آخر الأخباركتاب وادباء

من البابور للبوتجاز .. من ذاكرة إسكندرية

من روائع الأديب الكاتب 

المهندس / محمود صقر

15/04/2021
تتوقف رحلة ذاكرة إسكندرية في السبعينات والثمانينات عند محطة فترة التحول من بابور الجاز للبوتجاز وما صاحبها من تأثيرات اجتماعية.
من الستينات بدأ البوتجاز في إزاحة بابور الجاز عن عرشه الذي تربع عليه داخل البيوت لعقود، واستمر بابور الجاز يصارع من أجل البقاء فترة السبعينات وحتى منتصف الثمانينات، إلى أن تحول لجزء من الماضي يندر وجوده داخل البيوت، وأخته الصغرى (السِبِرْتايَة) التي تستخدم لتسوية القهوة لحقت بالبابور في رحلة الاندثار، وبدأت تختفي محلات ومهنة تصليح بوابير الجاز.
البوتجاز بدأ مسطحا وارتبط استخدامه بأسطوانة الغاز، ونظر له الناس في البداية بحذر وخوف بسبب ما كانوا يسمعونه من حوادث الحرائق التي يتسبب بها انفجار أسطوانات الغاز، وحالات الاختناق من تسرب الغاز، وكانت “نينة زكية” أكبر سيدات البيت سنا التي لم ترزق بأولاد، وكانت تعتبرني ابنها الذي لم تلده، كانت آخر مَنْ أدخَل البوتجاز لبيتها خوفا من مخاطره، وكانت تسمي أسطوانة الغاز (بُمْبَّة) مثل الكثيرين من أبناء ذلك الجيل، وتسمية أسطوانة الغاز بالبُمبَة (قنبلة) يحمل معنى قابلية الانفجار.
ما قبل البوتجاز لم يكن بابور الجاز فقط أداة للطبخ، بل كان أداة لغلي الملابس التي توضع في إناء معدني كبير مغموس في الماء ومضاف إليه مساحيق الغسيل وأشهرها “رابسو”، وتقلبه ست البيت بعصا خشبية مخصصة لهذا الغرض تحديدا، وتتخذ اسمها من وظيفتها (عصاية الغَلِيَّة)، وأحيانا تتعدى وظيفة تقليب الغسيل وتتحول لأداة تأديب أو تهديد للأبناء. وبعد الغلي والتقليب ينتقل الغسيل ومعه الماء المغلي من الوعاء المعدني الأسطواني العميق إلى الوعاء المعدني الدائري المسطح (الطِشْط)، لتبدأ مرحلة دعك الملابس يدويا.

هذه العملية الشاقة المؤلمة تحولت في عصر التليفزيون فيما بعد إلى مشهد من مشاهد الإغراء، وارتبط في ذهن الأجيال الجديدة بـ”نانسي عجرم”.!
كان بابور الجاز النحاسي رفيق ليالي الشتاء في الحمام، فكان بديل السخان لتسخين المياه في الحمام، وكان بديل أدوات التدفئة في تدفئة الهواء داخل الحمام، تسبقنا الأم بتشغيل البابور في الحمام، تضع قليلا من الجاز على الفتيل، وتشعل فيه النار، وتضغط مكبس الهواء ليضخ مزيدا من الوقود من خلال فونية البابور في أعلاه، وتقوم بتسليك ثقب الفونيا بإبرة التسليك إذا لزم الأمر، وهي عبارة عن سن معدني في دقة الإبرة متصل عموديا بيد معدنية مسطحة، وعلى السطح المعدني المرتكز على الجزء العلوي الملوي من الثلاثة أرجل المحيطة بالبابور توضع الحلة، ويبدأ الماء في الغليان ويتعبأ المكان بالبخار، وحينها تبدأ الرحلة الجميلة بصحبة البابور في الحمام، رحلة ننعزل فيها عن العالم الخارجي، كان صوت بابور الجاز يصنع عالما خاصا داخل الحمام، فبتأثير صوت البابور داخل حيز مغلق يشعر الإنسان أنه انعزل عن العالم الخارجي، ومع غلبة صوت البابور على أي أصوات خارجية، يشعر الإنسان شعورا زائفا بأن صوته هو الآخر سينعزل عن الخارج، فيبدأ بالغناء، ومع الاندماج يتخيل أنه في دار الأوبرا في وصلة أوبرالية، ويعيش الدور ويندمج، ويصحو من اندماجه على طرقات على الباب تنبهه لانتهاء المدة المسموحة له، والمقسمة بينه وبين إخوته في ذات الليلة، وأحيانا تأتيه طرقات من الحائط المشترك مع الجيران تنبهه أن صوته صار عابرا للشقق.
ويوم عمل السمك المشوي يوم مشهود، توضع صفيحة الشوي فوق البابور، وهي صفيحة معدنية رقيقة نوعا ما ومخصصة فقط لشوي السمك، تضع أمي السمك الحي داخل وعاء بلاستيك وتملؤه بالماء ونحن الصغار نستمتع بحركة السمك داخل الوعاء، وبعد تسخين صينية الشوي فوق البابور تمسك أمي السمكة الحية وتستخرجها من الوعاء وتقلبها داخل طبق مليء بالردة (النخالة)، وتقلبها ظهرا لبطن لضمان تغطية سطح السمكة بالردة، ثم تضعها على صفيحة الشوي، والسمكة تتقلب حية وتلعب بذيلها لثواني فوق الصفيحة حتى تستسلم لقدرها، وأحيانا تثبت على وضع ذيلها الملوي للأعلى، ويتصاعد بخار كثيف يعبئ البيت كله وينتشر عبر الشبابيك لبيوت الجيران، ومع طبق السمك البلطي المشوي، طبق “أم الخلول”، ويصاحبه خلطة بالطحينة يسميها أهل إسكندرية في ذاك الزمان (الحِبَاش).
بدأ البوتجاز مسطحا، ثم تطور بوجود فرن، ومع وجود الفرن داخل البيت بدأت تتغير تقاليد صنع كعك العيد، كانت سيدات البيت يجتمعن في آخر أيام رمضان في جلسات جماعية لعمل كعك العيد، ومع بواكير فجر العيد يكون العجين المزركش والمحشو بالعجوة والملبن مرصوصا في الصواني المعدنية السوداء المستطيلة (الصاجات) ومحمولا على الرؤوس نحو فرن على جانب بيتنا في الضلع المطل على شارع “انسطاسي” بجوار “فُلَّة” الخردواتي.
كان في الفرن زمان شاب اسمه “شلاطة” كان وديعا بالنهار وشيطانا بالليل، في بعض الليالي كان يتعاطى الخمر، وبعد أن تدور الخمر برأسه يخرج في سكون الليل إلى الشارع الخالي من المارة، ممسكا حديدة بيده، ويضرب بها شريط التورماي فتنطلق شرارة احتكاك المعدنين، وتنطلق معها صيحة “شلاطة”: (أنا جدع)، كان “شلاطة” في حالة وداعته بالنهار يمارس عمله في الفرن وكان يتبع تقليدا أراه الآن غريبا بعكس ما كنت أراه أمرا اعتياديا فيما مضى؛ كنت أقف في الصباح الباكر في طابور الانتظار أمام الفرن لشراء العيش الفينو الساخن لزوم الإفطار ولزوم سندويتش المدرسة، أقف في الطابور وأراقب الحركة الآلية المتتابعة من عجن وتشكيل ورص في الصواني وحتى خروج الصواني من الفرن، وفي المرحلة قبل الأخيرة قبل وصول المنتج للزبون الواقف في الطابور، يقوم الفران “شلاطة” برشف جرعة من الماء وتكويرها داخل فمه ثم رشها بحركة لولبية تضمن توزيع رشة الماء الجريئة الخارجة من فمه على أسطح العيش الساخنة، ثم يعيد الصينية للفرن لمدة دقيقة واحدة ثم يخرجها جاهزة للبيع للزبائن، وسر هذه الرشة المائية أنها تزيد احمرار وتحميص الوجه العلوي من الرغيف، وكلما أتذكر هذا المشهد أتعجب من تقبلنا له في حينه، واعتباره أمرا عاديا، ولكن تكرار العمل ثم الاعتياد عليه حتى لو كان قبيحا، ثم انتشار قبوله بالعدوى بين معظم الناس، له تأثير سحري في قبول ما لا يمكن قبوله.
نينة “زكية” التي ارتبطت في ذهني مع التغيرات الاجتماعية التي أحدثها دخول البوتجاز للبيوت، لم يكن اعتبارها “محمودا” ابنا لها لم تلده ناشئا من فراغ، فقد كان الطفل يبادلها حبا بحب، ويشعر معها بحنان الجدة، ويجالسها ويسلي وحدتها في شقتها، وتحادثه كما لو كان في مثل سنها، ويلبي طلباتها من السوق، وكانت حين تناديه من شباك الحوش الذي يعلو شباك شقته مباشرة يلبي النداء دون تردد، كانت تعطيه كاسارولة ألومنيوم في الصباح ليشتري لها فولا من عند المحل القريب من تقاطع باب الكراستة مع السبع بنات وبجوار محل ميشيل الحلاق، ودايما تقول له: (ماتنساش يا حودة تقوله يتوصى).
لم يكن لنينة “زكية” وريث سوى زوجها ولم تكن تملك من حطام الدنيا سوى صيغتها (ما تتزين به من ذهب)، وقد أوصت زوجها ألا يبخل عليها بكفن وقبر وعزاء يليق بها، و كانت نينة “زكية” التي أمضت مع زوجها نحو خمسين عاما وجها لوجه يؤنس بعضهما بعضا، مسكونة بخوف أن يتزوج عم “سليمان” بعد وفاتها، وكانت دائما تحدث أمي عن هذا الهاجس، ومثلما يقول المثل الشعبي: ( اللي يخاف من العفريت يطلع له)، فبعد وفاتها بنحو ثلاثة أشهر تزوج عم “سليمان”، وهو الآخر لم يمهله القدر طويلا ولحق بزوجته الأولى بعد ستة أشهر من زواجه الثاني، أما أبلة “انشراح” الضيفة الجديدة على مجتمع سيدات بيت الأميرة شهرزاد، فكانت وقت زواجها مطلقة في منتصف الأربعينات ولا تنجب، وكانت ضحكتها المجلجلة تخترق جدار الهدوء الذي كان سمة من سمات البيت، وكان صوتها العالي وضحكتها المثيرة مثار انتقاد دائم لها من الجيران، ولم تدم ضحكتها طويلا، فقد داهمها المرض، وتبدل نقد السكان لها إلى تعاطف، ومن تعاطف إلى رعاية، ومن رعاية وعناية إلى تكافل لتغطية نفقات علاجها، ومع رحيل معظم سيدات الرعيل الأول للبيت تحملت والدتي العبء الأكبر في رعايتها حتى توفيت على صدر أمي قبل سنوات.
في بيت عم “سليمان” كانت آخر سهرة يقضيها والدي “أبو محمود” مع عم “سليمان”، في جلسة ملؤها المرح، وفي اليوم التالي مباشرة، وبدون مقدمات، أسلَمَ “أبو محمود” روحه الطاهرة إلى بارئها، وعمره خمسة وأربعون عاما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى