ثقافة وادب

من معسكرات الاعتقال النازي إلى غوانتانامو.. كيف استُخدمت الموسيقى أداةً للتعذيب؟

تهل يخطر ببال أحدكم أن الموسيقى قد تستخدم أداةً للتعذيب؟ في معسكرات الاعتقال النازية كل شيء وارد، فقد وثق الناجون من تلك المعتقلات استخدام الموسيقى كأداة للتعذيب النفسي، حيث كان السجناء يجبرون على سماع الأغاني النازية طوال الوقت والغناء أثناء حفر قبورهم، وكانت أوركسترات يهودية تجبر على عزف الموسيقى عند تنفيذ الإعدامات في معسكرات الموت، بحسب موقع Ehne الفرنسي.

منذ عام 2003، رفعت الشهادات المُتعلِّقة بوجود الموسيقى داخل زنازين أبوغريب وغوانتانامو الستار عن استخدام الفن بغرض التعذيب.

فابتداءً من موسيقى الرسوم المُتحركة للأطفال، ووصولاً إلى موسيقى البوب والهارد روك الأمريكية؛ مثَّل التشغيل المُتواصل للموسيقى بأصواتٍ عالية للغاية -تُسبِّب إصابات في طبلة الأذن- أحد أشكال «التعذيب الأبيض»، الذي يعمل على تدمير السلامة النفسية للسجناء.

وبحسب تعرف الأمم المتحدة للتعذيب، الذي تبنَّته في التاسع من ديسمبر/كانون الأول عام 1975، فإن «أي فعلٍ يتسبَّب عمداً في إلحاق ألمٍ أو معاناةٍ شديدة، جسدياً أو عقلياً، لذا يُمكن القول إن الموسيقى ربما تكون جزءاً من عملية التعذيب في سياقات مُعيَّنة».

ونظام معسكرات الاعتقال النازية هو خير مثالٍ على ذلك.

يظهر الحديث عن الموسيقى داخل مُعسكر الاعتقال النازي في كافة شهادات الناجين تقريباً.

إذ كانت هناك أوركسترا صغيرة من السجناء تجبر على عزف المُوسيقى يومياً  أثناء المُغادرة إلى العمل في الصباح، والعودة إلى المُعسكر في المساء، وخلال الإعدامات، وتنفيذ العقوبات.

فمنذ افتتاح أولى المعسكرات عام 1933، تأسَّست فرقٌ موسيقية صغيرة، ثم أوركسترا بأوامر القادة في وقتٍ لاحق، وغرضها قبل كل شيء هو: تنفيذ المسيرات العسكرية وتأدية الأغاني التي تُسهِّل تزامن خطوات، وحصر أعداد، النزلاء أثناء مُغادرتهم المُعسكر.

وكانت هذه «الموسيقي التنسيقية» تجري تأديتها أو غناؤها بالإجبار، صباحاً ومساءً، وتعُجُّ بألحان النفوذ العسكري.

فكانوا يستخدمون بشكل أساسي موسيقى فولكسليدير، وهي أغانٍ شعبية جُمِعَت بدءاً من أوخر القرن الـ18، وتُمثِّل الهوية الوطنية الألمانية.

وتتضمَّن أغاني المسيرات العسكرية، وأغاني الحرب، التي كانت مُفضلةً بسبب دقَّاتها الحماسية التي تفرض خطوةً واحدة على المجموعة بأكملها.

كان يتعيَّن على كافة النزلاء تشرُّب هذه الموسيقى بمجرَّد وصولهم إلى المعسكر، بغض النظر عن جنسيتهم، من أجل غنائها بصوتٍ عالٍ مخافة التعرُّض لألم الضرب.

وكانت بعض أنواع العمل الجبري تُنفَّذ على وقع أغنية القوات الخاصة «الخيول المُغنِّية Singende Pferde»، التي فرضتها الوحدة الوقائية في معسكر بوخنوالد وغيره من المُعسكرات، حيث يتوجب على السجناء غناءها بصوت عال أثناء نقلهم للحمولات الثقيلة.

وقد تم اختيار هذه الأغنية تحديداً لأن كلماتها تعتبر تعذيباً نفسياً شديداً بالنسبة لسجين في معسكر اعتقال نازي، فكان إجبارهم على غنائها تخديراً لضميرهم ومحواً لشخصياتهم، إلى جانب الإرهاق البدني الذي يسببه نقل الحمولات المتزامن مع الغناء بأعلى صوت.

إضافة إلى أن هيمنة الموسيقى وغناء السجناء بصوت عال يضمن عدم تواصلهم مع بعضهم.

في حالات العقاب والإعدام المصحوب بالموسيقى، كان الاهتمام يتركَّز على الضباط النازيين يختارون كلمات الأغنية بعناية لضمان إهانة السجناء قد المستطاع.  

 ففي يوليو/تموز عام 1942 مثلاً، بعد مُحاولة هروبه الفاشلة من معسكر ماوتهاوزن؛ اتَّجه هانز بونارويتز إلى منصة الإعدام على أنغام أغنية «العودة Komm zurück» المُستوحاة من أغنية «سأنتظر J’attendrai» لدينو أوليفيري التي تقول «سأنتظر عودتك دائماً».

وفي سونينبيرغ، كان النزلاء الشيوعيون يُجبرون على حفر قبورهم أثناء غناء «لحن الأممية Internationale» وهو النشيد الوطني للاتحاد السوفييتي.

واضطر اليهود إلى إنشاد سفر المزامير أثناء تعرُّضهم للضرب، أو الشروع في غناء «أغنية اليهود Judenlied» المُعادية للسامية بشدة.

إضافة إلى اضطرار السجناء لسماع الموسيقى الصاخبة الممزوجة بخطابات هتلر ليلاً ما يؤدي إلى حرمانهم من النوم، كان الموسيقيون من السجناء مكلفون بالعزف بشكل مستمر.

فإضافة إلى المعاناة الجسدية والعقلية التي كانوا يعانونها، ضخم استخدامهم بهذا الشكل من شعورهم بالذنب لإدراكهم الأثر النفسي المدمر الذي تخلفه موسيقاهم على السجناء.

كما كانوا يشعرون بالذنب لأن موسيقاهم هي ما أنجتهم من الموت في حين لاقى رفاقهم مصرعهم على ألحان الكمنجات.

فقد كان الموسيقيون يحصلون على حماية من النقل إلى معسكرات الموت ومن غير الممكن أن يتعرضوا لعمليات الإعدام التعسفية.

بعد الحرب أُصيب الكثير من أولئك الموسيقيين بالاضطراب النفسي التالي للصدمة، وتخلُّوا عن ممارسة مهنتهم.

يُمكن تفسير وجودها من خلال شرح كيفية عمل مُختلف المنظمات العسكرية وشبه العسكرية داخل الرايخ الألماني، حيث أدَّت الأغاني وظيفة توحيد الصفوف، إلى جانب وظائفها التعليمية والدعائية.

وفي ظل تجنيدهم وتعبئتهم على خلفيةٍ مُتواصلة من الموسيقى؛ طبَّق القادة وحُرَّاس المُعسكرات هذه المنظومة على معسكرات الاعتقال والموت التي كانوا مسؤولين عنها.

وبوصفها تعبيراً صوتياً عن القوة والسلطة كانت الموسيقى أحد الأساليب التي اعتمدها ضباط وحراس المعتقلات النازية لفرض سطوتهم وتذكير النزلاء بشكل مستمر بالسلطة التي يتمتعون بها.

كما أنها ساهمت بإضفاء صبغة عنف إضافية على تجربة معسكر الاعتقال، فقد كان العنف الذي يتعرض له السجناء جسدياً ونفسياً وصوتياً.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى