ثقافة وادب

من ضابط في سجن تدمر إلى ممثلٍ للرئيس: علي مملوك.. ذراع الأسد الأمنية وعرّاب صفقاته الخارجية

بدأ من سجن تدمر الصحراوي الذي تحكى عنه قصص رعبٍ مخيفة، وتدرّج في جهازي أمن الدولة والمخابرات الجوية، قبل أن يشغل أرفع منصبٍ أمني في سوريا؛ علي مملوك، مستشار رئيس الجمهورية السورية للشؤون الأمنية. 

بينما أُبعد الكثير من رجالات الأسد الأب المخلصين، نجح مملوك في الانتقال بسلاسة من نظام حافظ إلى نظام ابنه بشار. ومع اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011، سقطت أسماء مهمة من الدائرة الأمنية الضيقة المحيطة بالأسد، مثل آصف شوكت وحسن تركماني وهشام بختيار ثم رستم غزالة، لا يزال علي مملوك صامداً، بل بلغ ذروة مجده كممثل للأسد شخصياً في أهم المحادثات المصيرية.  

فمن هو هذا الرجل الذي يمسك بأهم الملفات الأمنية للنظام السوري؟ وكيف تمكن رجل سُني المذهب من شق طريقه في نظامٍ تُسند فيه المهام الأمنية إلى الموالين من أبناء الطائفة العلوية منذ سيطرة حافظ الأسد على السلطة بانقلاب العام 1971؟ 

بدأ نجم عليّ مملوك – الملقب بـ «أبو أيهم» -، بالسطوع في ثمانينيات القرن الماضي، عندما أوكلت إليه مهمة الإشراف على البرنامج الكيميائي للنظام في عهد حافظ الأسد.

فقد كان اللواء، المولود في البحصة بدمشق عام 1946، أحد الضباط المشرفين على تجارب الأسلحة الكيماوية خلال الفترة ما بين 1985 و1995، وعلى استخدامها ضد معتقلين سياسيين بسجن تدمر في «الوحدة 417» التابعة للمخابرات الجوية والواقعة بمنطقة أبو الشامات في البادية السورية.

حيث تم تجريب الأسلحة الكيماوية على المعتقلين؛ ومن ثم محو آثار الجريمة في المنطقة بقصفها بالطيران الحربي، وفقاً للتقرير الذي نشره المركز الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سوريا.

بعد وفاة حافظ الأسد في يونيو/حزيران 2000، تولّى ابنه بشار السلطة بعد التعديل الدستوري الشهير، فعيَّن علي مملوك، الذي كان أبرز رجال أبيه في الثمانينيات، رئيساً لجهاز المخابرات العامة (أمن الدولة) في العام 2005، بعد أن كان رئيساً لفرع التحقيق بالمخابرات الجوية، وكان لمملوك دور مهم في تطوير إدارة المخابرات وتزويدها بأساليب جديدة للمراقبة وقمع الحريات العامة في سوريا، وهو ما أهله في ذلك الوقت ليكون الواجهة المخابراتية للنظام السوري بلا منازع.

وإثر اندلاع الاحتجاجات السلمية ضد نظام بشار الأسد في عام 2011، تم تكليف مملوك مهمة الإشراف على قمع المظاهرات، كما أُنيطت إليه مسؤولية غرفة العمليات بإدارة المخابرات العامة، وكان جزءاً من «خلية إدارة الأزمة» السورية التي شكَّلها بشار الأسد للتعامل مع الثورة التي قامت ضده.

ورغم كونه عضواً في «خلية إدارة الأزمة»، لم يكن مملوك حاضراً خلال الاجتماع الذي أقيم يوم 18 يوليو/تموز 2012، والذي قُتل خلاله كلٌ من وزير الدفاع داوود راجحة، ونائبه آصف شوكت، ومساعد رئيس الجمهورية للشؤون السياسية حسن تركماني، ورئيس مكتب الأمن القومي هشام بختيار، فيما أصيب الأمين القطري المساعد لحزب البعث محمد سعيد بخيتان، ووزير الداخلية محمد الشعار بجروح.

وبعد العملية التي أعلنت الكثير من الجهات مسؤوليتها عنها وأشارت بعض النظريات إلى تورّط النظام نفسه في تصفية بعض رجاله، تم تعيين علي مملوك خلفاً لهشام بختيار، فبات مشرفاً على جميع الأجهزة الأمنية في سوريا منذ ذاك الحين.

وإلى جانب إشرافه على فروع المخابرات السورية، أُوكلت إليه مهمة التنسيق مع أجهزة الاستخبارات العالمية، ومن ضمنها الأمريكية والأوروبية والإيرانية وبعض الأجهزة العربية، وهو ما أتاح له المجال أمام الإمساك بعدد كبير من ملفات النظام الحساسة.

وقد أوردت العديد من الوسائل الإعلامية غير الرسمية في يوليوتموز 2019 خبر تعيين مملوك نائباً لبشار الأسد للشؤون الأمنية.

في 11 مايو/أيار عام 2015، انتشرت شائعة محاولة علي مملوك، الانقلاب على نظام الأسد كالنار في الهشيم، وذلك بعد أن نشرت صحيفة The Telegraph البريطانية تقريراً عن تلك المحاولة، على لسان أحد المقربين من الأسد، والذي رفض ذكر اسمه.

إذ اتُّهم مملوك – بحسب ما أوردته الصحيفة -، بإجراء محادثات سرية مع المخابرات التركية ودول أخرى تدعم المعارضة السورية، بالإضافة إلى إجراء محادثات مع شخصيات منفيَّة من سوريا مثل عمّ الرئيس السوري رفعت الأسد.

وبحسب ما أوردت التقرير، فقد كان مملوك غير راضٍ عن النفوذ الإيراني المتزايد في سوريا وتسلُّم الإيرانيين مفاصل الحكم والسيادة بالدولة؛ ما دفع الأسد إلى وضعه تحت الإقامة الجبرية، متهماً إياه بمحاولة الانقلاب عليه.

إلا أن الإعلام السوري الرسمي أنكر تلك الشائعات، وحمَّل الإعلام الخليجي مسؤولية نشرها، وظهر علي مملوك فيما بعد إلى جانب بشار الأسد بدمشق في أثناء لقائهما مع رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني، علاء الدين بروجردي.

وعلى الرغم من تأكيد صحف مثل The Guardian البريطانية هذه الشائعات، فلا أحد يعلم ماذا حدث فعلاً خلف كواليس اختفاء علي مملوك عن الأنظار في تلك الفترة.

بغضّ النظر عما إذا كانت الشائعات التي انتشرت في 2015 صحيحة أم لا، فما نعلمه يقيناً أن علي مملوك لا يزال الرجل الأقوى في نظام بشار الأسد، فهو لا يمسك فقط بزمام المخابرات السورية، مبقياً الوضع الداخلي تحت السيطرة، إنما يمثل الأسد كذلك في كثير من اللقاءات الدبلوماسية المصيرية.

ولعل آخر تلك اللقاءات كان في 13 من يناير/كانون الثاني 2020، حيث أُوفد علي مملوك إلى روسيا؛ لعقد لقاء ثلاثي ما بين سوريا وروسيا وتركيا، إذ التقى هناك رئيسَ جهاز الاستخبارات التركي، هاكان فيدان، برفقة عدد من المسؤولين الروس.

ولم يكن إيفاد «مملوك» إلى هذا اللقاء مستغرَباً، إذ يعتبر هذا اللواء مهندسَ النظام السوري في جميع صفقاته السياسية، إذ كان مسؤولاً عن إبرام الاتفاق الروسي – التركي – الإيراني حول الملف السوري في عام 2017، كما أنه المسؤول الأمني الذي يقوم بترتيب الملفات الخارجية مع واشنطن وأنقرة من جهة، وموسكو وطهران من جهة أخرى.

ولا تقتصر علاقات مملوك مع الدول الأجنبية، إذ يعتبر مسؤولاً أيضاً عن علاقات النظام السوري بالدول العربية، ولا يغيب عن أذهاننا «اللقاء المعجزة» الذي عقده مملوك في السعودية.

ففي عام 2015، قام بزيارة سرية للسعودية في وقت كانت فيه الرياض تفرض حصاراً على رموز النظام السوري، والتقى بوزير الدفاع وولي ولي العهد السعودي آنذاك محمد بن سلمان، الذي ربط مصير الأسد في الحياة السياسية بسوريا بانسحاب إيران والميليشيات التابعة لها من المنطقة.

وقد أطلقت الوسائل الإعلامية على ذلك اللقاء الذي لم يتم الكشف عنه إلا بعد فترة من الزمن، اسم «اللقاء المعجزة».

لم تكن السعودية الدولة الوحيدة التي زارها مملوك، فقد زار أيضاً الأردن فى العام نفسه، والتقى خلال الزيارة مسؤولين أمنيين أردنيين، وتم تداول معلومات حينها تفيد بأن زيارته كانت بسبب تقديم قائمة بفصائل المعارضة المسلحة التي ترغب دمشق في إدراجها بقوائم الإرهاب.

كما استضافته عواصم عربية أخرى منها القاهرة ومسقط، حيث التقى في سلطنة عمان اثنين من كبار المسؤولين الخليجيين عن الشؤون الأمنية، وممثلين لدولة الإمارات ومجلس التعاون الخليجي؛ لمناقشة دعم بعض دول الخليج للفصائل المسلحة في سوريا.

كما زار مملوك إيطاليا بوساطة من مدير الأمن العام اللبناني عباس إبراهيم، والتقى وزير الداخلية الإيطالي ورئيس الاستخبارات الإيطالية.  

والغريب في الأمر، أن علي مملوك يتنقل بِحرية بين كل هذه الدول رغم العقوبات التي فرضها عليه كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؛ بناء على ضلوعه في قمع المظاهرات السلمية بسوريا وتعذيب معتقلي الرأي في سجون النظام.

كما تم إدراجه في قوائم العقوبات البريطانية أيضاً والتي حمَّلته المسؤولية المشتركة عن الجرائم التي تم ارتكابها بحق الشعب السوري.

لكن وعلى الرغم من التهم الموجهة إلى علي مملوك على المستوى الدولي، فإنه يستمر في زيارة العواصم العربية والعالمية دون أن يتم اعتقاله، وهو ما يثير التساؤلات حول مدى جدية هذه العقوبات.

بالإضافة إلى دوره في قمع الاحتجاجات السورية وتمكين حكم الأسد ورسم علاقاته مع الدول الحليفة والمعارضة، هناك اتهامات توجَّه إلى علي مملوك بضلوعه في التخطيط لقتل شخصيات دينية وسياسية بلبنان عام 2012.

إذ أدان القضاء اللبناني اللواءَ السوري علي مملوك إلى جانب الوزير اللبناني السابق ميشال سماحة، بتهمة ارتكاب أعمال إرهابية، هدفها زعزعة الأمن في لبنان.

فقد اعترف سماحة بأنَّ علي مملوك زوَّده بالأموال والمتفجرات التي نقلها بسيارته من دمشق إلى بيروت؛ لتنفيذ سلسلة من الاغتيالات في لبنان، تشمل نواباً وسياسيين ورجال دين وشخصيات من المعارضة السورية.

وفي حين تم إلقاء القبض على سماحة وحوكم بالسجن 13 عاماً مع الأشغال الشاقة، ظل علي مملوك طليقاً بعيداً عن متناول القضاء اللبناني، إذ قال وزير الداخلية السابق مروان شربل، إن القضاء اللبناني عاجز عن جلب مطلوبين لبنانيين فروا إلى سوريا، فكيف يستطيع إجبار لواء سوري، مثل علي مملوك، على المثول أمام القضاء.

قضية ميشال سماحة ليست القضية اللبنانية الوحيدة التي ظهر فيها اسم علي مملوك، إذ تتهم قوى سياسية مناهضة للنظام السوري علي مملوك بإمساكه بالملف اللبناني من خلال تدخُّله في استحقاقات داخلية، منها ملف تشكيل الحكومة.

حيث اتَّهمه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بعرقلة تشكيل الحكومة اللبنانية، وأطلق نعت «سُنّة علي مملوك» على النواب «السُّنّة» الموالين لـ «حزب الله» وحلف «8 آذار».

كما ورد اسم اللواء مملوك في قضية تفجير مسجدَي التقوى والسلام بطرابلس – شمال لبنان -، في 23 أغسطس/آب 2013.

وأوضح الوزير اللبناني أشرف ريفي، أن «المجموعة الإرهابية التي خططت ونفّذت عملية المسجدين مرتبطة باللواء علي مملوك، وهذا مُثبت قضائياً».

تناقضت الروايات حول مقتل رستم غزالة، أحد رموز النظام المشاركين في قمع الثورة السورية ورئيس شعبة الأمن السياسي سابقاً، وأحد المتهمين في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

إلا أنه من اللافت أنه لم تُقَم لغزالة جنازة رسمية باعتباره واحداً كان من ضمن الدائرة المقربة من الأسد على مدى سنوات طويلة، كما لم يُسمح لعائلته بفتح الكفن أو مشاهدة الجثة.

وفي حين أن الرواية الرسمية السورية ذكرت أن غزالة توفي بالمستشفى، إثر وعكة صحية، في مارس/آذار 2015، فإن عديداً من التقارير ذكرت أن الرجل قُتل، وأن اللواء علي مملوك هو الذي أعطى الأمر المباشر بقتله.

فبعد اشتباك مسلح بين غزالة ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية اللواء رفيق شحادة، أصيب غزالة بكسور وجروح بلاغة جعلته يرقد فترة طويلة في المشفى، لكنه عكس المتوقع أفاق بعد ذلك وبدأ استعادة عافيته، ليأتي أمر من علي مملوك بتصفيته بحقنة سيانيد سامة، بحسب ما ذكرته بعض الوسائل الإعلامية.

من المستغرب أن يتبوأ رجل ينتمي إلى الطائفة السُّنية هذه المناصب في نظام يمسك فيه الموالون من أبناء الطائفة العلوية، التي ينتمي إليها الأسد، جميع مفاصل الدولة الأمنية، خصوصاً الجيش والمخابرات.

لكن بعض متابعي الشأن السوري يرون أن ذلك يعود إلى عدة عوامل، أبرزها ثقة آل الأسد بعلي مملوك، فقد خدم الأسرة منذ أن كان في العشرينيات من عمره، ويمتلك بحكم المناصب التي تبوأها أسرار المخابرات السورية كافة.

كما أن بشار الأسد من وجهة نظر المراقبين، في أمس الحاجة للعلاقات المتشعبة التي يمتلكها علي مملوك، فقد استطاع على مدار كل تلك السنين، تكوين شبكة علاقات واسعة وقوية مع مسؤولي أهم أجهزة الاستخبارات في العالم كالمخابرات الأمريكية والفرنسية والبريطانية والروسية والإيرانية، ومخابرات بعض الدول العربية.

البعض يعتقد كذلك أن وجود قائد سُني مثل علي مملوك بنظام الأسد يعتبر انعكاساً للرغبة الروسية في المقام الأول، ويعتقد بعض المحللين أنه قد يكون لعلي مملوك دور ما في حال وصلت البلاد إلى مرحلة انتقالية ليس بها الأسد.

على الرغم من عدم وجود تصريحات أو حتى تلميحات روسية حول هذا الموضوع، فإن بعض الأوساط الإعلامية تتناقل شائعات حول رغبة روسية في تعيين علي مملوك بديلاً لبشار الأسد.

فقد نشر مرصد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الإعلامي معلومات، قال إنها مسربة، حول لقاء سري عُقد بموسكو للبحث في مستقبل سوريا، وكانت أبرز نتائج هذا اللقاء أن الروس باتوا يرجحون تسليم اللواء علي مملوك، رئاسة سوريا بدلاً من الأسد.

وبحسب المعلومات، فإن روسيا لن تعلن عن ذلك قبل أن توافق جميع الدول المعنيَّة بالشأن السوري على هذا القرار، وقبل أن تتم الموافقة أيضاً على منح الروس التنفيذ الحصري لملف إعادة الإعمار في سوريا، والبدء بالحل السياسي وإعادة اللاجئين.

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى