«نتنياهو لن يستسلم».. كيف سيحاول البقاء على رأس الحكومة الإسرائيلية رغم جرائمه؟

في السياسة الإسرائيلية، ينطبق المثل القائل: إما أن تموت، أو تموت وتذهب طي النسيان، فماذا سيكون مصير نتنياهو من هذين الاحتمالين.

من المرجح أن يضع تصريح المدعي العام الإسرائيلي يوم الخميس 21 نوفمبر/تشرين الثاني بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيُدان بتهم الرشوة والاحتيال وخرق الثقة مسيرة نتنياهو السياسية في الفئة الثانية.

وأصبح من شبه المؤكد أنها بداية نهاية حياته السياسية، حسبما ورد في مقال لموقع شبكة CNN الأمريكية لآرون ديفيد ميلر الزميل الأقدم في مؤسسة كارنيجي والذي كان مفاوضاً في قضايا الشرق الأوسط في الإدارات الديمقراطية والجمهورية الأمريكية.

يقول الكاتب «إن قصة نتنياهو تتكشف تدريجياً -وسوف تستغرق وقتاً طويلاً- ويمكنك اعتبار هذا الكلام حقيقة لا تقبل الجدل: سوف يجعل نتنياهو هذا القتال والرحيل (على الأرجح) مؤلماً، وطويلاً ومدمراً قدر الإمكان».

وإليكم بعض الحقائق الرئيسية:

إذا كان أي شخص يعتقد أن نتنياهو سيستغل خطابه للإسرائيليين بعد أخبار إدانته لتقديم مصلحة البلد على مصلحة الحزب والخروج بهدوء، فهو لا يعرف نتنياهو.

يقول كاتب المقال «لقد عرفته منذ الثمانينيات ولا يوجد ما هو أهم بالنسبة له من طموحاته السياسية، ورغبته في التمسك بالسلطة وإحساسه بأهميته المرتبط في ذهنه برفاهية وأمن إسرائيل والشعب اليهودي».

فنتنياهو في وضع الهجوم الكامل مثلما أظهر خطابه يوم الخميس، وهو يائس. وقد هاجم أعداءه بضراوة وشراسة -المحاكم، والشرطة، والمدعي العام- واتهمهم بمحاولة الانقلاب عليه، وإيذائه وإيذاء عائلته.

ومقصده واضح؛ أن يخبر داعميه أنه ضحية مؤامرة كبيرة، كما قال يوماً، هدفها إسقاطه. ولأنه لا يزال زعيم حزب الليكود ورئيس الوزراء -ربما لفترة تصل إلى أربعة أشهر- فهو سيلجأ لكل خدعة ومناورة وكذبة ممكنة ليحافظ على مكان له في السلطة.

يعد القرار الذي اتخذه المدعي العام يوم الخميس بتوجيه تهم بخرق الثقة والاحتيال والرشوة على وجه الخصوص -الاتهام الأقوى- لرئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي أمراً غير مسبوق في تاريخ إسرائيل السياسي.

وفوق حقيقة أن إسرائيل ليس لديها حكومة منتخبة حديثاً رغم إجراء الانتخابات مرتين في غضون ستة أشهر، تتعامل البلاد الآن مع وضع قانوني وسياسي غير مألوف. وستستغرق هذه العملية بعض الوقت.

وعلى افتراض أنه في الأسبوعين المقبلين لا يمكن تشكيل حكومة وأن حزب الليكود بزعامة نتنياهو لن يتخلى عنه لتشكيل حكومة وحدة وطنية مع حزب بيني غانتس أزرق أبيض، أو لخوض الانتخابات المقبلة دون نتنياهو، فإن إسرائيل ستجري انتخابات للمرة الثالثة، ربما في مارس/آذار، ونتنياهو سيكون مرشح حزب الليكود الرئيسي.

ينص القانون الإسرائيلي على أن رئيس الوزراء المدان -على عكس الوزير العادي- لا يتعين عليه الاستقالة حتى توجه إليه الإدانة، رغم أن المدعي العام قد يصدر حكمه الأسبوع المقبل حول اقتراحات بعدم السماح لرئيس وزراء مدان بتشكيل الحكومة.

وبقدر ما لا يمكن تصور هذا أو تصديقه، يمكن لنتنياهو الترشح مرة أخرى، ومن المحتمل أن يفوز ويحاول الدفاع عن نفسه في محاكمته أثناء توليه رئاسة الحكومة الإسرائيلية.

وتجدر الإشارة إلى أن رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت أُدين عام 2009 (كان قد استقال بحلول ذلك الوقت)، ولم تُؤيد إدانته حتى عام 2016.

وظل في منصبه مدة 16 شهراً بعد أن حُكم عليه بالسجن 27 شهراً. وامتدت هذه العملية لسبع سنوات.

أحد العوامل التي يمكن أن تسرّع هذه العملية هو اتخاذ زعماء حزب الليكود قرار بأن إدانة نتنياهو تهدد الحزب ومستقبله وأن أفضل إجراء هو اختيار زعيم جديد، وخوض الانتخابات المقبلة دون نتنياهو، أو التفاوض، إذا لزم الأمر، على حكومة وحدة وطنية والتناوب مع غانتس على منصب رئيس الوزراء.

وقد دعا جدعون ساعر، أحد أبرز أعضاء حزب الليكود، بالفعل إلى الانتخابات التمهيدية لليكود وقدم نفسه مرشحاً لقيادة الليكود في انتخابات جديدة. لكن ثمة آخرين ليسوا متأكدين بالدرجة نفسها. إذ إن وزير خارجية نتنياهو يسرائيل كاتس أعلن دعمه لنتنياهو، مثلما فعل آخرون.

أما ما إذا كان الليكود مستعداً للمخاطرة بتقسيم الحزب وما إذا كان ثمة وقت قبل انتهاء الوقت اللازم لتشكيل الحكومة، فليس واضحاً على الإطلاق.

ولا يزال هناك الخوف من نتنياهو؛ إذ إنه يحظى بشعبية كبيرة داخل الحزب. ومن المحتمل ألا يكون هناك ترحيب كبير بالمضي قدماً في عملية الإدانة. ويُشار إلى أن حزب الليكود أخرج أربعة قادة فقط منذ عام 1977، هم مناحيم بيغن وإسحاق شامير وأرييل شارون ونتنياهو.

إذا كان أي من هذه التحديات القانونية ضد استمرار نتنياهو رئيساً للوزراء تبدو نافذة أو أن معارضة الرأي العام تشتد ضده بطريقة أو بأخرى، فقد يدفع ذلك الليكود إلى التحرك. ولكن في ظل نقطة اللاعودة لتنظيم انتخابات جديدة بعد أسبوعين فقط، فلا يبدو هذا مرجحاً.

في الواقع، إذا تقرر عقد انتخابات تمهيدية لقيادة حزب الليكود، فمن المحتمل أن تحدث فقط حين يُحل الكنيست، ويُحدَّد موعد لإجراء انتخابات جديدة.

تمر إسرائيل -وهي دولة منقسمة إلى حد كبير لكنها شديدة الكفاءة- بمرحلة تحول تاريخية، حسب تعبير كاتب المقال.

إذ عزز حكم نتنياهو الذي استمر لعقد من الزمان الوضع الأمني لإسرائيل ووسّع نطاق نفوذها في العالم العربي وأمريكا اللاتينية والجنوبية والهند والصين، ناهيك عن العلاقات الشخصية التي تربط نتنياهو بترامب وبوتين.

إلا أن نتنياهو زاد من تقسيم البلاد، وزرع الحزبية والقبلية، وقوض حكم القانون، وشوه الحوار السياسي، وتلاعب بالغضب والعداء تجاه مليوني عربي من مواطني إسرائيل وقضى على أي آمال -رغم أنها قد تكون ضئيلة- بإبرام صفقة مع الفلسطينيين.

يقول كاتب المقال: تحتاج إسرائيل إلى قيادة جديدة ومسار جديد لتبدأ على الأقل في التعافي داخلياً. وقد توفر إدانة نتنياهو فرصة كبيرة لذلك. وبالنسبة لحزب الليكود، فهي توفر فرصة للتخلص من سنوات نتنياهو المتشددة وتقديم قادة جدد.

وبالنسبة لغانتس -إذا كان بوسع حزبه أزرق وأبيض أن يتكاتف- فهي توفر إمكانية قيادة كتلة جديدة من يمين الوسط؛ وبالنسبة لوزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، فهي انتقام من نتنياهو لما يعتبره إهانات لا حصر لها على يد نتنياهو في علاقتهما السياسية الغريبة القائمة على الحب والكراهية؛ وإذا تشكلت حكومة وحدة، فهي طريقة لهجر الأحزاب الدينية وتوطيد رسالته العلمانية.

وأخيراً، بالنسبة لمؤسسات إسرائيل التي برأت ساحتها حتى الآن بشكل مثير للإعجاب في هذه العملية التاريخية، سيوفر رحيل نتنياهو دَفعة كبيرة من الثقة ودرساً يجب على الآخرين الإصغاء إليه، وهو أن لا أحد في نظام ديمقراطي، بغض النظر عن مدى موهبته أو قوته، فوق القانون.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى