ثقافة وادب

مهد مريم العذراء وملكية للحكومة الفرنسية في القدس، ماذا تعرف عن كنيسة القديسة حنة؟

على «طريق الآلام» في الحي الإسلامي داخل أسوار البلدة القديمة لمدينة القدس تقع كنيسة القديسة حنة التي شهدت الكثير من الأحداث التاريخية على مدى ما يقارب 9 قرون.

فقد بنيت على ركام كاتدرائية بيزنطية فوق كهف يُعتقد أنه كان مهداً لمريم العذراء، وتحولت إلى مدرسة إسلامية في عهد صلاح الدين الأيوبي وبقيت كذلك حتى أواخر العهد العثماني إذ أهداها السلطان عبد المجيد إلى نابليون الثالث تقديراً لموقف فرنسا من حرب القرم، ومنذ ذلك الحين تعتبر هذه الكنيسة من الممتلكات الفرنسية في القدس.

رمزية الكنيسة الدينية، وأهميتها التاريخية وكونها ملكاً للحكومة الفرنسية، كل تلك العوامل جعلت الرؤساء الفرنسيين يتعاملون معها بشيء من القدسية، فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومن قبله جاك شيراك رفضوا دخول الكنيسة برفقة الجنود الإسرائيليين وأصروا على التعامل معها كأرض فرنسية في القدس.

تعالوا نتعرف أكثر على كنيسة القديسة حنة:

يمتلك موقع كنيسة القديسة حنة خصوصية روحية منذ القدم، إذ يضم بركة كبيرة تسمى بركة «بيت حسدا» وهي مكونة من حوضين تجمّع حولهما المرضى على مر العصور طلباً للشفاء تارة من الإله المصري سيرابيس وتارة أخرى من الإله الروماني أسكلابيوس.

كما ذُكر في الإنجيل أن المسيح ألقى مريضاً مقعداً في هذه البركة فشفي.

في القرن الخامس بنى البيزنطيون كاتدرائية بنفس موقع كنيسة القديسة حنة، واعتبروها منزلاً للقديسة حنة والدة مريم العذراء ووالدها يواكيم، إذ يُعتقد أن مريم العذراء قد ولدت في الكهف الواقع تحت الكنيسة.

لكن في عام 614 هدم الفرس الكاتدرائية بشكل جزئي.

وفي العام 1104 قام بالدوين الأول، وهو أول من يحمل اسم ملك القدس الصليبي، بنفي زوجته «أردا» إلى دير في القدس  فأمرت بإنشاء الكنيسة على امتداد بركة بيت حسدا، لكنها لم تبنى بشكلها الحالي كما نعرفها اليوم حتى عام 1131 في عهد ملكة بيت المقدس ميليسندا.

عندما فتح صلاح الدين الأيوبي القدس في العام 1187 بعد انتصاره بمعركة حطين، عمل على أسلمة المدينة من خلال تحويل الكثير من مبانيها إلى مدارس لتدريس العلوم الشرعية، وذلك بهدف استقطاب أكبر عدد من المسلمين إلى المدينة.

وقد كانت كنيسة القديسة حنّة إحدى المباني التي حُوّلت في عهده إلى مدرسة إسلامية، ففي العام 1192 تم افتتاح «المدرسة الصلاحية» وقد تم نقش اسم المدرسة على مدخل الكنيسة نسبةً إلى مؤسسها صلاح الدين الأيوبي.

بقيت المدرسة الصلاحية لعقود واحدة من أهم المعاهد العلمية في القدس، إذ تولى التدريس فيها عدد من العلماء الذين لمع نجمهم آنذاك، واستمرت هذه المدرسة كواحدة من أهم مدارس الفقه في العصر الأيوبي، و العصر المملوكي، وجزء من العصر العثماني.

في العام 1856، وكجزء من إمتنان السلطان العثماني عبد المجيد الأول للدعم الفرنسي خلال حرب القرم، تم تقديم كنيسة القديسة حنة إلى نابليون الثالث، لتصبح الكنيسة بذلك ملكاً لفرنسا حتى يومنا هذا.

فيما بعد قامت الحكومة الفرنسية بإهداء الكنيسة لـ»رهبنة الآباء البيض» وهي مؤسسة تبشيرية فرنسية أسسها الأب لافيجري في القرن التاسع عشر، والذي صب اهتمامه على الدعوات التبشيرية في جنوب أفريقيا، وإلى اليوم يوجد تمثال وسط حديقة الكنيسة للأب لافيجري.

تتبع الكنيسة حتى يومنا هذا للقنصلية الفرنسية ويعيش فيها أربع راهبات وعشرة رهبان أجانب يتم استبدالهم بشكل دوري، ومن ضمن أنشطتهم في الكنيسة تنظيم دورات في علم اللاهوت بالإضافة إلى نشاطاتهم التبشيرية.

تُعتبر كنيسة القديسة حنة أحد أبرز الأمثلة على فنون العمارة الرومانية التي ازدهرت في العصور الوسطى.

فالسقوف المقببة وتصميم البازيليكا الثلاثي الفريد الذي كان البيزنطيون يستخدمونه في أبنيتهم أضفى على الكنيسة طابعاً معمارياً مميزاً.

تم فصل صحن الكنيسة عن الممرات الجانبية، والتي صممها نحاتين فرنسيين، ويقع في الممر الجنوبي سرداب يؤدي إلى  المغارة التي يعتقد أنها كانت مهد مريم العذراء.

تحوي الكنيسة على نظام صوتيات مثالي للأناشيد الدينية، حيث تنتقل الأصوات عبر الفضاء المفتوح، كما تصل إلى المغارة في الأسفل، وهذا يجعل من الكنيسة مقصداً للجوقات الموسيقية والعازفين المنفردين.

الرئيس الفرنسي يطرد عناصر الشرطة الإسرائيلية في القدس ويرفض مرافقتهم له خلال جولته. pic.twitter.com/CIdi7s50T1

يعتبر الرؤساء الفرنسيون كنيسة القديسة حنة أرضاً فرنسية تجري عليها القوانين الفرنسية، وهذا ما يفسر انزعاج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من الجنود الإسرائيليين الذين حاولوا مرافقته أثناء زيارته للكنيسة في يناير 2020.

إذ  ظهر ماكرون في مقطع مصوَّر غاضباً ومعلناً رفضه دخول الحراس الإسرائيليين معه إلى الكنيسة، بعد حصول مشادة كلامية بين الطرفين.

لم يكن ماكرون الوحيد الذي أبدى موقفاً مماثلاً، فقد سبقه إلى ذلك الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك والذي رفض دخول الكنيسة أثناء زيارته للقدس إلى أن غادر الجنود الإسرائيليون الذين كانوا برفقته في العام 1996.  

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى