الأرشيفتقارير وملفات

«ميدل إيست آي»: الإمبراطورية الاقتصادية للجيش المصري تؤثر على قدراته العسكرية

حذر تقرير لموقع «ميدل إيست آي» البريطاني من مخاطر توسع «الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية في مصر» على مدى جاهزية الجيش المصري لخوض الحروب، بسبب تفرغ قادته للهيمنة على كل فروع الاقتصاد والخدمات، وتحصيل المكاسب المالية لهم ولمحاسيبهم المقربين منهم.

وقال تقرير «ميدل إيست آي» الذي نشر أول أمس السبت الموافق 26 مارس/أذار 2016، أن «الاقتصاد العسكري المصري تطّور إلى ما هو أبعد من الاحتياجات العسكرية ليشمل جميع أنواع المنتجات والخدمات»، مشيرا إلى «استحالة الحصول على أي أرقام دقيقة عن حجم هيمنة الجيش علي الاقتصاد بسبب الغموض الذي يحيط بسياساته في هذا المجال».

ولكنه أكد أن العسكر يهيمنون على 50-60% من الاقتصاد المصري ويستحوذون على 90% من أراضي مصر، ويسخرون الجنود للعمل مجانا في مشاريعهم فينافسون بذلك أصحاب المشاريع الأخرى الخاصة المدنية.

وينقل التقرير عن البروفيسور «روبرت سبرنجبورج» من المعهد الإيطالي للشؤون الخارجية، قوله إنه «منذ عام 2013 تحولت القوات المسلحة المصرية من كونها أحد كبار اللاعبين في الاقتصاد المصري إلى فاعل مهيمن».

السيطرة علي القطاعات الاقتصادية

ويشير تقرير الموقع البريطاني إلى «توافق في الآراء بين مجموعة من الأشخاص عند سؤالهم عن حجم المؤسسة العسكرية الاقتصادية في مصر بأنَّ هيمنة القوات المسلحة المصرية تمتد إلى كل القطاعات الاقتصادية تقريبًا، من المواد الغذائية مثل الطماطم وزيت الزيتون، إلى الالكترونيات الاستهلاكية، والعقارات، وأعمال البناء والنقل والخدمات».

ويؤكد الموقع أن «الأعمال التي يسيطر عليها الجيش منتشرة على نطاق واسع، وأن بعضها تديره جهات رسمية مثل الهيئة العربية للتصنيع، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية ووزارة الإنتاج الحربي، فيما تمتلك القوات المسلحة المصرية أغلبية أو أقلية الأسهم في العديد من الشركات شبه الحكومية أو الخاصة الأخرى، وخاصة في مجالات البنية التحتية والتعاقد من الباطن».

ويؤكد أن تأثير القوات المسلحة المصرية يمتد أيضًا إلى البنية التحتية المدنية، ويشير إلى أنه «لعدة سنوات تمّ تخصيص مناصب رفيعة المستوى في عدد من المطارات لضباط الجيش المتقاعدين، كبرنامج تقاعد غير رسمي».

الجيش

الجيش سبب اضطراب الاقتصاد

وشدد التقرير على أن مشاكل الاقتصاد والاضطراب وعدم الاستقرار وغياب السياح، «هي نتيجة لانخراط القوات المسلحة المصرية بعمق في اقتصاد البلاد، والذي زاد منذ ثورة عام 2011 وأصبح له تداعيات شديدة على المستقبل السياسي والاقتصادي في مصر».

وأشار إلى أن جذور الإمبراطورية التجارية للجيش المصري تعود إلى فترة الثمانينات، حينما أدى توقسع معاهدة السلام عام 1979 بين مصر و(إسرائيل) والأزمة المالية إلى تقليص ميزانية الدفاع.

ونوه لأن انخفاض الإنفاق الدفاعي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 6.5% في عام 1988 إلى 1.8% في عام 2012، وفقًا لمؤشرات البنك الدولي، دفع القوات المسلحة للبحث عن مصادر دخل جديدة.

مشاريع خاصة

وينقل «ميدل إيست آي» عن متحدث باسم منظمة الشفافية الدولية قوله أن: «هناك أدلة تشير إلى أن بعض ضباط الجيش، في جميع الرتب، يمتلكون مشاريعهم الخاصة ويستفيدون بشكل كبير من البنية التحتية والمرافق لزيادة الأرباح العامة».

كما يشير الي أن «شبكة من المتقاعدين العسكريين تترأس أو تشرف على المؤسسات والمنشآت التجارية الحكومية، أو تشارك في العقود الاستشارية، وقد تمتد هذه الممارسات إلى تشكيل شركات خاصة للحصول على العقود من الباطن».

نحو 94% من مساحة مصر

كما يشير الموقع إلى سيطرة القوات المسلحة المصرية، من خلال تخصيص الأراضي وغيرها من الوسائل، على جزء كبير من الأراضي العامة (الصحراوية والزراعية والحضرية) تشكل 94% من مساحة مصر. ويؤكد أن لدى القوات المسلحة القدرة أيضًا على بيع هذه الأراضي والحصول على تعويضات من خزانة الدولة عندما يُعاد تخصيص المناطق العسكرية لأغراض مدنية.

ويشير لسيطرة الجيش أيضًا على الأراضي الساحلية (تُصنف رسميًا بأنها إقليم حدودي) وبالتالي فهو قادر على الاستفادة من التطورات السياحية، ما يعني هيمنة القوات المسلحة المصرية على سوق العقارات وتنمية بنية البلاد.

الهيمنة على 60% من الاقتصاد

وتتراوح التقديرات حول مدى سيطرة القوات المسلحة على الاقتصاد بين 40%، وفقًا للملياردير المصري نجيب ساويرس (في تصريحاته لوسائل الاعلام المحلية في مارس الماضي) إلى 45 و60%، وفقًا لمنظمة الشفافية الدولية.

كما استفاد الجيش من الإطاحة بالرئيس المخلوع «مبارك» في عام 2011 ومحاكمات الفساد اللاحقة لعدد من رفاقه، حيث سمح هذا للقوات المسلحة بالحصول على شريحة من الكعكة، كانت مخصصة لأنصار «مبارك»، ومن ثم ازدياد نفوذها بشكل أكبر.

ويشير التقرير إلى أن هناك العديد من العوامل التي سمحت للقوات المسلحة بهذه المكاسب في البداية، ثم تطوير وضعها التجاري، أولها، بحسب «شانا مارشال»، المدير المساعد لمعهد دراسات الشرق الأوسط في كلية إليوت للشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن، أن القوات المسلحة لا تتنفس في بيئة عمل متكافئة، حيث تلجأ الي «العمل القسري»، في نموذج المجندين، الذي تطبقه في المصانع التي يديرها الجيش.

ويقول أنه «بصرف النظر عن التداعيات الأخلاقية لهذا الأمر، فإنه يسمح للجيش بتقويض منافسيه، في ظل أن المجندين لا يحصلون على أجور كاملة».

ثاني هذه العوامل هو نظام التصاريح والتراخيص الذي يسمح للقوات المسلحة بالحفاظ على فرص وصول أفضل، سواء في الفوز بالعقود العامة أو في تشكيل شراكات مع مستثمرين من القطاع الخاص لتقديم عطاءات نيابة عنهم.

ويشير التقرير إلى أن العديد من هذه الشراكات تتم بين مستثمرين من القطاع الخاص والشركات القابضة التابعة للدولة، الأمر الذي يسمح للقوات المسلحة بتحقيق إيرادات كبيرة، لكنه يترك الدولة مسؤولة عن أية خسائر تتكبدها.

التضييق علي الشركات المدنية

ويشير التقرير الي تضييق المؤسسة العسكرية الحاكمة أيضا على الشركات الاقتصادية المدنية، عبر تشريعات معينة.

 أحد الأمثلة على ذلك هو قرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة بخفض دعم الوقود لأصحاب المصانع. ومع بقاء ميزانية الجيش (وبالتالي تكاليف الطاقة) خارج السجلات، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يؤثر بشكل غير متناسب على منافسي القوات المسلحة، ولكنه لا يؤثر على القوات المسلحة نفسها.

ويقول أنه في ظل السرية التامة حول ميزانية الجيش، وبالتبعية إقطاعياته الاقتصادية، يمكن للشركات التي تسيطر عليها القوات المسلحة أن تستفيد من الإعانات التي تبقى خارج السجلات والتمتع بمزيد من حرية المناورة في ظل انعدام الرقابة عليها.

وهناك تأثير آخر للهيمنة الاقتصادية للقوات المسلحة؛ هو عدم وجود فرص نمو للشركات الصغيرة والمتوسطة، في ظل أن المقربين فقط هم مَن يمكنهم الفوز بعقود مربحة والتعامل مع نظام التصاريح. وهذا بدوره يؤدي إلى اقتصاد غير رسمي كبير قائم على المقربين، ويترك العديد من المصريين يعيشون في فقر مدقع.

جنرالات-مصر

تدخل العسكر يفسد الاقتصاد ويفسدهم

لكن التقرير يؤكد أنه في نهاية المطاف، يؤدي تدخل العسكر لإفساد الاقتصاد وإفساد العسكر أنفسهم، مؤكدا أن المشاريع التجارية للقوات المسلحة تضر بالاقتصاد الوطني وبقدرة القوات المسلحة على القيام بمهامها الأساسية (أي الحرب وحفظ الحدود).

وينقل عن البروفيسور «روبرت سبرنجبورج» أن «الأدلة تشير إلى أن التدخل العسكري في الاقتصاد السياسي يؤدي عمومًا إلى أداء أسوأ، وأنه داخل منطقة الشرق الأوسط، تشير الأمثلة من إيران والجزائر إلى ذلك، في حين أن الصين اتخذت خطوات جادة للحدّ من التعرض التجاري لقواتها المسلحة على مدى السنوات القليلة الماضية لهذا السبب على جه الخصوص».

ووفقًا لمنظمة الشفافية الدولية، فإنَّ انعدام الرقابة السليمة يؤدي إلى الفساد وإهدار المال العام، وأن استثمار الجيش في نظام الدولة علنا وبكل ما تحمله الكلمة من معني يثير إشكالية عميقة بشأن هذه الهيمنة، وأنه أصبح من الصعب الفصل بين الجيش والدولة والاقتصاد.

أما «شانا مارشال» فيقول أن «القوات المسلحة المصرية تعتمد أيضا على عائدات فروعها التجارية للحصول على الأموال اللازمة للعمل كمنظمة، بما في ذلك الأندية والمستشفيات العسكرية، والمدارس وخطط التقاعد لطبقة الضباط».

زيادة المحسوبية

ويشير التقرير البريطاني الي أن المحسوبية «ليست بالأمر الجديد على السياسة المصرية، ولكن منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة وسع كبار الضباط نظام الرعاية والمحسوبية داخل الجيش لدرجة أنهم أقصوا جهات اقتصادية فاعلة، وفشلوا في ضم دوائر رئيسية مثل جماعات المعارضة والبرجوازيين من القطاع الخاص وفقراء المناطق الحضرية».

ويضيف أن القوات المسلحة المصرية زادت من نطاق انتشارها بسرعة، وأنها في سبيل اضطراراها الآن للدفاع عن هذه الإمبراطورية ضد هذه الجماعات، ستزرع بذلك بذور المزيد من الصراع في المستقبل.

تدهور دور الجيش الحقيقي

ويحذر التقرير من أن النتيجة وراء كل هذا الانشغال بالهيمنة الاقتصادية هو الشكوك في قدرة الجيش على ممارسة دوره الطبيعي في حماية البلاد أو قدرة القوات المسلحة على العمل كمنظمة دفاعية حقيقية، على الصعيد العسكري.

فالمهمة الأساسية لأي قوات مسلحة هي الدفاع عن الدولة، ولكن «بمجرد أن يتجاوز الجيش حدود هذه المهمة، فإنه يمكن أن يغفل عن سبب وجوده ومن ثمّ يفشل في تحقيق هدفه الأساسي»، بحسب التقرير.

ويشير التقرير في هذا الصدد لضعف تدريب المجندين على المهام العسكرية «لأنهم يعملون بدون أجر في مشاريع القوات المسلحة»، ويجري «إهمال صيانة المعدات العسكرية لصالح التركيز على الأعمال التجارية»، ما يعني في نهاية المطاف تدهور قدرة القوات المسلحة للدفاع عن البلاد.

ويؤكد أن الفشل الحاصل في سيناء في مواجهة المتطرفين وكذا استمرار الاضطرابات العنيفة على مستوى منخفض في القاهرة دليل علي سعي القوات المسلحة نحو طموحاتها التجارية ما يجعلها تخاطر بالفشل في أداء مهامها الأساسية

المصدر

Carnegie Middle East Center

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى