ثقافة وادب

من ميتش ميللر والبيتلز إلى مايكل جاكسون وليدي غاغا.. تطور موسيقى البوب خلال 5 عقود

قبل الاطلاع على نبذة عن تطور موسيقى البوب، فلنشرح ببساطة ما أصل موسيقى البوب؟ تطوَّرَت موسيقى البوب، التي تتألَّف بالأساس من مزيج بين كل ما كان يُمثل الموسيقى الشعبية في زمنها، لتصبح نوعاً موسيقياً خاصاً بها ومتطوراً باستمرار، حتى وإن برز خلالها بشكل خاص نمط موسيقي آخر.

قد يعتقد البعض أن البوب موسيقى سطحية، بأغانٍ بسيطة لا تتحدث عن شيء سوى الحفلات، نمط الحياة المستهتر المرح والعابث. لكن هذا النوع من الموسيقى اشتمل على أكثر من ذلك بكثير، إنه يمثل بوتقةً موسيقية، مساحةً تُمزَج فيها الأصوات من كل الأنواع الموسيقية معاً، وتكون ذات صلة بالنغمة واللحن بدرجة كبيرة.

علاوة على أن هذا النوع من الموسيقى لم يهمل معالجة موضوعات مثل الحب والفقد والحياة، وهي المشاعر التي تكمن في قلب كل شخص، وكذلك في مضمون كل نوع من أنواع الموسيقى؛ إليك نبذة عن تاريخ موسيقى البوب بحسب ما نشر موقع مجلة The Culture Trip.

بدأ الأمر في عصر موسيقى الروك آند رول. في الخمسينيات من القرن الماضي، عندما استُبدِلَت موسيقى العقود السابقة، بما في ذلك موسيقى السوينغ ومغنيّ الميكروفونات. كان الروك يزدهر، وفي نفس وقت ازدهاره، كانت بداية موسيقى البوب ​​الحقيقية تزدهر أيضاً، وخرجت من رحم إبداعات المُنتِج الموسيقي ميتش ميللر. 

عمل ميلر لدى شركة كولومبيا للتسجيلات Columbia Records، وهي أكثر العلامات الموسيقية نجاحاً في زمنها، وتعاوَنَ مع كبار الفنانين في الشركة لخلق صوت موسيقي لا يقتصر على نوعٍ واحدٍ بسيط. لقد كان يجمع بين موسيقى الكونتري، والبلوز، والفولك مع أصوات موسيقى الروك السائدة التي كان الجميع يستمع إليها.

ونتج عن ذلك شكلٌ موسيقي صَرَفَ الانتباه بعيداً عن الأوركسترا الضخمة والشاملة التي كانت سائدةً في العقود السابقة، لينصب بدلاً من ذلك على المشاعر التي تحملها الموسيقى، والمُتجلية في أصوات فنانين مثل جوني راي وفرانكي لين وغاي ميتشل، والذين عملوا جميعاً مع ميتش ميلر. كان هذا العقد أيضاً جديراً بالاحتفال بالنسبة لإلفيس بريسلي، الذي ظهر في الساحة الفنية في عام 1953، وكانت أغانيه هي بعض أكثر الأغاني المحببة لدى الناس في ذلك الزمن، مثل أغنية Hound Dog.

تميَّزَت موسيقى البوب خلال بدايتها بقاعدة جماهيرية كبيرة من المعجبين المراهقين، ومع ظهور الراديو المحمول في الستينيات، أصبح من الأسهل على المراهقين حمل أغانيهم معهم أينما ذهبوا. كانت موسيقى البوب ترتحل من مكان لآخر، وتلتقط مؤثرات عدة، فمثلاً في شواطئ كاليفورنيا، التقط فريق بيتش بويز نبرات من أغاني البوب ​​التقليدية ومزجها في هيئة طبقات مع إيقاع «روك ركوب الأمواج – surf rock» الذي اشتهروا به. 

لكن القوة الدافعة الحقيقية لموسيقى البوب ​​في الستينيات جاءت عبر المحيط الأطلسي، مع موجة Beatlemania، أو عشَّاق البيتلز، وظاهرة الغزو البريطاني الثقافي للخريطة الأمريكية. جلب الغزو البريطاني موسيقى الروك والبوب وفرقاً موسيقية عدة إلى الولايات المتحدة، وهناك ذاع صيتهم للغاية. كانت فرقة البيتلز من بين هذه الموجة، واستحوذ مزجهم لأغاني البيت ​​والروك والبوب الشعبية ​​على قوائم موسيقى البوب ​​الأمريكية في الحال. 

ومن بين الفرق الأخرى التي شاركت في هذا الغزو الفني، كانت فرقة ديف كلارك الخامسة، التي تقدم موسيقى روك شعبية إنجليزية. إذ احتلت أغنيتهم المنفردة «Over and Over» المرتبة الأولى في القوائم الأمريكية في عام 1965، متغلبين على فرقة البيتلز. وخلال كل هذا، كانت موسيقى البوب تتحوَّل إلى شيءٍ لم يحدِّده فنانو البوب ​​الأمريكيون المنفردون في العقد السابق وحدهم. 

أما الآن، زُج بالفرق الموسيقية في الخلافات، مما جعل البوب ينقسم إلى أنواع فرعية تضمنت موسيقى بوب البابلغم (Bubblegum pop)، والمعروفة بأصواتها المتفائلة وموجهة بشكل مباشر نحو جمهور المراهقين، وموسيقى بوب الباروكي (Baroque pop)، الذي مزج موسيقى البوب ​​والروك والباروكي معاً.

بدأت هذه الأنواع الفرعية من موسيقى البوب ​​في الظهور قرب نهاية الستينيات، لكنها تلاشت في السبعينيات. ليحل مكانها نوعٌ متفرعٌ يعرف باسم باور بوب power pop، وهو مزيجٌ من موسيقى البانك روك والبوب، قدمته فرق مثل رومانتكس، وتشيب تريك. 

في الوقت ذاته، كانت موسيقى بوب الكونتري آخذة في الظهور، ناشئة عن محاولات فناني الكونتري للوصول إلى جمهور، سائدة بصورةٍ أكبر. نتيجة لذلك، تشابكت فجأة نغمات البوب وعُقره الموسيقية التي تعلق بالأذهان مع تشدقات موسيقى الكونتري الكلامية ورنينها. 

لكن أكبر خدمة أسدتها حقبة السبعينيات لموسيقى البوب أتت في شكل موسيقى البوب ​​روك، كانت تلك هي بداية عهد  فرق مثل الجاكسون 5، وإلتون جون، وفرقة كوين. ومع مخزونه من الأصوات المتنوعة التي تتراوح بين أغنيات البوب، أصبح إلتون جون أحد أكبر نجوم البوب ​​في زمانه. 

إذ تُخلَّد أغنيات مثل «Bennie and the Jets» و «Don’t Go Breaking My Heart» اليوم باعتبارها كلاسيكيات موسيقية. في الوقت ذاته، غامرت فرقة كوين بأغنيتها من فئة الهارد روك والبوب روك التي ذاع صيتها للغاية عبر الراديو، بينما أصبحت فرقة جاكسون 5 ظاهرة كبيرة في موسيقى البوب ​​بأغانيها المنفردة مدوية النجاح، مثل «أI Want You Back» و «ABC».

أصبح التسجيل الرقمي مسألة ضخمة في الثمانينيات، وقد أتاحت الإمكانيات التي وفرتها تلك التقنية المزيد من الازدهار لموسيقى البوب؛ إذ صار من الممكن فجأة دمج الأصوات الإلكترونية داخل موسيقى البوب، ومع تطور هذا النوع من موسيقى بوب ​​الرقص، تطورت  بالتوازي أنواع موسيقية مثل التكنو. الأنواع مثل التقنية. 

وأصبح الفنانون الذين ظهروا في هذه السنوات ثوريين في عالم البوب -لا يزال ألبوم Thriller لنجم البوب مايكل جاكسون هو الأكثر مبيعاً على الإطلاق. كان مايكل جاكسون يتحوَّل لأشهر نجم بوب ​​في العقد، تلاه في ذلك النجم برنس بفارق طفيف، وكان يتمتَّع بنجوميةٍ خاصة به. نجحت موسيقاه المنبثقة عن البوب والروك والفانك وغيرها، جنباً إلى جنب مع حضوره المتوهِّج الفاخر، في وضعه في دائرة ضوء لم تخفت قط. 

على جانب آخر، كان لموسيقى البوب النسائية مشهديَّتها في الساحة، على يد فنانات مثل ويتني هيوستن ومادونا. وتحوَّلت مادونا إلى الفنانة الأنثى الأكثر نجاحاً في هذا العقد بتقديم أغنيات على غرار «Like A Virgin». خلقت حقبة الثمانينيات ثقافة بوب ​​بشكلٍ لم يحققه أي عقد آخر سبقها، وستستمر تلك الثقافة في العقود التالية.

في حين شهدت التسعينيات استمرار موسيقى البوب كعهدنا بها في الماضي، كان ما قدَّمته تلك الحقبة لهذا النوع هو المجموعات الغنائية النسائية. إذ شهد العقد وصول صيت فرقة The Spice Girls النسائية البريطانية إلى السوق الأمريكية وتحوُّلها للفرقة البريطانية الأكثر نجاحاً في أمريكا الشمالية على الصعيد التجاري منذ فرقة البيتلز. 

كانت الفرقة كذلك أنجح فرق بوب نسائية، وواحدةً من أنجح فرق البوب على الإطلاق، خصوصاً مع تقديم أغنيتها المنفردة «Spice Up Your Life». أما بالنسبة للعقد القادم، فسوف يشهد ظهور فرق بوب مكونة من مراهقين وفناني بوب في كل الخرائط الأمريكية، يشمل ذلك فرقة Backstreet Boys بأغنيتهم «(Quit Playing Games (With My Heart»، وبريتني سبيرز بأغنيتها «Baby One More Time»، إحدى أكثر الأغنيات المنفردة مبيعاً في التاريخ.

بحلول الألفية الجديدة، أصبح البوب نوعاً موسيقياً ذا طرق لا نهائية لكي يخوضها الفنانون، لكل طريق منها نزعته الخاصة وانحرافه عن التقاليد الكلاسيكية لموسيقى البوب. تواجدت موسيقى بوب المراهقين في أغنيات بريتني سبيرز وكريستينا أغيليرا. 

في حين كان للبوب روك والباور بوب عودتهم الخاصة من جديد من خلال أغنية «All the Small Things» التي قدمتها فرقة بلينك 182، مما فتح الأبواب أمام الموسيقيين الذين من شأنهم أن يصبحوا بالغي الأهمية في نوع البوب-بانك الموسيقي، نخص بالذكر فرقة Simple Plan و Fall Out Boy. 

ومع اقتراب نهاية العقد الأول من الألفينات، تأثرت موسيقى البوب ​​مرة أخرى بأصوات موسيقى الهيب هوب وموسيقى الآر آند بي من خلال موسيقى النجمة الأمريكية ريانا، أما الموسيقى الإلكترونية فوجدت ضالتها في أغنيات ليدي غاغا من خلال ألبومها الغنائي Poker Face، الذي فاز بجائزتي غرامي. بشكل ما أصبح البوب بمثابة بوتقة إلكترونية تصهر بداخلها أنواعاً متفرعة وأصواتاً غنائية تشترك جميعها في نفس المجازات الشائعة لأغنية البوب.

أصبح البوب ​​أكثر من مجرد نغمة جذابة وأشعار متكررة، إذ هو تمثيلٌ للطريقة التي تطورت بها الموسيقى والاتجاهات الموسيقية على مدار السنين، تجمع أصواتاً موسيقية لم تكن لتتماشى معاً لولا البوب، والأهم أن هذا المزج جرى بالكثير من الحب. 

أصبح البوب اليوم بمثل تنوعه وثرائه نتيجة التأثيرات التي أسهمت في عملية تطوره. فهو نوع موسيقي معقد ومدهش ​​باحتمالات لا نهائية، وبأصوات تشعرك وكأن كل مغنينك المفضلين قد أتوا لمنزلك للغناء.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى