كتاب وادباء

ننعى إليكم موت ” الكرامة الإنسانية…!؟”

ننعى إليكم موت ” الكرامة الإنسانية…!؟”

بقلم الأديب والمحلل السياسى

السعيد الخميسى

السعيد الخميسى

* بمزيد من الحزن والأسى ننعى إليكم وفاة ” الكرامة الإنسانية ” ورحيلها من دنيانا لتشكو إلى الله ظلم العباد . رحلت من دنيانا لتتركنا نتجرع الآلام ونبتلع الحسرات وتغلي فى قلوبنا الآهات . رحلت ” الكرامة الإنسانية ” لتترك وراءها شعبا مذبوحا لايدرى لماذا ذبح , وأمة معتقلة لاتدرى لماذا اعتقلت . رحلت عن دنيانا لتترك وراءها شعبا أريقت دماؤه , وأهدرت كرامته , وأهينت إنسانيته . رحلت عن دنيانا لتترك وراءها شعبا بلا مستقبل , وأمة بلا هدف , ووطنا بلا غاية , وأرضا بلا حرمة . رحلت عن دنيانا وفى ظهرها ألف شوكة , وفى عينها ألف دمعة , وفى قلبها ألف خنجر , وفى عقلها ألف سؤال بلا إجابة . رحلت ” الكرامة الإنسانية ” غفر الله لها ولنا لتترك وراءها شعبا مذلولا مهينا بلا حقوق , يعيش فى وطن البقاء فيه للأقوى وليس للأصلح , الحق فيه فوق القوة , والقوة فيه هى القانون والدستور . إنها شريعة الغاب التي لها مخالب وأنياب .

* ننعى إليكم بمزيد من الحزن الدفين والشعور الأليم وفاة ” الكرامة الإنسانية ” التي رحلت عن دنيانا بعد صراح طويل مع مرض خطير وداء مرير لاعلاج له , ألا وهو مرض ” الاستبداد ” الذي استوطن فى أرضنا وتقوقع فى وطننا , وباض وأفرخ فى مستنقعاتنا , حتى صار أشهر من النار فوق العلم . فصار له وزراء فسدة , وقضاة فسقة , وأمراء ظلمة , وأعوان جهلة . انه استبداد الجهل على العلم والنفس على العقل والجسد على الروح . رحلت عن دنيانا تجر وراءها أذيال الندامة والخزي والعار على شعب بات مطمعا للطامعين , ونهبا للناهبين , ومرتعا للراتعين , وسوقا للدجالين , ومستنقعا لكل آفات العالمين . رحلت تذرف الدمع مدرارا , حتى ملأت الدموع البحار والأنهار . رحلت عن دنيانا وهى تكظم غيظها , وتكتم أنينها , وتحبس زفراتها على أمة باتت كالقطعان , يسوقها راعيها إلى حيت يشاء ومتى يشاء , وإن أبت هددها بمنعها وحرمانها من مواطئ الكلأ والعشب والماء .

* ننعى إليكم بمزيد من الحزن الأليم والعذاب النفسي الشديد وفاة ” الكرامة الإنسانية ” فى وطن قدم أبناؤه  كل غال ورخيص من دمائهم وأموالهم وإعراضهم وأبنائهم حتى ينالوا كرامتهم المفقودة وحريتهم المنشودة , فكان جزاؤهم التهديد والوعيد , والويل والثبور وعظائم الأمور . كان مصيرهم أن انتهكت أعراضهم , واقتحمت بيوتهم , ونهبت أموالهم , واغتصبت بناتهم ,  وصودرت حريتهم . حتى العبرات حبسوها فى أعينهم حتى لايراها الناس فيتعاطفون معهم . حتى الصراخ اعتقلوه فى حناجرهم حتى لايسمع بهم أحد , حتى الأنين سجنوه بين أضلعهم حتى لايشعر بهم أحد . كل شئ حبسوه واعتقوه وصادروه حتى يموت الضحية ويموت المجني عليه  ويدفن المظلوم , فتندلع ألسنة حداد مسمومة وأقلام ومأجورة ومسعورة تصور لأشباه البشر أن المقتول هو الذى قتل نفسه , فيبيت القتلة فى بيوتهم آمنين سالمين لاخوف عليهم ولاهم يحزنون .

* ننعى إليكم وفاة ” الكرامة الإنسانية ” فى وطن كثر فيه القضاة , لكن ماتت فيه العدالة , فى وطن كثرت فيه أعداد العلماء , لكن ازداد فيه الجهل . فى وطن تضخمت فيه الأجهزة الأمنية  , لكن انتشرت فيه الفوضى والهرج والمرج وإراقة الدماء . فى وطن كثرت فيه المستوصفات والمستشفيات والأطباء , لكن انتشرت فيه الأمراض المزمنة والخطيرة والدائمة تنهش بأنيابها أجساد الفقراء والمحتاجين والمستضعفين الذين لايستطيعون حيلة ولايهتدون سبيلا . فى وطن كثرت فيه الأموال والثروات والمليارات , لكن كثر فيه الفقراء والمساكين والمحتاجون وساكنوا العشش والقبور  . فى وطن تزايدت فيه أعداد المدارس والمعاهد والجامعات , لكن كثر فيه أعداد الأميين والجهلة وأنصاف وأرباع وأسداس المتعلمين والمثقفين . فى وطن تزايدت فيه أعداد المساجد وكثرة المصلين , لكن قل فيه بل وغاب عنه من عنده ضمير يؤنبه وقلب يوجعه ونفس توبخه على ما آلت إليه أمورنا وانتهى إليه أمرنا .


* ننعى إليكم بمزيد من الحزن والأسى وفاة ” الكرامة الإنسانية ” فى وطن يقتل فيه المقتول ولا يدرى لماذا قتل , وأي ذنب جني , وأي جريمة ارتكب . ويقتل القاتل فى الصباح ثم يعود لبيته فى المساء آمنا مطمئنا يأتيه رزقه رغدا من كل مكان مكافأة له على جريمته النكراء . وإلا فما معنى أن يقتل شرطي مواطنا مصابا ومقيدا على سريره بسبع رصاصات فيرديه قتيلا..؟. لقد مات الإحساس بالآم الوطن وأوجاع الشعب وفقر الفقراء وحاجة المحتاجين وحرمة المصابين .  ننعى إليكم تسلط المتسلطين , وقهر الظالمين , وصمت العلماء والخبراء والفقهاء والساسة الذين كنا نعدهم يوما من الأخيار , فإذا هم رأس الأشرار . إن الحق والباطل كالماء والهواء لايجتمعان فى إناء واحد فلايمكن الجمع بينهما لأنه إذا دخل أحدهما خرج الآخر .  . كثرت إراقة الدماء , وكثر الهرج والمرج , وعمت الفوضى , وانتشرت البلطجة , والناس حائرون يتساءلون : أين المفر..؟

* إن ” الكرامة الإنسانية ” لايمكن أن تموت إلا فى وطن أصيب من الداخل بالشقاق وسوء الأخلاق والمحن والشدائد والمصائب  قبل أن يصاب من الخارج بالتربص والمؤامرات , فينفرط عقده وتنتشر فيه الفوضى , وتعم فيه الانشقاقات والخلافات. إن عرى الأخلاق أشد خطورة من عرى الأجساد . وإن فقر العقول أشد مرارة من فقر الجيوب . وإن ضحالة  وفساد بضاعة القلوب أدهي وأمر من فساد بضاعة الأسواق . إن موت ” الكرامة الإنسانية ” ورحيلها عن أرضنا أدى إلى اعوجاج الصفوف . واضطراب السياسة , وحب الرياسة , والرغبة فى الشهرة والظهور, وعدم إنكار الذات , واتهام الغير وتبرئة الذات .  إن المجرم ينزف دائما من الداخل , والقاتل لايعلن الحرب على الآخرين إلا إذا كانت الحرب قد أعلنت داخل نفسه أولا. إن وطني الحق هو الذى أجد فيه حريتي وكرامتي وانسانيتى . فأينما تكون الحرية والكرامة , يكون الوطن . ” والله من وراء القصد والنية .”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى