نحن علماء أوبئة ولنكن صريحين معك: حياتك الطبيعية لن تعود قبل شهرين على الأقل

في الأسبوع الماضي، اقتنعت
شعوب العالم، وحتى الرئيس ترامب، بالحاجة إلى التباعد الاجتماعي. وعلى الرغم
من  شعورهم بأنهم على ما يرام، فهم يلازمون المنزل ويطورون عادات جديدة
كتضييع الوقت في الخَبز أو مشاهدة التلفاز أو التوصل إلى طريقة لتعليم أطفالهم
منزلياً. وقد استغرق الأمر وقتاً طويلاً كي نتقبل مدى خطورة فيروس كورونا. لكن
الآن، وبعد أن اتخذنا أخيراً التدابير اللازمة في كثير من المناطق لإغلاق المدارس
وأماكن العمل والمطاعم وغير ذلك، يتساءل الناس: متى سينتهي هذا؟ في أسبوعين؟ أم
أربعة؟ متى يمكننا العودة إلى حياتنا الطبيعية؟

لكن الحياة
الطبيعية لسوء الحظ بعيدة المنال، إذ إن الوقت الذي نحتاج إلى توقُّعه هو شهور
وليس أسابيع. وعلينا أن نتوقَّف عن تخيُّل ذلك المخطَّط المنتشر عن “تسوية
المنحنى” والبدء في تصور قطار أفعواني.

ثمة جدوى من الإبعاد
الاجتماعي. ومثلما تبيَّن في الصين وكوريا الجنوبية وبلادٍ أخرى، فمن الممكن إبطاء
تفشي الفيروس وتقليص عدد الأشخاص المُعرَّضين للإصابة في وقتٍ واحد. وهو ما سيحد
من اكتظاظ المستشفيات بالمرضى، فيحصل المرضى على العلاج بكفاءة ورحمة. وسيوفر
أيضاً الوقت للباحثين للعمل على تطوير لقاح وعلاجات تُقلِّل حدة الفيروس وتنقذ
أرواح الناس.

لا يعلم أحدٌ على وجه التحديد
متى سيستمر الإبعاد الاجتماعي في تقليص تفشي العدوى إلى درجة الصفر. لكن إذا كانت
الصين وكوريا الجنوبية نموذجين مناسبين، فسوف نحتاج إلى البقاء بعيداً عن بعضنا
البعض لمدة لا تقل عن 8 أسابيع، وربما تزيد عن ذلك. وقد أغلقت الصين مدينة ووهان
وغيرها في مقاطعة خوبي في 23 يناير/كانون الثاني، واليوم، صار المسؤولون في
المقاطعات يبلغون عن وجود حالات قليلة جديدة أو لا حالات على الإطلاق مصابة
بالفيروس. علاوة على أنهم أغلقوا، منذ أيام قليلة فقط، آخر مستشفيات الطوارئ
المؤقتة الـ16. وبالتالي بدأت القيود تُخفَّف، والمدارس يُعاد فتحها بالتدريج،
والناس يخرجون لرؤية بعضهم البعض.

يشير هذا
الجدول الزمني إلى أن أطفالك لن يعودوا إلى مدارسهم في الأول من أبريل/نيسان، ولا
ستعود أنت إلى عملك أو تذهب إلى السينما قريباً. وعليك بالتخطيط للإبعاد الاجتماعي
حتى منتصف أو أواخر مايو/أيار على الأقل، وكن شاكراً إذا هدأت حدة الأمور قبل ذلك.

ماذا يمكن أن نتوقَّع عندما
يبدأ الجميع بالخروج من منازلهم بالتدريج؟ لا نعرف يقيناً، تماماً كما هو الحال مع
هذا الفيروس المستجد. والسيناريو الأرجح هو أن تكون هناك موجاتٌ لاحقة من المرض.
وهذا هو ما حدث في مدينة دنفر الأمريكية خلال جائحة الإنفلونزا عامي 1918 و1919،
وفي تورنتو خلال وباء SARS عام 2003. وسوف تُظهِر كوريا الجنوبية
والصين وغيرهما، على مدار الأشهر القليلة المقبلة، بعض الأدلة ذات الصلة لتُبيِّن
كيف ستسير الأمور. 

يأمل الكثير من الناس أن
الطقس الأدفأ والأكثر رطوبة سيُقلِّل انتقال عدوى فيروس كورونا. لكن الواقع هو أن
السبب في تضاؤل الإنفلونزا وأغلب أمراض الطقس البارد، في الصيف، يرجع جزئياً إلى
أن الكثير من الناس يُصابون بها في الشتاء. بينما الناس لم تُصب من قبل قط بفيروس
كورونا، ولذا فهم يفتقرون إلى المناعة منه. وللأسف، لا نملك في هذه المرحلة دليلاً
يشير إلى حصولنا على مهلة موسمية.

نفترض أن الأشخاص الذين
يُصابون بالفيروس ثم يتعافون، سواء ظهرت عليهم أعراض المرض أم لم تظهر، سيطوِّرون
مناعةً منه ولن ينقلوه إلى غيرهم في المستقبل على الأرجح (على الرغم من وجود
احتمالٍ لأن تكون الإصابات الخفيفة به لا تمنح مناعةً كاملة منه على المدى القصير
أو الطويل، كما هو الحال مع الأنواع الأخرى من فيروس كورونا).

وما يدعو للسخرية في
التطبيق الفعَّال للإبعاد الاجتماعي هو أن عدداً أقل من الناس سيتمكَّنون من تطوير
مناعة ضد الفيروس، ما يعني وجود احتمالية بالحاجة إلى تطبيق التباعد الاجتماعي مرة
ثانية وثالثة وربما حتى رابعة. 

ستُفعَّل الجولة التالية من
الإبعاد الاجتماعي بشكلٍ أسرع، لأن المسؤولين -وعامة الناس- سيكونون أكثر
استعداداً. وينبغي له أن يكون أقصر أيضاً، لأن بوسعنا أن نفترض أن معظم من أُصيبوا
بالفيروس في البداية سيتمتَّعون بمناعةٍ منه على الأرجح في الجولة الثانية. لكن أثره
في تعطيل حياة الناس والاقتصاد سيظل قائماً. إذ سيظل علينا إلغاء المؤتمرات
والفعاليات الرياضية، ولن يرتاد الناس المطاعم كثيراً أو يسافروا. سيتضاءل قطاع
الخدمات بحدة. وسوف يتكرَّر ذلك مرةً بعد أخرى.

ربما كانت المقارنة الأفضل
هي ضغط مكابح السيارة على طريق جليدي؛ إما ألا تفعل أي شيء وإما تضغط عليها بقوة
ما يؤدي إلى حادثة. وهكذا فنحن نضغط المكابح -نضغط قليلاً ثم نرخي بعدها، ونعيد
الكرة- وبعد 3 أو 4 مرات نُهدئ السرعة بالقدر الكافي للتوقُّف.

متى يُروَّض فيروس كورونا
مثل الإنفلونزا، إن لم يكن هزيمته تماماً مثل الجدري؟ سيحتاج اللقاح إلى إعطائه لـ
45% إلى 70% من الناس -أي 145 مليون شخصٍ على الأقل- لإيقاف تفشي الفيروس. وإن
حالفنا الحظ، وتم التوصُّل إلى لقاحٍ فعَّال على نحوٍ سريع، فقد يكون ذلك في خريف
عام 2021.

وقد يحدث ذلك في وقتٍ أقرب
إذا أتى الباحثون بعلاجٍ فعَّال يُقلِّل إمكانية نقل العدوى في كل حالةٍ مصابة،
بالإضافة إلى الحد من الوفيات. أظهر أحد العلاجات المضادة للفيروسات، وهو
ريمداسيفير، نتائج واعدة في علاج القرود المُصابة بفيروس كورونا مشابه للفيروس
الحالي، وتجري حالياً دراسته على البشر. وستبدأ كذلك التجارب مع العلاجات الأخرى
قريباً. ومرة أخرى، إن حالفنا الحظ، ربما تتوصَّل هذه التجارب إلى علاجٍ فعَّال أو
اثنين في غضون 4 إلى 5 أشهر.

لكن البديل لهذا القطار
الأفعواني سيكون أشد عنفاً؛ إذ سيتطلَّب مواصلة الإبعاد الاجتماعي حتى تختفي جميع
الحالات تماماً، ثم إغلاق الحدود لجميع المسافرين -قطع التواصل مع العالم الخارجي-
لـ 18 شهراً على الأقل. وبينما فرضت الولايات المتحدة وغيرها من الدول، مثل
الدنمارك وألمانيا، حظراً على السفر، لا يبدو إغلاق البلاد لمدة تزيد عن عامٍ، حتى
يُعثَر على لقاحٍ لفيروس كورونا، أمراً مستساغاً. لكن من يدري، إذ لو صار الوضع
خطيراً بما يكفي، يمكن أن تصير الأمور التي كانت مستحيلة من قبل، حتمية.  

لكن من الناحية الإيجابية،
ففي كل مرة يظهر فيها الفيروس من جديد بعد تخفيف الإبعاد الاجتماعي، ستكون وتيرته
أبطأ. لكن المنحنى المسطح الذي نأمل فيه جميعاً -وهو المهم للغاية لهياكلنا
الأساسية للرعاية الصحية- لن يكون مسطحاً في الحقيقة. بل الأكثر احتمالاً أن يكون
سلسلةً من الصعود والهبوط، مع قليلٍ من التذبذبات. وهكذا، علينا أن نستعد جمعياً
-العاملين في الرعاية الصحية، وصانعي السياسات والمواطنين الأمريكيين- إلى رحلةٍ
وعرة كثيرة المطبات.

هذا
الموضوع مترجم عن صحيفة
The New York Times الأمريكية.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى