ منه أن يتواصل معها، أفعل كل ذلك وأنا أعلم أنني لن أجد شيئاً، لأنني كنت قد تيقنت أنني أضعت الحقيبة في الحافلة. بعد دقائق أخبرني الفتى أن زميلته أخبرته أنها ستأتي بعد قليل. أتت فوجدتني أتحدث مع الشاب عن رحلة له في غابات الأمازون. وبعد أن انتهينا من حديثنا بدأت أتحدث معها عن الكتب والكُتّاب. ثم أتت الفتاة الثالثة التي كانت ستساعدنا في أمر الكاميرات. بدأنا في البحث عن الساعة التي وصلت فيها النُزُل في المرة الأولى، وأنا أكمل الحديث مع الفتاة الأخرى عن الكتاب، منتظراً أن أرى في التسجيل أنني أدخل النُزل بلا حقيبة الكتب التي فقدتها في الأوتوبيس، فإذا بالفتاة تصرخ: ها هي الحقيبة! نعم، وصلت بها. إذن فقد فُقِدت هنا. بحثنا مرة أخرى في الغرفة وتحت السرير الذي نمت عليه تلك الليلة فلم نجد شيئاً.

بدأت كل الأفكار السيئة تدور في ذهني وقتها.. لماذا؟ لماذا يطمع أحدهم في حقيبة كتبي؟

وبدأت أفكر في الصراع المحتمل مع مالكة الفندق إن لم توافق على تعويضي عن ضياع كتبي.

لكن الفتاة قالت إنها سترى أولاً إن كنت خرجت من الفندق بالحقيبة أم لا، وظلّت تبحث طويلاً في التسجيلات لكنها لم ترني أخرج. وكنت خرجت ليلتها وذهبت للنوم في نزل آخر قريب من الأول لنفس المالكة، فذهبنا ثلاثتنا -الفتاتان وأنا- إلى النزل الآخر وبحثنا في تسجيلات الكاميرات، فإذا بالمفاجأة الكبرى! وصلت إلى الفندق الآخر بحقيبة الكتب! وقع قلبي في يدي وقتها. ثم كان اليقين حين بحثت عن لحظة مغادرتي في اليوم التالي فظهرت دون حقيبة الكتب! إذن الكتب هنا في النُزُل الآخر ولم تُسرق أو تضع في الأول كما ظننت. لكنني ذلك اليوم حين ذهبت أسأل في الفندق الأول جئت هنا أيضاً وصعدت إلى الغرفة التي نمت فيها وحدي ليلة رأس السنة ولم أجد حقيبة الكتب. لكننا اليوم صعدنا من سلم مختلف، وما إن وصلنا إلى الدور الذي فيه الغرفة حتى صرخ الرجل: ها هي الحقيبة! وكانت حقيبتي! ظللت أضرب بيدي على رجليّ لا أصدّق أنني وجدتها! بعد أن صدقت وسلّمت أنني خسرت كل تلك الكتب وعملي في الترجمة، وجدتها!

وكل ما حدث حدث في محاولة حاولتها بعد خط اليأس بأمتار عديدة، محاولة لم يحملني عليها إلا أنني لم يكن لدي شيء آخر أفعله ولم أرد أن أعود إلى البيت مبكراً.

تذكرت ساعتها الصورة التي تنتشر على فيسبوك من وقت لآخر للرجل الذي يتوقف عن حفر الحائط قبل الوصول للكنز بحفرة واحدة. أول ما رأيت الحقيبة وأمسكت بها الفتاة أمسكتها منها وضممتها إلى حضني. وكدت أبكي شكراً وامتناناً للمحاولة التي حاولتها بلا أمل. ولا أظنني حتى أموت سأتوقف عن عشق المحاولات التي لا أمل فيها، تلك المحاولات التي تشبه ركلة قدم أبو تريكة اليُسرى بعد انتهاء المباراة من خارج منطقة الجزاء، والتي تنتهي بأغلى أهداف حياته وحياة مشجعي الكرة. عدت بحقيبة الكتب تثقل ظهري بعد أيام من العودة بظهر خفيف، لكنني كنت منتشياً نشوة تريكة حاملاً كأس إفريقيا بهدف الأمل المجنون.

..

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى