منوعات

من تغيير ديانة الرومان إلى سقوط روما.. كيف أدت 3 جوائح سابقة إلى تحولات هائلة في المجتمع؟

بعد أن رأوا ما حلَّ بالعالم بسبب تفشي فيروس كورونا بدأ الكثير من الناس يفهمون أنّ الجائحات المرضيّة يمكن أن تكون محركاً مهماً لتاريخ البشرية، فالتغييرات الصغيرة التي أحدثها كوفيد-19 مثل العمل عن بُعد والتباعد الاجتماعي والكف عن المصافحة والتسوق عن بُعد بدأت في تغيير أسلوب حياتهم.

ولكنهم إلى الآن غير متأكدين من أنّ تلك التغييرات ستمتد بعد الجائحة، لذلك سنقدم إليكم أهم 3 تغييرات حصلت في العالم وسببها كان انتشار جوائح وأوبئة، وذلك بحسب ما ذكره موقع The Conversation الأسترالي.

وهذه التغييرات يمكنها تغيير نظرة المجتمع الأساسية للعالم بعمق، كما أن بإمكانها قلب الهياكل الاقتصادية الأساسية رأساً على عقب، وأخيراً، يمكنها التأثير في صراعات السلطة بين الأمم.

يُعتقد الآن أن الطاعون الأنطوني، وتوأمه الطاعون القبرصي، نتجا عن إحدى سلالات الجدري، وقد دمرا الإمبراطورية الرومانية في الفترة من عام 165 إلى 262 بعد الميلاد.

وتشير تقديراتٌ إلى أن معدل وفيات الجائحتين مجتمعة يتراوح بين ربع إلى ثلث سكان الإمبراطورية.

وفي حين أن عدد الوفيات كان مذهلاً، لكنه لا يروي سوى جزء فقط من القصة، فقد أدى هذا أيضاً إلى تحول عميق في الثقاقة الدينية للإمبراطورية الرومانية.

فقبيل الطاعون الأنطوني، كانت الإمبراطورية وثنية، إذ عبدت الغالبية العظمى من السكان آلهةً وأرواحاً متعددة، واعتقدوا أن الأنهار والأشجار والحقول والمباني كلاً له روحه الخاصة.

بينما كانت المسيحية، الديانة التوحيدية التي لا تتشارك مع الوثنية إلا في القليل من الأشياء، لديها 40 ألف معتنق، أي ما لا يزيد عن 0.07% من سكان الإمبراطورية.

مع ذلك، في غضون جيل من نهاية الطاعون القبرصي، صارت المسيحية الديانة السائدة في الإمبراطورية.

يأتي السبب الأول وهو أن الجائحتين جعلتا المسيحية نظاماً عقائدياً أكثر جاذبية لدى سكان الإمبراطورية، فعلى سبيل المثال كانت الجمعيات الخيرية التي تأسست الكنيسة حولها المسيحية مستعدة لتقديم الرعاية الغذائية للناس مثل توفير الغذاء والماء والأدوية.

وبذلك نجا المسيحيون من ويلات هذه الجوائح بمعدلات أعلى من جيرانهم الوثنيين وطوروا مستويات أعلى من الحصانة بشكل أسرع.

إضافة إلى أن الكثير من الوثنيين اعتنقوا المسيحية بسبب ما تقدمه الجمعيات من مساعدات خيرية.

وكان التأثير النهائي لكل هذا هو أنه في غضون قرن تقريباً، وجدت الإمبراطورية الوثنية في الأساس نفسها في طريقها إلى أن تصبح إمبراطورية ذات أغلبية مسيحية.

وصل طاعون الجستنيان، الذي سمي على اسم الإمبراطور الروماني الذي حكم من 527 إلى 565 سكولاستيكي، إلى الإمبراطورية الرومانية عام 542 ميلادياً ولم يختفِ حتى 755 ميلادياً.

وعلى مدار قرنين من وجوده، قتل ما يقدر بـ25% إلى 50% من السكان، أي ما بين 25 مليوناً إلى 100 مليون.

أدت هذه الخسائر الفادحة في الأرواح إلى شل الاقتصاد، مما ولَّد أزمةً مالية استنفدت خزائن الدولة وأعاقت جيش الإمبراطورية الذي كان عاتياً من قبل. 

في الشرق، أبادت الجائحة أيضاً العدو الجيوسياسي الأساسي للروم، الإمبراطورية الساسانية، وبالتالي لم يكن في وضع يتيح له استغلال ضعف الإمبراطورية الرومانية.

لكن قوات الخلفاء الراشدين في شبه الجزيرة العربية، التي احتلها الرومانيون والساسانيون لفترة طويلة، لم تتأثر بالجائحة إلى حد كبير. والأسباب ليست مفهومة، لكن ربما يتعلَّق الأمر بالعزلة النسبية للخلافة عن المراكز الحضارية الكبيرة.

ولم يترك الخليفة أبوبكر الفرصة تضيع، فقد اغتنمت قواته هذه اللحظة وغزا  الإمبراطورية الساسانية بأكملها بينما جرد الإمبراطورية الرومانية الضعيفة من أراضيها في بلاد الشام والقوقاز ومصر وشمال إفريقيا.

قبل الجائحة، كان حوض البحر المتوسط متحداً نسبياً من خلال التجارة والسياسة والدين والثقافة. وكان ما ظهر عبارة عن ثلاث حضارات مشرذمة تتصارع على السلطة والنفوذ:

عُرِفَت هذه الحضارة الأخيرة، التي نطلق عليها الآن أوروبا في العصور الوسطى، بأنها نظام اقتصادي جديد متميز.

إذ قبل الجائحة، كان الاقتصاد الأوروبي قائماً على العبودية لكن بعده، أجبر النقص الكبير في العبيد ملاك الأراضي على البدء في منح قطع أراضٍ لمن يسمون بالعمال “الأحرار”، وهم الخدم الذين يعملون في حقول السيد وفي المقابل يحصلون على الحماية العسكرية وبعض الحقوق الشرعية المُحدَّدة من السيد، ومن هنا بدأ عصر الإقطاعيين.

تفشَّى الموت الأسود في أوروبا عام 1347 ثم قتل بين ثلث إلى نصف إجمالي سكان أوروبا البالغ عددهم 80 مليوناً.

وبحلول وقت انتهاء الجائحة في أوائل خمسينيات القرن الثالث عشر، ظهر عالم حديث متميز، ميزه العمل الحر والابتكار التكنولوجي والطبقة المتوسطة الناشئة. 

فقبل وصول البكتيريا يرسينيا الطاعونية عام 1347، كانت أوروبا الغربية مجتمعاً إقطاعياً مكتظاً بالسكان.

كما كانت العمالة رخيصة ولم يكن العبيد يتمتعون بقوةٍ كبيرة للتفاوض، وكان الحراك الاجتماعي راكداً ولم يكن هناك حافزٌ يُذكر لزيادة الإنتاجية.

لكن فقدان الكثير من الأرواح هزَّ المجتمع الذي كان متحجِّراً آنذاك، كما منح النقص في العبيد الفلاحين المزيد من القوة التفاوضية.

وفي الاقتصاد المتعلق بالزراعة، شجَّع ذلك أيضاً على التبني واسع النطاق للتقنيات الموجودة والجديدة، من المحراث الحديدي ونظام تناوب المحاصيل لثلاث سنوات والتخصيب بالسماد، التي زادت جميعها الإنتاجية بدرجة كبيرة.

أما خارج الريف، أدت هذه الأوضاع إلى اختراع الأجهزة الموفرة للوقت والعمالة مثل المطبعة ومضخات المياه للتصريف في المناجم وأسلحة البارود.

في المقابل، شجع التحرر من الالتزامات الإقطاعية والرغبة في الارتقاء في السلم الاجتماعي الكثير من الفلاحين للانتقال إلى المدينة والانخراط في الحرف والتجارة.

فأصبح الأناس الأنجح هم الأثرى وشكَّلوا طبقة وسطى جديدة، وصار بإمكانهم شراء المزيد من السلع الكمالية التي لا يمكن الحصول عليها إلا من خارج حدود أوروبا، وقد شجع هذا كلاً من التجارة عن بُعد والسفن ثلاثية الساري اللازمة في هذه التجارة.

كما حفزت الثروة المتزايدة للطبقة الوسطى الجديدة دعم الفنون والعلوم والأدب والفلسفة. وكانت النتيجة انطلاقة في الإبداع الثقافي والفكري، ما نسميه الآن عصر النهضة. 

لا يعني أي من هذا أن جائحة كوفيد-19 التي لا تزال مستمرة ستكون لها النتائج نفسها، إذ لا يشبه معدل وفيات كوفيد-19 معدل الجوائح التي نوقشت أعلاه، وبالتالي ربما لا تكون العواقب مزلزلة.

لكن هناك بعض الدلائل على احتمالية أن تكون كذلك، على سبيل المثال فإن كوفيد-19 يعمل على تسريع تفكك أنماط العمل الراسخة منذ فترة طويلة، مع تداعيات يمكن أن تؤثر على مستقبل الأبراج المكتبية والمدن الكبرى والنقل الجماعي.

في نهاية المطاف، فإن العواقب طويلة المدى لهذه الجائحة، مثل الجوائح السابقة، هي ببساطة مجهولة لأولئك الذين لا بدَّ أن يمروا بها. لكن مثلما شكلت الجوائح السابقة العالم الذي نعيش فيه حالياً، فمن المحتمل أن يعيد هذا الطاعون تشكيل العالم الذي سيسكن فيه أحفادنا وأبناء أحفادنا.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى