ثقافة وادب

من تدريس اليوغا والتأمل إلى قتل المارقين وتفجير هيلتون سيدني.. ما هي جماعة «أناندا مارغا»؟

في الـ13 من فبراير/شباط عام 1978، انفجرت قنبلةٌ أمام فندق هيلتون سيدني، ولَقِيَ ثلاثة أشخاصٍ مصرعهم، في حين جُرِحَ 11 آخرون. وبعد عقدٍ من الزمن اعترف إيفان بيدريك للشرطة بأنَّه هو من زرع تلك القنبلة في محاولةٍ فاشلة لاغتيال رئيس الوزراء الهندي مورارجي ديساي. وحُوكِم بيدريك بعدها، وأُدين، ثُم أُرسِلَ إلى السجن. وحتى يومنا هذا تحوم نظريات المؤامرة حول التفجير، لدرجة أنّ كتاباً جديداً تتبّع الأحداث التي حوَّلت بيدريك من نجل قسٍّ إلى عضوٍ في طائفة.

بحسب ما نشرت صحيفة The Sydney Morning Herald الأسترالية، في يوليو/تموز عام 1971، أُلقِيَ القبض على برابهات رانجان ساركار، مُحاسب السكك الحديدية السابق من ولاية بنغال الغربية، بسبب قتله ستة أشخاصٍ في ولاية بهار الهندية. ولم تكُن الحادثة لتحظى بكثيرٍ من الاهتمام العالمي حينها، وربما لم تكُن لتُذكر الآن، لولا حقيقة أنَّ ساركار كان يُمثِّل تجسيد الإله بالنسبة لعشرات الآلاف من الناس في الهند وحول العالم.

إذ أسَّس ساركار، المعروف لأتباعه باسم «بابا» أو «شري شري أناندا مورتي» (أي تجسيد السعادة)، الأناندا مارغا (أي طريق السعادة) في بهار عام 1955، حين كان في الـ34 من عمره.

وكانت الأناندا مارغا مقصورةً على الهند في البداية، ثم أنتجت فروعاً بطول أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا في أوائل السبعينيات. وكان أتباعها من الشباب عادةً، وأبناء الطبقة المتوسطة الباحثين عن الروحانية. وكانت الجماعة تُدير مراكز لليوغا والتأمُّل، والمدارس التمهيدية والابتدائية (كانت تحصُل على دعمٍ حكومي في أستراليا)، وصناديق الإغاثة في حالة الكوارث، وغيرها من الوكالات الإنسانية. وفي أستراليا، أثبت أبناء الجماعة حُسن نواياهم عن طريق المُشاركة الفاعلة في المنظمات التطوعية مثل خدمة الطوارئ الحكومية بنيو ساوث ويلز.

ورغم أنّ الأناندا مارغا لم تكُن حركةً دينيةً فريدةً من نوعها بوصفها مُنبثقةً عن الهندوسية، لكنّها كانت تمتلك العديد من المظاهر التي جعلتها مُميّزة. وكانت إحداها هي وضعية ساركار نفسه. ورغم أنَّ أتباعه نادراً ما كانوا يُعلنون للغرباء أنَّ بابا هو الإله، لكن داعياتهم الداخلية كانت تصفه عادةً بـ «إلهنا». وكان أتباع الأناندا مارغا لا يُشكّكون مُطلقاً في أنّ بابا يمتلك مواهب خارقةً للطبيعة، مثل قدرته على فهم كل لغات العالم.

وأُلقِيَ القبض على ساركار هو وأربعةٌ من مُعلميه، أو كبار رهبانه، إثر العثور على ست جثثٍ في غابةٍ بالقرب من المقر الرئيسي لأناندا مارغا في بهار. وكان المتوفون جميعاً من أتباع الأناندا مارغا السابقين، الذين فقدوا إيمانهم بالطائفة وحاولوا المُغادرة. وأُدين ساركار وحُكِمَ عليه بالسجن، هو وتلاميذه الأربعة.

وحمَّل أتباع الأناندا مارغا مسؤولية مشكلات بابا لمُخطّطٍ رسمه مكتب الاستخبارات الهندية بمُعاونة جهاز الاستخبارات السوفيتية (كي جي بي)، بناءً على طلبٍ من رئيسة الوزراء أنديرا غاندي. وهناك انطلقت حملةٌ للإفراج عن بابا على مُستويين. أولهما أنّ أنصاره عملوا على إعادة فتح القضية وإصدار حُكمٍ بالاستئناف. وعلى المستوى الثاني بدأت حملةٌ من التظاهرات والعصيان المدني والإرهاب.

وخلال عام 1975، شُنَّت العديد من هجمات القنابل اليدوية داخل الهند ضد مسؤولين بارزين في الحكومة. وخلال شهر أكتوبر/تشرين الأول في نيوزيلندا، أُلقِيَ القبض على ثلاثةٍ من أتباع الأناندا مارغا، أثناء سرقتهم مُتفجّرات من أحد المحاجر، قبل أن يعترفوا لاحقاً بأنّهم تآمروا لارتكاب حريقٍ مُتعمَّد في مبنى المفوضية العليا الهندية في ويلينغتون. وفي النصف الثاني من عام 1977، وقعت العديد من الحوادث في أستراليا. 

وكان أكثرها خطورةً هو طعن الكولونيل إقبال سينغ، المُلحق العسكري بالمفوضية العليا الهندية في كانبرا، أثناء استلقائه على السرير. ثم اختُطِفَ هو وزوجته تحت تهديد السكاكين، لكنّهم نجحوا في الفرار. وبعد بضعة أيام أُلقِيَ القبض على رجلٍ يُدعى جون داف، ووُجّهت إليه تُهمة التعدّي على حرية سينغ. وكان داف، الذي أُدين وسُجِنَ لاحقاً، من أتباع الأناندا مارغا، ويُعرَف أيضاً باسم برانافا، وكان مُلحقاً بأشرم كانبرا.

وبعد إطلاق سراح ساركار منتصف عام 1978، توقَّفت كافة تلك الحوادث على الفور، واختفت جماعة الأناندا مارغا من المسرح العام لمواصلة أهدافها الروحانية.

كان فندق هيلتون سيدني، الذي أُعيد بناء مُعظمه مطلع القرن الجاري، يبلغ من العمر ثلاثة أعوامٍ فقط في عام 1978. وحينها -كما هو الحال الآن- كان يستقر في الجانب الشرقي من شارع جورج، ويحدُّه شارع ماركيت من الشمال وشارع بارك من الجنوب. وكان الفندق يشغل المُربّع السكني الواقع بين شارعي جورج وبيت بالكامل. ولكن مدخله الرئيسي كان مُطلاً على شارع جورج، وكان هناك رصيفٌ مُنحدر على شارع بيت تصعده السيارات لتتوقَّف من أجل إنزال الرُّكَّاب ثم النزول مرةً أخرى. وكانت هُناك مصاعد للبهو الرئيسي، كما احتلّت أروقة التسوق الطابق الأرضي على الجانبين الشمالي والجنوبي. وفي زوايا مداخل رواقي التسوُّق المُطلِّين على شارع جورج، احتل متجر أحذية Florsheim الجانب الشمالي، في حين استقر متجر مُجوهرات Angus & Coote الجانب الجنوبي.

وبدأ إيفان بيدريك التجوُّل حول الهيلتون. وهناك عثر على فندقٍ رخيص في شارع إليزابيث، على بُعد مُربّعٍ سكني واحد جنوب محطة قطار سنترال، حيث استطاع استئجار غرفةٍ مُقابل أربعة أو خمسة دولاراتٍ في الليلة فقط. ومع اقتراب نهاية الأسبوع، بدأ في تقييم خياراته داخل الهيلتون. وفي يومي التاسع والعاشر من فبراير/شباط عام 1978، سكن إيفان شوارع جورج وبيت وأروقة التسوّق بالفندق وهو يرتدي زيّه التنكُّري الكامل: بدلةٌ مُهترئة، ونظاراتٌ مُحدّبة، وقميصٌ بلون الخردل، وشاربٌ على طراز جيمي إدواردز. وكانت هناك مُخاطرةٌ بتجوُّله حول مسرح الجريمة المُنتظرة، الذي كانت الشرطة تحميه بالفعل، لكنّه كان يُفكِّر في العديد من الأهداف.

إذ كان عليه أولاً أن يُحاول تحديد مكانٍ لزراعة القنبلة. فدرس ترتيب صناديق القمامة في شارع جورج، وخاصةً صندوق القمامة الذي بدا مثالياً في الحدود الجنوبية للفندق، على حافة الممر المُقابل لمتجر المجوهرات: وبناءً على ما قرأه في المكتبة كان يعلم أنَّ انفجار قرابة الـ30 عصا جليجنايت هناك سيقتل أيّ شخصٍ يقف بين الممر ومصاعد الهيلتون، ويتسبّب في مذبحةٍ كبيرة حول تلك المنطقة.

وكان عليه أن يحفظ تخطيط الفندق والشوارع المُجاورة، حتى يتمكّن من الفرار سريعاً بعد تفجير القنبلة يوم الأحد. علاوةً على أنَّه بعد تحديد موقع زرع القنبلة، أراد أن تألف قوات الشرطة المُتمركزة بالفعل في الهيلتون -انتظاراً لوصول كبار الزوار يوم الأحد- رؤيته ينبش صناديق القمامة. لذا في كل جولةٍ حول الفندق كان يُلقي نظرةً مُقربةً داخل كل صناديق القمامة، ويسحب منها شيئاً بين الفينة والأخرى، كما يفعل الشخص المُتشرّد الأشعف أو المريض عقلياً.

وبدا أنَّ تنكُّر إيفان نجح في تحقيق المُراد. إذ تجنَّب المارّة النظر إلى عينيه كما توقّع، وأشاحوا بأبصارهم بعيداً عنه، وتحرّكوا إلى الجانب الآخر من الممر. وتجاهله رجال الشرطة بصفته عاطلاً مُشرّداً آخر في شارع جورج. وصار خفياً بفضل مظهره الغريب، لكن العاقبة الأخرى للتجوُّل حول الهيلتون كانت وخيمة. إذ بدأ يُفكِّر في الفوضى والقتل الذي كان يُخطِّط لجلبه إلى مُحيط الهيلتون خلال بضعة أيام، أثناء تأمُّله للمارة وقت الغداء على جانبي شارع جورج.

وحاول استخدام الضوابط العقلية التي تعلّمها بصفته من أتباع الأناندا مارغا، لإخراج تلك الصور من عقله. وكان تفكيره في أنَّ عائلته سترى الدمار، ثم تُدرك أنَّه كان على علاقةٍ به، أمراً أكبر من أن يحتمله.

ولم يُكن إيفان أيّ ضغينةٍ على الإطلاق لرئيس الوزراء الهندي الجديد مورارجي ديساي. ولم يكُن أيّ شخصٍ مُذنباً أكثر من الآخر فيما يتعلّق بمحنة بابا. ولم تكُن مسألة انتقام، بل كان الغرض هو فرض قدرٍ من الضغط على الحكومة الهندية لتُفرِج عن بابا. وكان المنطق المريض -أو منطق الإرهاب- ينُصّ على أنَّ ضرورة موت بعض الأبرياء هي في صالح البشرية، وذلك في سبيل أن يتحرَّر بابا ليُؤدي عمله.

ومن المُفترض أنَّه توقَّع أن يكون شارع جورج أقل ازدحاماً من ذلك في يوم الأحد، حتى بحضور الشخصيات البارزة، لكنَّه كان واثقاً من أنَّ القنبلة لديها القدرة على الإطاحة بعشرات المارة، وربما أكثر من 100 شخص، مما أعاد صوت العقل القديم المدفون داخل رأس إيفان: ما الذي أنا مُوشكٌ على فعله بحق الله، أو بحق بابا؟ وافترض إيفان أنَّ توابع الانفجار، وفي ظل الارتباك الذي سيعقبه، ستُسهِّل عليه التسلُّل بعيداً والخروج من المدينة. ولكن إبان تفقُّده الموقع على أرض الواقع راودته أفكارٌ أخرى. هل من الممكن أن يعلق في الانفجار؟ وهل سيكون ذلك أمراً سيئاً؟ وهل سيُخفِّف ذلك من الشعور بالذنب على أيّ حال؟

ومع فجر يوم الأحد 12 فبراير/شباط عام 1978، بدأ إيفان يتحرّك داخل غرفته الفندقية الرخيصة بشارع إليزابيث. ولم يكُن قد حظي بقسطٍ كافٍ من النوم، لأنّه ظلّ يعمل حتى ساعات الصباح الأولى لإتمام التحضيرات النهائية.

ففي البدء، أمَّن جهاز التشغيل الخاص به داخل صندوق الفلين، الذي حصل عليه من مشترياته في متجر Tandy الأسبوع السابق. إذ اعتقد أنّ تغليف الجهاز بهذه الطريقة سيحميه من الصدمات والضربات، ثم حفر رأس إحدى عصي الجليجنايت، كما قرأ في المكتبة، وغرس فيها جهاز التفجير الكهربائي المُتبقي.

وفي تنازلٍ بسيط عن سلامته الشخصية وسلامة من ينامون حوله، أجَّل توصيل آخر وصلاته الكهربائية حتى الصباح. وكان المشهد عجيباً في تلك الليلة، حيث كان مُستلقياً على الأرض وبجواره جهازٌ قاتل. وقبل أن يغُطّ في النوم ظلّ مُستيقظاً لبعض الوقت يُحدِّق في الظلام، ويتساءل كيف وصل إلى هذه المرحلة. ثم تلاشت تلك الأفكار وسط أحلامه المُشوّشة والمضطربة.

وفي وقتٍ مُبكِّر من مساء السبت، بحسب شهادته أمام المحكمة العليا بعد 12 عاماً، نزل إيفان من سيارة أجرة جنوب الهيلتون على ناصية شارعي بارك وجورج. وأخبر إيفان المحكمة أنَّه كان يرتدي ملابس مُشردين بالكامل، وكان معه داخل سيارة الأجرة قرابة الـ30 من عصي الجليجنايت، مُرتّبةً داخل أنبوبٍ بطول 60 سم. وقال إنَّ جهاز التفجير، وعصا الجليجنايت الأخيرة ظلّا في الفندق.

سِرت في الممر الذي صار الآن في اتجاه الشمال من شارع جورج، وكُنت أتوقّف مؤقتاً للنظر في كل صندوق قمامة بطول الممر…

كُنت أحمل العبوة بطريقةٍ اعتيادية، وبأريحيةٍ تحت ذراعي، وكُنت أسير ببطءٍ شديد في محاولةٍ مني لأبدو وكأنّني أسير على غير هُدى…

كُنت أتوقّف بجوار كل صندوق قمامةٍ يُصادفني وأنظر داخله، وكأنّني أبحث عن شيءٍ يُمكن أخذه… كُنت أُحاول إعطاء انطباعٍ بأنّني مشرّدٌ يحق له النظر في صناديق القمامة. وحين اقتربت من صندوق القمامة أمام الهيلتون -حيث كُنت أرغب في زرع القنبلة- نظرت داخله، ثم نظرت بطبيعيةٍ إلى علبتي وكأنّني أُقرّر ما إذا كان عليّ وضعها داخل الصندوق أم لا. ثم وضعتها داخله ومضيت في طريق بشارع جورج، وأنا أسير ببطءٍ شديد ودون هدف واضح، وواصلت النظر داخل صناديق القمامة حتى وصلت إلى نهاية الشارع.

وقال إيفان للمحكمة إنَّ الصندوق الذي وضع فيه الـ30 عصا من الجليجنايت كان «يقع جنوب المصاعد، على بُعد مترين أو ثلاثة»، وهي المصاعد التي كانت تحمل الزوار صعوداً وهبوطاً من بهو فندق هيلتون. وقال إنَّ رجال الشرطة كانوا يحمون الهيلتون إبان مروره بالفندق، لكنه لاحظ أنّهم «لم يُعيروني أيّ اهتمام».

يجدر التذكير أن حادث تفجير فندق هيلتون سيدني 1978 أسفر عن مصرع 3 وإصابة 11 آخرين، وكان وقتها واحداً من أشهر الحوادث الإرهابية المتعلقة بجماعة منظمة، وكما ذُكر أنه في العام ذاته عام 1978 توقَّفت كافة تلك الحوادث على الفور، واختفت جماعة الأناندا مارغا من المسرح العام  لمواصلة أهدافها الروحانية، ولا يزال بإمكانك ان تعثر على خدمات ومواقع لحركة أناندا مارغا في العالم حالياً، وتعمل لأجل التنمية الروحانية والتأمل، أما بيدريك فقد حوكم بعد اعترافه المتأخر وسجن، وأطلق سراحه ويعيش اليوم حياته كقسٍ مسيحي يعمل في مجال الأعمال الخيرية، والبيئة.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى