تقارير وملفات إضافية

من استفاد من الأزمة.. قائمة الرابحين والخاسرين من مقتل سليماني

لم تنتهِ بعد تداعيات أزمة مقتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني التابع للحرس الثوري، ولكنه يمكن مبدئياً تحديد قائمة للرابحين والخاسرين من مقتل سليماني.

فمازالت الأحداث قابلة للتطور، وقد يكون هناك مكاسب حققتها قوى من الأزمة قد تنقلب إلى خسائر مع تغير مسار الأحداث. 

مع أنه مازال من المبكر التكهن بمسار الأزمة وتطوراتها، إلا أنه حتى الآن فإن من يتصدر قائمة الرابحين من مقتل سليماني هو إيران نفسها.

جاء مقتل سليماني في وقت يواجه فيه قادة النظام أزمة حادة سواء في الداخل الإيراني أو في مناطق نفوذها في العالم العربي.

فبعد أن بسطت طهران سيطرتها بواسطة ميليشياتها على أربع دول عربية، وهي العراق ولبنان وسوريا واليمن، جاءت العقوبات الاقتصادية الأمريكية لتفرض ضغطاً غير مسبوق على اقتصاد البلاد، ثم انفجر الحراك في العراق ولبنان، والذي كان في الحالة العراقية موجهاً بشكل مباشر للنفوذ الإيراني، ثم لم يلبث أن انتقل الحراك للداخل الإيراني ذاته بسبب ارتفاع الوقود، حيث قمعه النظام بقسوة شديدة، ولكن هذه القسوة لم تنفع في العراق.

الآن توارت هذه الاحتجاجات خلف صيحات طلب الثأر لسليماني، واستعادت روح الثورة الإيرانية عنفوانها من جديد.

ولكن يظل مقدار مكاسب وخسائر إيران متوقفاً على سلوكها.

فلو اكتفت بالانتقام الهزيل الذي تم أمس الأول عبر قصف قاعدتين أمريكيتين تلقى جنودهما تحذيراً مسبقاً مكنهما من الاختباء في الحصون والصحاري المحيطة، فإن المكاسب الإيرانية ستتراجع وهيبتها ستتهدد، حتى لو كانت الأوساط الشيعية وبعض مؤيدي إيران يصدقون أن الهجمات قتلت 80 أمريكياً.

كانت إيران بالنسبة لدول المنطقة مارداً غامضاً، ولكن لو اكتفت بالرد الأخير الذي قال عنه وزير الخارجية الإيراني إنه نهاية رد بلاده، فإن  هذا سيؤدي لتآكل قدرات الردع الإيرانية ليس فقط ضد الولايات المتحدة بل ضد دول الخليج أيضاً.

والعكس يمثل خطراً أكبر أيضاً، فمن شأن رد إيراني واسع النطاق ومحرج لإدارة ترامب أن يورط إيران في حرب لا قبل لها بها مع الولايات المتحدة الأمريكية.

تحتاج إيران رداً قوياً وفي الوقت ذاته ملتبساً، لكي يتسنى لها التبرؤ وتترك مساحة تسمح بعدم التورط في معركة واسعة النطاق مع الأمريكيين.

من المبكر تحديد حجم مكاسب وخسائر الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن أكبر مكاسب الولايات المتحدة هو ترميم منظومة الردع الأمريكية.

فعندما جاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرئاسة نظر إليه على أنه رئيس مجنون يمكن أن يشعل حرباً عالمية، وكانت هذه نقطة لصالحه، لأنها تجعل أعداءه يخشون الاشتباك معه خوفاً من جنونه المزعوم.

ولكن عدداً من الأحداث أثبتت أن ترامب رجل سلام، بل إنه الرئيس الأمريكي الذي لم يخض حربه الخاصة حتى الآن.

وفي كوريا الشمالية كانت بداية تآكل الردع الأمريكي،  فبعد أن تبادل التهديدات بالزر النووي مع زعيم كوريا الشمالية، أصبح الرجل صديقه الحميم دون أن تحصل الولايات المتحدة في المقابل على تنازلات ذات قيمة من بيونغ يانغ.

وجاء الموقف الحاسم الذي أظهر للإيرانيين أن ترامب لا يحب التورط في الحروب عندما أسقطت إيران طائرة أمريكية مسيرة باهظة الثمن، وخرج ترامب ليعلن أنه كان قد قرر توجيه ضربة انتقامية لمواقع عسكرية إيرانية، ولكنه أوقفها حتى لا يسقط قتلى في الهجوم.

منذ تلك اللحظة ازداد التجرؤ الإيراني على ترامب في مواجهة عقوباته الاقتصادية، بدا للإيرانيين وللعالم أن ترامب تاجر ماهر يريد أن ينسحب من منطقة الشرق الأوسط المزعجة، ولا يريد توريط جيشه في الحروب.

في بيئة عدوانية كالشرق الأوسط سمعتك كرجل سلام ليست أمراً جيداً بالضرورة بل إنها تجرئ الخصوم.

والآن أعاد ترامب بناء معادلة الردع مع إيران، وأصبح الإيرانيون لا يعرفون حدود الغضب الترامبي بعد رده غير المتناسب تماماً على الهجوم على القاعدة الأمريكية بشمال العراق، وحصارهم للسفارة الأمريكية في بغداد.

ولكن هذا المكسب الذي يكاد يكون وحيداً مازال معلقاً إلى حين تبين الرد الإيراني النهائي وكيفية تعامل ترامب معه. 

ولكن في المقابل، فإن هناك أضراراً عديدة تهدد ترامب.

أبرز هذه الأضرار أن إيران خصم الولايات المتحدة العنيد كانت تحشر في العراق عبر الحراك الشعبي دون جهد أمريكي، أما الآن فقد أعادت الولايات المتحدة توجيه بوصلة العداء الشعبي العراقي إليها، وأبعدتها عن إيران، وهي خدمة جليلة قدمها ترامب لخامنئي.

كما أن الوجود الأمريكي في العراق أصبح احتمال التعرض لأعمال عدائية، ولاسيما من قبل الشيعة، وتدريجياً يمكن أن يصبح احتلالاً رسمياً لو أصرت الحكومة العراقية على انسحاب القوات الأمريكية ورفضت واشنطن ذلك.

وفي الداخل الأمريكي، أدى تهور العملية والشكوك حول الأدلة المحيطة بها إلى إعادة الجدل حول السلطات الممنوحة للرئيس الأمريكي في مسألة الحرب، ويبدو أن المشرعين الأمريكيين، وخاصة الديمقراطيين، قلقون من ترك سلطة واسعة كهذه في يد رجل لا يمكن التنبؤ بتصرفاته ويسير خلف غرائزه.

والأهم أنهم قلقون من أن طريقة اتخاذ القرارات تبدو شخصية للغاية وتبتعد تدريجياً عن الطابع المؤسسي الذي يميز الولايات المتحدة الأمريكية.

وقالت نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأمريكي، أمس الأربعاء، إن المجلس سيجري تصويتاً على مشروع قانون يهدف للحد من أعمال الرئيس دونالد ترامب العسكرية فيما يتعلق بإيران، مشيرة إلى أن القلق إزاء استراتيجية الإدارة وقراراتها ظل قائماً بعد إفادة قُدمت للنواب.

ومن المرجح أن يمر مشروع القانون عبر مجلس النواب الذي يهيمن عليه الديمقراطيون، لكن مروره في مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه أعضاء الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب ليس مؤكداً.

تبدو روسيا مستفيدة مما يحدث، فكل خسارة لأمريكا هي مكسب لموسكو، وبالتالي فإن توتر علاقة واشنطن مع الشيعة العراقيين وإيران تعزز مكاسبها خاصة لو انسحبت واشنطن من العراق، في وقت تحتفظ فيه روسيا بعلاقة تحالف وثيقة مع الرئيس السوري بشار الأسد وعلاقة قوية مع إيران، ولكنها لا تصل للتحالف (يمكن تسميتها بعلاقة حليف الحليف).

ويتكهن بعض المحللين بأن موت سليماني سيؤدي إلى تمكين روسيا في المنطقة، في ظل حقيقة أن سليماني كان له تأثير كبير على الرئيس السوري بشار الأسد الذي يوصف أحياناً بقائد الجناح الإيراني في النظام السوري.

ويتوقعون أن اختفاء سليماني واهتمام خلفه بالوضع في أفغانستان وباكستان أكثر من الشرق الأوسط سيؤدي إلى تراجع النفوذ الإيراني في سوريا لصالح موسكو.

تبدو تركيا هي إحدى الدول القليلة  التي تحتفظ بعلاقة وثيقة مع الولايات المتحدة وإيران معها رغم وجود خلافات وتوترات شديدة مع الدولتين في الوقت ذاته.

وأنقرة كانت دوماً من أكثر المتضررين من الخلاف الأمريكي الإيراني، ولاسيما العقوبات الاقتصادية على طهران، في ظل ضخامة التبادل التجاري التركي مع الأخيرة.

ولكن في الأزمة الأخيرة تبدو أنقرة مستفيدة من لفت النظر بعيداً عن تدخلها في ليبيا، كما أنها يمكن أن تلعب دوراً مهماً في الوساطة للتهدئة بين البلدين، كما أن الضغوط التي تتعرض لها القوات الأمريكية في العراق تزيد من أهمية قاعدة إنجرليك التي تستخدمها القوات الأمريكية في تركيا، وهي إحدى وسائل الضغط التي تلوح بها أنقرة في خلافاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية.

بلا شك فإن  أكبر الخاسرين من مقتل سليماني هو الحراك في لبنان، والعراق، وأغلب أعضاء القائمة الآخرين هم من دول عربية أخرى.

كان أخطر ما في احتجاجات العراق بالنسبة لإيرانً أنها  جاءت من قبل الأغلبية الشيعية، والتي كانت إيران تتلاعب تقليدياً بمشاعرها وإحساسها بالمظلومية لجذب ولائها، ولكن هذه المرة جاءت مظلومية شيعة العراق ضد إيران ووكلائها المحليين الذين يتولون الحكم.

والأرجح أن الأزمة التي تسببت في مقتل سليماني جاءت في الأصل في إطار مغامرة إيرانية لإضعاف الحراك عبر قيام ميليشيات عراقية موالية لإيران بقصف قاعدة في شمال العراق، مما أدى إلى مقتل متعاقد أمريكي، الأمر الذي دفع واشنطن لقصف قواعد لحزب الله العراقي، مما أدى لمقتل عدد كبير من أعضائه، فقام أنصار إيران بمحاصرة السفارة الأمريكية، وعقب ذلك قامت الولايات المتحدة بقتل سليماني، ثم قالت إنه كان يمثل تهديداً وشيكاً على المصالح الأمريكية.

ويبدو أن ما أراده سليماني قد تحقق، ففي ظل شعارات الانتقام المرفوعة في جنائزه المهولة اختفى الحديث عن الحراك العراقي،  الذي أصبح أكبر ضحايا مقتل سليماني، ولو حاول الحراك رفع صوته مجدداً فإنه سيتهم بأنه عميل للولايات المتحدة.

فالعراق وحراكه هم أكبر الخاسرين من مقتل سليماني.

ينطبق الأمر أيضاً على الحراك اللبناني، الذي كان يواجه سلطة طائفية متفتتة شكلاً، ولكنها محمية وخاضعة لحزب الله مضموناً.

والآن مع تأزم الوضع في الشرق الأوسط، أصبح أقصى ما يتمناه اللبنانيون ومنهم النشطاء من حزب الله ليس أن يسمح لهم بتشكيل حكومة تكنوقراط مستقلين تحارب الفساد، بل عدم توريط بلادهم في حرب كبرى بسبب مشاركته في الانتقام لخامنئي.

كما أن احتمال حصول لبنان على معونة دولية بموافقة أمريكية سعودية تزداد صعوبة مع تصاعد التوتر الأمريكي الإيراني.

لم تظهر بعد تداعيات مقتل سليماني على دول الخليج العربية، ولكن الأرجح أن تكون من أكبر المتضررين من مقتل سليماني، خاصة إذا اكتفت إيران بردها المحدود الأخير.

فمع تآكل هيبة الردع الإيرانية، فإنها لن تجد مكاناً أنسب من ترميمها عبر استهداف خاصرة أمريكا الضعيفة، وهي  دول الخليج العربية، لاسيما الإمارات والسعودية اللتين تناصبان طهران العداء.

بالنسبة لإيران فإن التجربة أثبتت أن ترامب لا يهم بالمسارعة للرد على أي تحرشات إيرانية بدول الخليج، وبالتالي فإن هجمات على أهداف خليجية يمكن أن تزعم إيران لأتباعها أنها جزء من الانتقام لسليماني، مع ثقتها بأن أمريكا لن ترد، خاصة بعد أن قال ترامب في معرض كلامه عن الأزمة إن أمريكا لم تعد تحتاج إلى الخليج.

وقد يكون رد ترامب على تحرش إيراني بدول الخليج مزيداً من صفقات السلاح المليارية.

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى