منوعات

نسخة أفضل عنك ولكن بأية معايير؟ تحقيق الذات يختلف حسب الثقافات

ماذا يعني تحقيق الذات، هل هناك معيار واحد لإنجاز هذا التحدي؟ وهل تتشابه الذوات أصلاً في كل الثقافات؟

لَطالما كان تحقيق الذات معياراً بالنسبة لعلم النفس الشعبي، منذ أن صاغ أبراهام ماسلو المصطلح في عام 1943، مقدماً «التسلسل الهرمي للاحتياجات» كما توضح الصورة أدناه.

لَطالما كان تحقيق الذات معياراً بالنسبة لعلم النفس الشعبي، منذ أن صاغ أبراهام ماسلو المصطلح في عام 1943، مقدماً «التسلسل الهرمي للاحتياجات» كما توضح الصورة أدناه.

منذ ذلك
الحين برزت مجموعة كبرى من المقالات، والكتب، والبودكاست، والملصقات التحفيزية، بل
وحتى نماذج أعمال توضح
الطريقة المثلى للمضي قدماً بالنسبة لعدد لا يحصى من الأفراد، يسعون للنمو والتحول
لأفضل نسخة يمكن أن يصبحوا عليها من ذواتهم.

ومع ذلك،
فإن تصور تحقيق الذات والتسلسل الهرمي للاحتياجات أصبح كياناً قائماً بذاته، يقع
خارج برج الأوساط الأكاديمية العاجي. 

ففي حين
أن المفهوم القائل إن الدافع الأعلى للفرد هو أن يصير كل ما يمكن أن يكونه أصبح
مقبولاً بوصفه حقيقة؛ لا يزال الأكاديميون يتجادلون حول ما إذا كان التسلسل الهرمي
للاحتياجات هو أفضل نموذجٍ للتنمية البشرية. 

وأحد
الانتقادات الموجّهة بالتحديد لهذا النموذج هو أن تحقيق الذات هو مفهومٌ غربيٌّ
تماماً. 

إذ طوَّره
ماسلو من خلال دراسة خصائص نظرائه، وخصائص الشخصيات التاريخية الشهيرة، مثل
أبراهام لنكولن وألبرت أينشتاين.

لماذا يعد
هذا التصور مهماً؟ يفترض بهذا النموذج أن يصبح نموذجاً للتنمية البشرية، ولكن
البحث الذي انبثق منه كان يعتمد في الغالب على شريحةٍ واحدة من التجربة
الإنسانية. 

كما تملك
الثقافات والفلسفات الأخرى طرقاً مماثلة تتباين قليلاً، لوصف الحالات الأسمى
للكينونة. فما الفرق بين تحقيق الذات وهذه المثل العليا الأخرى؟

نستعرض
تعريف بعض هذه الثقافات وفق ما عدده موقع Big Think:

واحدةٌ من
أكبر القواسم المشتركة بين هذه الفلسفات الشرقية وتحقيق الذات هي أنها تفترض
جميعاً وجود دافعٍ نحو بلوغ حالةٍ أسمى من الكينونة

سواء كانت
تلك الحالة هي التنوير، أو وحدة الوجود (الوحدة مع الطاو)، أو تحقيق الذات. 

والطاو
هو فكرة أساسية في معظم المدارس الفلسفية الصينية، ومع ذلك فإن معناها في الطاوية
هو المبدأ، الذي هو مصدر ونمط ومضمون كل شيء موجود في الحياة. 

تختلف
الطاوية عن الكونفوشيوسية في عدم التشديد على الطقوس الجامدة والنظام الاجتماعي،
ولكنها تتشابه في أن فيها كامل الانضباطات والسلوكيات التي تحقق
«الكمال»، من خلال أن يندمج الفرد مع إيقاعات الكون غير المخطط لها،
والتي تسمى «الطريق» أو » داو» . (المصدر: ويكيبيديا)

أما في
البوذية، فإن الهدف هو تحقيق التنوير من خلال فهم فراغ الوجود.

ويمكننا
بالفعل أن نرى بعض الاختلافات الملحوظة بين تحقيق الذات وهذه الفلسفات. 

إذ لا
يوجد مكوِّن ديني أو حتى روحي في التسلسل الهرمي للاحتياجات، فهو لا يدّعي أنه
يفسر الحياة والموت، أو طبيعة الكون، بل طبيعة الدافع الإنساني فقط. 

ولكن لو
جرَّدت بعض العناصر الروحية لهذه الأنظمة، ستجد أن الأهداف النهائية متشابهة إلى
حد كبير.

وسواء كان
الحكيم في الطاوية، أو الشخص المستنير في بوذية الزِّن، أو الشخص المتحقّق ذاتياً
في تسلسل ماسلو الهرمي للاحتياجات؛ فكلهم يُعنون بسلامة الآخرين، وكلهم أقرب إلى
الفطرة. 

إذ يقبلون
الواقع كما هو، وهم ذاتيون للغاية. 

والجزء
الأخير هذا، أي الاستقلال والحكم الذاتي، هو على الأرجح السبب وراء دراية الغربيين
بالطاوية وبوذية الزِّن وما شابهها من عقائد. 

إذ يحب
الغربيون فكرة الممارسة المستقلة، والعمل الذاتي، وتحقيق الذات.

ولكن هناك العديد من الأفكار الأخرى المتعلقة بما يجعل الفرد يبلغ الحالة الأسمى للكينونة التي ترفض صراحةً فكرة أن بمقدورك أن تصبح أفضل، بينما أنت في حالةٍ من العدم.

وعلى غرار
التسلسل الهرمي للاحتياجات، هناك أيضاً حالة مثالية أسمى يتعين بلوغها في
الكونفوشيوسية، وهي منزلة الحكمة sagehood بالتحديد. 

فحكيم
الكونفوشيوسية هو فردٌ خَيِّر رشيد يُجسِّد «تيان«،
والذي يمكن اعتباره بمثابة النعيم أو القوانين الأساسية للكون. 

واعتقد
كونفوشيوس أن عدداً قليلاً جداً من الأشخاص بلغ هذه الحالة، والأمر ذاته اعتقده
ماسلو فيما يتعلَّق بتحقيق الذات. 

لكن
الفارق الرئيسي بينهما هو أن كونفوشيوس ركَّز بشكل كبير على العلاقة بين الحكيم أو
الفرد النامي، وبين المجتمع من حوله. 

أما
بالنسبة لفرد ماسلو الذي يبلغ تحقيق الذات، فإن علاقته بالمجتمع هي أمرٌ متروكٌ
له. 

فربما
ينشغل الشخص الذي يبلغ مرحلة تحقيق الذات كثيراً بالعالم من حوله، أو يكون ناسكاً،
ويعتمد ذلك على طبيعته الفردية.

وفي
الكونفوشيوسية تكون معالجة القضايا المجتمعية هي الطريقة التي يمكن بها للآخرين أن
يصبحوا حكماء. 

ونتيجةً
لذلك، تقضي الكونفوشيوسية بقانونٍ اجتماعي صارم يُلزِم الأفراد باتِّباعه من أجل
تأسيس الشكل السليم للمجتمع، وهو ما يمكن تلخيصه في اقتباس كونفوشيوس: «السياسة هي
أن يكون الأمير أميراً، والوزير وزيراً، والأب أباً، والابن ابناً» . 

علاوة على
ذلك، فإنه من خلال كونك أباً أو وزيراً أو أي دورٍ مقدرٍ لك أن تكونه؛ تُؤكِّد
الكونفوشيوسية أن بمقدورك أن تصبح أكثر فضيلة وأن تتطور أكثر. 

وعلى جانب
آخر، تعد الكونفوشيوسية إلزاميةً بشكل كبير، ربما أكثر من الفلسفات الأخرى المدرجة
هنا، بينما يعد التسلسل الهرمي للاحتياجات أكثر توصيفية.

واحدة من
أوجه الشبه الأكثر إثارة للاهتمام في تسلسل ماسلو الهرمي للاحتياجات هي فلسفة
قبيلة الأقدام السوداء (بلاكفوت) من الأمريكيين الأصليين. 

وفي
الواقع، يُعتقد أن ماسلو استخدم معتقدات شعب الأقدام السوداء لتطوير نظريته، بعد زيارةٍ 
أجراها إلى محمية أمة الأقدام السوداء في مقاطعة ألبرتا بكندا عام 1938.

ومع ذلك،
كان منظور قبيلة الأقدام السوداء المتعلق بتحقيق الذات مختلفاً تماماً عن منظور
ماسلو.

فبالنسبة
إلى قبيلة الأقدام السوداء، كان تحقيق الذات في الواقع موجوداً في قاعدة الهرم

وكما هو
الحال مع الفلسفات الأخرى التي تركز على التنمية البشرية والحالات الأسمى للوجود؛
فإن نموذج الأقدام السوداء يمتد لما هو خارج الذات، ويركز على تأثير التنمية
الذاتية على المجتمع. 

وفوق
تحقيق الذات يأتي تحقيق المجتمع، والذي تأتي فوقه الديمومة الثقافية، أو فكرة أن
معرفة المجتمع وحكمته يمكن أن تدوم، ما دام الفرد والمجتمع في حالة تحقق.

وبغضّ
النظر عن تركيزه على المجتمع بدلاً من الفرد؛ يُعَدُّ هذا النموذج مثيراً للاهتمام
لأنه يركز أيضاً على الوقت.

فإذا
حقَّق مجتمع ما ديمومة ثقافية، فإنه يستمر إلى الأبد. 

كما يناقش
النموذج صراحة أمراً أضافه ماسلو لاحقاً إلى تسلسله الهرمي، ألا وهو فكرة السمو
بالذات. 

إذ اعتقد
ماسلو فيما بعد أن جميع الأفراد الذين تحققوا ذاتياً سيشعرون بالحاجة إلى ملاحقة
أهدافٍ تقع خارج الذات، وهي سمةٌ كانت موجودةً بالفعل في نموذج قبيلة الأقدام
السوداء.

ولا يُقصد
بأي من هذا أن نموذج ماسلو للتنمية البشرية صحيح أو خاطئ، ولكن بدلاً من ذلك من
المهم أن نقرَّ كم كان تفكير ماسلو نتاجاً لثقافته. 

فعلم
النفس بالتحديد هو علم يتأثر بسهولة بالثقافة.

وعلى سبيل
المثال، خذ في الاعتبار حقيقة أن جميع الدراسات النفسية تقريباً تُجرى على طلاب
كليات المرحلة الجامعية، سيتضح من الوهلة الأولى أنَّ التأكد من الحقائق العالمية
عبر عينة من طلاب كليات المرحلة الجامعية والشخصيات التاريخية الغربية هو اقتراح
مشكوك فيه.

ختاماً،
عندما يتعلَّق الأمر بالسعي للوصول إلى نسخةٍ أفضل من الذات، من المفيد الأخذ في
الاعتبار أن هناك العديد من وجهات النظر المتعلقة بما يمكن أن تكونه النسخة الأفضل
تلك.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى