الأرشيفتقارير وملفات

من يصلح الملح , إذا الملح فسد…؟

بقلم الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى

* للقضاء مهمة مقدسة شريفة فى الأرض لأن القاضي الحق هو ميزان العدالة الذي يجب ألا يهتز ولا يبتز من وزير أوأمير أو كبير . وهل هناك أشرف وأعظم من رد المظالم إلى أهلها لتحقيق الأمن والطمأنينة وحفظ الأرواح والأموال والأعراض .؟ إن القاضي الحق لا سلطان عليه بعد الله إلا ضميره وعقله وقدسية مهنته . والقاضي العادل هو من اتسع صدره لما ضاقت به صدور الناس , وضاقت ذمته عما اتسعت له ذمم الناس . وكما قيل : ” لابد أن يكون القاضي ذا ديانة مشهورة , وسيرة مشكورة , وعفة مألوفة , ووقار وسكينة , ونفس شريفة , وتام الورع , خاليا من الطمع , متنزها عن ملابسة الرذائل , ومخالطة الأراذل , شديدا من غير عنف , لينا من غير ضعف.” وكفى القضاة شرفا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أول من تولى مهمة القضاء فى الإسلام لقوله تعالى : ” إنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا “ . وهذا شرف عظيم لمنصة القضاء حتى قيام الساعة , أن يكون أول من جلس على منصتها ليشرفها , هو سيد البشرية . يقول الشيخ الغزالي رحمه الله : ” إن القاضي النزيه يكمل بعدله نقص القانون الذي يحكم به , أما القاضي الجائر فهو يستطيع الميل بالنصوص المستقيمة ” وهذا دليل قاطع على أن العدالة فى ضمير القاضى قبل أن تكون فى نص القانون . كان الإمامُ القُدوة سفيان الثوري – رحمه الله تعالى – يقول: “الأعمال السيِّئة داءٌ، والعلماء دواء، فإذا فسَد العلماء فمَن يُصلح الداء ؟. أوليس القضاة على رأس العلماء..؟ يا قضاة العدالة , يا ملح البلد , من يصلح الملح , إذا الملح فسد..؟ .

قاضى

* المقدمة السابقة هى نتجة طبيعية ومنطقية لهذا الخبر الذى نشرته كل الصحف المصرية : ” اعترف عضو الهيئة القضائية بالشرقية المضبوط بنفق الشهيد أحمد حمدى بالسويس، أمام النيابة العامة، بأنه كان يحاول تهريب الحشيش المضبوط من غرب قناة السويس إلى شرق القناة لحساب أحد تجار المخدرات، مقابل تقاضيه مبالغ مالية، مؤكدًا أنه تعرف على تاجر المخدرات خلال عمله السابق فى العريش منذ سنوات عندما كان يعمل بالنيابة العامة بالعريش. وقال القاضى المتهم للنيابة، إن المخدرات المضبوطة كان قد استلمها من تاجر مخدرات يدعى “أبو خالد” بقرية أبوصوير بالإسماعيلية، وأن اتفاقه معه بأن يقوم بنقل الحشيش من أبو صوير إلى شرق قناة السويس بعد عبوره نفق الشهيد أحمد حمدى. وقد تم ضبط القاضى متلبسا ب68 كيلو من مخدر الحشيش الممنوع تداوله أو بيعه. وقالت وزارة العدل إن القاضي أخل بميثاق شرف القضاة، مضيفا أن قرار قبول استقالته جاء لتفعيل مبدأ استقلال القضاء، مما يؤكد أن القضاء المصري يطهر نفسه بنفسه. ” هذا النص تداولته معظم وسائل الإعلام ولم أتدخل بزيادة أو نقص تحريا لمبدأ الصدق فى النقل وعدم المبالغة .

* ليت قومى يعلمون أن ميثاق شرف القضاء إلى يوم القيامة , قد وضعه عمر بن الخطاب فى صدر الإسلام عندما أرسل كتابا لأبى موسى الاشعرى حين ولاه القضاء والذى يقول فيها :” بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، سلام عليك! أَمَّا بَعْدُ، أن القضاء فريضةٌ محكمةٌ، وسنةٌ متبعةٌ، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلمٌ بحق لا نفاذ له، وآسِ بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك؛ حتى لا يطمع شريفٌ في حيفك، ولا ييئَس ضعيفٌ من عدلك، البينة على مَن ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائزٌ بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرم حلالًا ومن ادعى حقًّا غائبًا أو بينةً، فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن جاء ببينةٍ أعطيته بحقه، فإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك أبلغ في العذر وأجلى للعمى، ولا يمنعك من قضاءٍ قضيته اليوم فراجعت فيه لرأيك وهديت فيه لرشدك – أن تراجع الحق؛ لأن الحق قديمٌ، لا يبطل الحق شيء، ومراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، والمسلمون عدولٌ، بعضهم على بعضٍ في الشهادة، إلا مجلودٌ في حدٍّ أو مجربٌ عليه شهادة الزور، أو ظنينٌ في ولاءٍ أو قرابةٍ، فإن الله – عز وجل – تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان، ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ليس في قرآنٍ ولا سنةٍ، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال والأشباه، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله فيما ترى، وأشبهها بالحق، وإياك والغضب والقلق، والضجر والتأذى بالناس عند الخصومة والتنكر، فإنَّ القضاء في مواطن الحق يوجب الله له الأجر، ويحسن به الذخر، فمن خلصت نيته في الحق ولو كان على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزيَّن لهم بما ليس في قلبه شانه الله، فإن الله – تبارك وتعالى – لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصًا”. فهل قرأ أمثال هولاء تلك الوصية المجيدة التى يجب أن تكتب بحروف من ذهب..؟

العالم-القاضي-المنذر-بن-سعيد

* وهل ينسى التاريخ قضاة العدالة والشرف وقول الحق حتى فى وجه السلاطين ..؟ هل ينسى التاريخ قاضي قرطبة ” المنذر بن سعيد “ الذي كان يواجه الخليفة الناصر بما لا يمكن أن يتحمله من سواه . ويروى أن ذلك القاضي دخل على الخليفة الناصر في عظمته وهو يجلس فى قبة من ذهب وفضة وقد تجمع حوله المنافقون يحتفلون بافتتاح تلك القبة ، فقام القاضي المنذر بن سعيد خطيباً ، فقرأ قوله تعالى “ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون” وواصل كلامه في انتقاد الخليفة الناصر أعظم خلفاء بني أمية في الأندلس وأسكت المنافقين الحاضرين، واحتمل الخليفة انتقاد القاضي ولم يمسه بسوء لما له من مكانة علمية ومعنوية. وهل ينسى التاريخ أنه فى سلطنة الملك الكامل الأيوبي فى مصر حيث كان القاضي ” ابن عين الدولة “ في الإسكندرية ملء الأسماع لشجاعته ونبوغه ، وحدث أن الملك الكامل شهد أمام ذلك القاضي في حادثة ، ورأي القاضي ابن عين الدولة أن الملك الكامل لا يصلح للشهادة وليس عدلا ثقة تؤخذ شهادته وكان علي القاضى ” ابن عين الدولة ” أن يردّ ويرفض شهادة السلطان الكامل الأيوبى علنا في مجلس القضاة ، ولم يتردد القاضي الشجاع في ذلك ، فقال في لباقة للسلطانإن السلطان يأمر ولا يشهد ورفض شهادة الحاكم فى ذلك الوقت .

* وهل تنسى صفحات تاريخنا المجيد يوم أن تنازع علي بن أبي طالب وهو أمير المؤمنين مع يهودي على درع، فاحتكما إلى القاضي شريح، الذي قال: ” يا أمير المؤمنين هل من بينة؟” قال: ” نعم الحسن ابني يشهد أن الدرع درعي”، قال شريح: ” يا أمير المؤمنين شهادة الابن لا تجوز”، فقال علي: ” سبحان الله رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟” فقال ” يا أمير المؤمنين ذلك في الآخرة، أمّا في الدنيا فلا تجوز شهادة الابن لأبيه “. فقال علي “صدقت – الدرع لليهودي”. فقال اليهودي: “أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه! أشهد أن هذا الدين على الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وأن الدرع درعك يا أمير المؤمنين، سقط منك ليلاً “. فأهداه أمير المؤمنين الدرع. إنه قضاء الشرف والأمانة والعدالة الذى لايفرق بين حاكم أو محكوم . ويوم أن يكون فى وطننا قضاء مثل هذا , فاعلم أن وطننا بخير , ويوم أن تهتز منصة العدالة , يوم أن يهتز الوطن كله شمالا ويمينا . إذا أردت أن تهدم وطنا , فعليك بهدم منصة القضاء . وإذا أردت إن ن تجعل وطنك شامخا بين الأمم , فعليك باستقلال القضاء واختيار أعضائه على أساس من النزاهة والأمانة والضمير وليس على أساس التسلسل الأسرى والعائلي ..!.

* ومن باب اعطاء كل ذى حق حقه , فإن الشكر موصول للجهات التى ألقت القبض على القاضي واكتشفت جريمته وأقالته من منصبه ولم تخش حصانته ولم تتواطأ مع خطيئته , لأنه من لم يشكر الناس , لا يشكر الله . فإن القبض على مثل هولاء القضاة وتقديمهم للعدالة وقبول استقالتهم ومحاكمتهم لهى خطوة صحيحة فى طريق شاق وطويل , وبصيص أمل ونور فى نفق مظلم طويل , لكن مشوار الإلف ميل يبدأ بخطوة . إن نظرية الزحف المقدس نحو توريث القضاء , أثبتت فشلها وعدم جدواها لأنها فقدت معناها ومغزاها . القاضى لابد أن يكون شريفا نزيها بعيدا عن الشبهات. فهل بالله عليكم هذا القاضي الذي تم القبض عليه متلبسا وهو يتاجر فى المخدرات ليفسد أبناء هذا الوطن ويلقى بهم فى مكان سحيق , يصح إن يرثه أبناء عائلته فى هذه المهنة المقدسة..؟ إن حسن السيرة وطهارة القلب ونظافة اليد وحسن الخلق والإلمام بصريح القانون والدستور هى معايير لابد من إسقاطها على أرض الواقع ساعة اختيار من يجلسون على هذه المنصة الرفيعة . أتمنى لوطنى من أعماق قلبى أن يتقدم فيه الأفاضل ويتقهقر الأراذل . أن يتقدم أصحاب الكفاءات والأخلاقيات وليس أصحاب الواسطات والذين يحملون أسماء أبائهم وأجدادهم ليقفزوا على منصة القضاء من الأبواب الخلفية . يقولون : القاضي تلميذ قانون يصحح أوراق إجابته بنفسه . فهل يحسن مثل هولاء تصحيح أوراق إجابتهم ..؟ أم يعطون لأنفسهم الدرجة النهائية وهم لا يستحقون درجة واحدة..؟ . هذا , وما كان من خطأ فمن نفسى والشيطان , وإن كان من حق وصواب فمن الله . والله أعلى وأعلم . وتقبلوا بفائق الاحترام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى