تقارير وملفات إضافية

مواجهة بكربلاء.. كيف ردَّ العراقيون على صورة الحسين التي علَّقها الإيرانيون في مسيرة الأربعين

مسيرة أربعين الحسين تحوَّلت إلى ساحة للتنافس بين إيران والعراق، بعدما كانت لسنوات مناسبة لإظهار الصحوة والوحدة الشيعية العابرة للحدود، تحت القيادة الإيرانية. 

وتُعَدُّ هذه المسيرة السنوية التي تُخلِّد ذكرى حفيد النبي واحدةً من أهم الاحتفالات الدينية في العالم الشيعي، إذ تجذب ملايين الحُجاج إلى مدينة كربلاء المُقدَّسة بالعراق.

ولكن هذا العام، تحوَّلت مسيرة الأربعين إلى مناوشةٍ سياسية، في أحدث اختبارٍ لنفوذ إيران داخل العراق، ورغبة العراقيين المُتزايدة في الاستقلال عن جارته القوية، حسب وصف تقرير لصحيفة New York Times الأمريكية.

وتصادف ذكرى مسيرة أربعين الحسين العشرين من شهر صفر، بحسب التقويم الهجري الذي يتزامن هذا العام، مع تاريخ السبت 19 أكتوبر/تشرين الأول، بحسب التقويم الميلادي.

رأت إيران، أكبر دولةٍ شيعية مُسلمة في العالم والقوة الإقليمية الكبرى في الشرق الأوسط، في موسم الحج الذي انتهى يوم السبت فرصةً لتأكِّيد دورها في العراق، وبعث رسالةٍ بشأن سطوتها الإقليمية.

وقال حسين سليماني، رئيس تحرير صحيفة «مشرق نيوز» التابعة للحرس الثوري الإيراني: «مسيرة الأربعين هي استعراض قوةٍ لإيران، وعرضٌ للوحدة بين الشيعة في المنطقة».

وأمدَّت إيران المسيرة بالخيام والمراحيض والمستشفيات على طول طريق الحج، لاستكمال تلك المرافق التي شيَّدها العراق، ومساعدة قرابة الـ15 مليون حاج، الذين تصل نسبة الإيرانيين بينهم إلى واحد من كل أربعة حجاج. ونشرت مقطع فيديو تنسب فيه الفضل لنفسها في إنقاذ الأضرحة الشيعية من الدمار على يد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

ولكن حين قالت إيران أنَّها ستُرسل عشرات الآلاف من ضباط الشرطة إلى العراق من أجل حماية الحدث، قرَّر العراق وضع حدٍّ للأمر.

ورَّحبت السلطات العراقية بمساعدة الحجيج، لكنَّها رفضت دخول قوة الشرطة، والتي كان من شأنها أن تصير بمثابة عرضٍ مُهين للسلطة الإيرانية في العراق.

إذ قال اللواء سعد معن، الناطق باسم وزارة الداخلية العراقية، الأسبوع الماضي: «قواتنا التي هزمت داعش قادرةٌ على تأمين الحج، ولسنا بحاجةٍ إلى دخول أي قوات أجنبية إلى العراق لحفظ الأمن».

ومثَّل رفض دخول الأمن الإيراني جهداً بسيطاً وواضحاً، للحدّ من النفوذ الإيراني في العراق.

ومنذ أطاحت القوات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة بالدكتاتور العراقي صدام حسين عام 2003، وزادت قوة الأغلبية الشيعية في العراق؛ كان السؤال الذي طرح نفسه على بغداد والمنطقة هو: إلى أيِّ مدى سيقع العراق تحت سطوة إيران، الثيوقراطية الشيعية الواقعة إلى الشرق؟

وزادت إيران تدريجياً من نفوذها في العراق، عبر شبكةٍ من الأحزاب السياسية ورجال الدين والميليشيات الشيعية، واستثمرت على نطاقٍ واسع في المدن ذات الأغلبية الشيعية مثل النجف وكربلاء وسامراء.

وحين استولى تنظيم داعش على ثُلث أراضي البلاد عام 2014، هرعت إيران لمساعدة العراق، ودعَّمت الميليشيات التي نجحت في طرد الجماعة الجهادية بمساعدة القوات الكردية والأمريكية.

وترى إيران في العراق بوابتها الفعلية للنفوذ الإقليمي، والمحطة الأولى على الجسر البري الذي يربطها بوكلائها في سوريا ولبنان. 

ومؤخراً، كان للعراق دورٌ حيوي في نجاة إيران من العقوبات الاقتصادية الأمريكية الموجعة، بفضل تنازلٍ أمريكي يسمح له بشراء النفط والغاز من إيران. 

والعراق هو أيضاً مُستهلكٌ رئيسي للبضائع الإيرانية غير الخاضعة للعقوبات، مثل الغذاء ومواد البناء.

ولكن مع تزايُد النفوذ الإيراني وانحسار نظيره الأمريكي؛ امتعض العراقيون بشكلٍ متزايد من التواجد الإيراني وجهود طهران لإقحام الساسة المتعاطفين معها داخل الحكومة العراقية.

وكان الرابح الأكبر في الانتخابات العراقية الأخيرة هو الحزب المدعوم من جانب مقتدى الصدر، رجل الدين القومي المُعارض للتدخُّل الأمريكي والإيراني في العراق، لكن صانع القرار كان التكتُّل الذي يُمثِّل الميليشيات العراقية المرتبطة بإيران. وكان اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الذي يُعَدُّ نخبة قوات الحرس الثوري الإيراني، هو من توسَّط في الاتفاقية التي حدَّدت هوية رئيس الوزراء والرئيس ورئيس البرلمان الحاليين.

وبعد أربع سنواتٍ من انتهاء المعركة ضد تنظيم داعش رسمياً، لا تزال الميليشيات المدعومة من قِبَل إيران متواجدةً داخل العراق. 

وصارت تلك الميليشيات في الواقع أشبه بقوةٍ قائمةٍ بذاتها، بأعدادها التي تتجاوز الـ125 ألف مُسلَّح، رغم كونها الآن جزءاً من القوات الأمنية الحكومية تقنياً.

وحين اندلعت الاحتجاجات في كافة أرجاء العراق، الشهر الجاري، ضد الفساد والبطالة؛ أُسقِط بين يدي المسؤولين الإيرانيين. إذ حمَّل بعض المُتظاهرين إيران ونفوذها المُتضخم المسؤولية عن مشكلات العراق الاقتصادية. لدرجة أنَّ المُحتجين في المعاقل الشيعية، الموالية لإيران بحُكم العادة، أحرقوا العلم الإيراني، وهتفوا مُطالبين الجمهورية الإسلامية بالتوقُّف عن التدخُّل في شؤون البلاد.

وخلال اجتماعٍ أجُري داخل وزارة الخارجية بطهران، الشهر الجاري، تساءل العديد من الدبلوماسيين حول ما إذا كانت إيران قد أساءت قراءة الوضع في العراق طوال تلك السنوات، وأخطأت في اعتقادها أنَّ التحالف مع الساسة يرقى إلى مستوى الدعم الشعبي، وذلك بحسب شخصٍ حضر ذلك الاجتماع.

لذا رأى المسؤولون الإيرانيون في مسيرة الأربعين المُرتقبة وسيلةً لتلميع صورة إيران.

وتُقام هذه المسيرة في اليوم الأربعين بعد وفاة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، (حفيد النبي مُحمد صلى الله عليه وسلم)، الذي قُتِلَ في معركةٍ، عقب رفض الحكام الأمويين تنفيذ اتفاق مع أبناء الإمام علي لتداول السلطة في الخلافة الإسلامية. 

وصار نسله يمثلون قيادة للمسلمين الشيعة، ومنهم أئمة الشيعة الاثنا عشر للمذهب الشيعي الجعفري قبل أن يختفي الإمام الثاني عشر كما يقول الشيعة.

وبحُكم التقاليد، يسير الشيعة إلى كربلاء في مُحاكاةٍ للرحلة التي قطعتها عائلة الإمام الحسين، حين أتت برأسه إلى المدينة لدفنها. ويسير البعض لأسابيع من مناطق بعيدة مثل مدينة البصرة، التي تبعُد 300 ميلٍ (482.8 كم) عن كربلاء.

وشهدت المسيرة السنوية طفرةً كبيرة منذ الإطاحة بصدام حسين، المسلم السني الذي حظر إقامة المسيرة مخافة حشد الشيعة داخل البلاد.

وخلال السنوات التي أعقبت الإطاحة به، هاجم تنظيما القاعدة وداعش حجيج كربلاء، وقتلوا الآلاف منهم.

ومنذ ذلك الحين، ارتفعت أعداد الحجيج من بضعة آلاف لتصل إلى قرابة الـ15 مليون حاج، مما يجعلها واحدةً من أكبر مسيرات الحج السنوي في العالم الإسلامي.

وشعر العراقيون بالفخر بهذا الإنجاز، وكان من المفترض أن يُمثِّل هذا العام لحظتهم للاحتفاء بقدرتهم على تنظيم وحماية الحدث. 

لكن إيران حصلت على بعض الثناء أيضاً، بعد أن شيَّدت المحطات بطول الطريق، وأنفقت الملايين في ترميم الأضرحة الشيعية داخل مُدن كربلاء والنجف العراقية على مدار الأعوام الخمسة الماضية.

ووجد الحجيج، الذين ساروا إلى كربلاء، الأسبوع الماضي، أنفسَهم في مواجهة الروايتين.

إذ صوَّرت لوحةٌ إعلانية ضخمة أفراد الميليشيات المدعومة من قِبَل إيران، على أنَّهم الرفاق المُعاصرون للإمام الحسين، وظهر فيها مقاتل إحدى الميليشيات وهو يقف إلى جوار الإمام الحسين ووجهه صوب حشدٍ من المُقاتلين المُعاصرين، الذين يحملون الأعلام الإسلامية، في حين ينظر الإمام في اتجاه مُحاربين يرتدون الزي القديم.

ونشر اللواء سليماني، أحد قيادات الحرس الثوري الإيراني، مقطعَ فيديو، يوم الجمعة، يظهر خلاله وهو يمشي وسط أراضي المعارك في الموصل، حاملاً بين يديه منظاراً، وشظايا الانفجارات تتطاير من ورائه، في تذكيرٍ واضح بدور إيران في المعركة ضد تنظيم داعش هناك.

ومع انتقال الفيديو إلى صورةٍ رأسية من الجو للقبة الذهبية، ومآذن ضريح كربلاء (العتبة الحسينية)، يقول: «لو وصلوا إلى أضرحتنا لكانوا دمّروها بالكامل».

وينتهي الفيديو بمشهدٍ لحشود الأربعين وهي تسير في اتجاه كربلاء.

وعلى الجانب الآخر من الطريق، وعلى مسافةٍ قريبة من لوحة الميليشيات، عُلِّقت مُلصقاتٌ ضخمة للمُحتجين العراقيين، الذين قُتِلوا على مدار الأسبوعين الماضيين، حين تظاهروا بسلميةٍ ضد فساد الحكومة العراقية، في توبيخٍ غير مباشر لإيران.

ورُفِعَت تلك الصور خارج الخيام الخاصة بأتباع الصدر. ورغم حملته ضد النفوذ الإيراني، فإن خيامه رحّبت بالحجيج الإيرانيين، الذين وصل عددهم إلى قرابة الـ3.5 مليون حاج هذا العام.

وقال أبو كرار (50 عاماً)، المُتقاعد الذي نصَّب إحدى صور الشهداء: «لو جاء الإيرانيون بصفتهم ضيوفاً أو زواراً، فسوف نُرحِّب بهم. فهم ضيوف الإمام الحسين. ولو جاء ألد أعدائنا لزيارة الإمام الحسين فسوف نُرحب بهم».

وبالمثل، انتفع الحجيج العراقيون أحياناً بمنازل الضيافة الـ22، والـ250 مرحاضاً، وأربعة مستشفيات ميدانية، و14 مركز طوارئ، التي شيَّدتها إيران بطول الطريق إلى كربلاء العراق، بحسب العميد رمضان شريف، المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني.

ولكن وفَّر العراقيون أيضاً الغذاء والإقامة المجانية لملايين الحجيج، بطهي براميل عملاقة من الأرز والعدس والبازلاء والفول، وأعدُّوا ملايين الأكواب من الشاي المُسكَّر، وأسرفوا في توزيع أكواب الزبادي الطازج.

وقال العميد شريف لوسائل الإعلام الإيرانية، إنَّ وحدة «خاتم الأنبياء»، الذراع الهندسي للحرس الثوري الإيراني، رصفت ورمَّمت الطرق المُؤدية إلى أضرحة كربلاء.

ورغم منع رجال الشرطة الإيرانيين بأزيائهم الرسمية من دخول العراق، فإن عملاء الاستخبارات والقوات السرية الإيرانية دخلوا البلاد.

وضغط الإيرانيون، مستشهدين بالاضطرابات الأخيرة، من أجل إدراج عددٍ كبير من الميليشيات العراقية على قائمة القوات المنوطة بتأمين المسيرة.

وشمل ضبَّاط الأمن الـ60 ألفاً، المُكلَّفين بتأمين المسيرة، قرابة 15 ألف فردٍ من الميليشيات، بحسب اللواء الركن قيس خلف المحمداوي، المُنسِّق الأمني للمسيرة. ولكنه لم يذكر تحديداً عدد الأفراد المُنتمين إلى ميليشيات مرتبطة بإيران.

وكانت الجهود المبذولة تكافليةً في نهاية المطاف، برغم الخصومة. وجرى تنسيق الخطط الأمنية داخل مراكز العمليات العراقية-الإيرانية المُشتركة، وهو التعاون الذي عاد نفعه على الحجيج من كافة البلدان.

وبدت الأمور السياسية بعيدةً عن بال الكثير من الحجيج.

إذ قال روح الله حدادي (38 عاماً)، الحاج الإيراني الذي يعمل في مجال العلاقات العامة بطهران: «الجميع مُرحبون وودودون للغاية، ونحن نُحب المجيء إلى هنا، قال البعض إنَّ بغداد غير آمنة، ولكنَّنا نسير في كل مكان، ورجال الأمن ودودون للغاية. الأربعين هي المدينة الفاضلة، الأربعين للجميع».

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى