ثقافة وادب

من أنفاق مبانٍ حدودية وبالسباحة في الجليد.. كيف هرب سكان ألمانيا الشرقية إلى الغرب بعد بناء سور برلين

قبل تسعة أيام من اختفائها
ظلَّت إيدا سيكمان مختبئةً في منزلها  لعدة أيام، إذ كان العمال قد أغلقوا
الحدود المؤدية إلى بلدها في ساعة متأخرة من الليل، وأغلقت الشرطة مداخل ومخارج
منزلها والشوارع المؤدية له.

لم ترتكب إيدا أي جريمة، كل
ما اقترفته أنها كانت موجودة في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، كان ذلك في أغسطس/آب
من العام 1961.

وشقة إيدا تقع في المنطقة
التي أصبحت تابعةً لبرلين الشرقية، فيما أصبح الشارع، بما فيه الرصيف أمام مدخل
المبنى، جزءاً من برلين الغربية. 

أرادت إيدا الخروج من
المنزل، هداها تفكيرها إلى فعل واحد، أن تلقي الشراشف ثم تلقي بنفسها لتهرب، فارقت إيدا الحياة في
طريقها إلى المستشفى، لتكون أول ضحية تسقط على أعتاب جدار برلين.

بين العامين 1961 و1989، أقدم الآلاف من الألمان الشرقيين على اجتياز المعابر التي أصبحت تفصلهم عن مدنهم فجأة، وفي ظل أوضاع خطيرة تمكن 5 آلاف ألماني من العبور، في ظروف قد تبدو أشبه بالعمليات الانتحارية حسب موقع History .

بدأت الأزمة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في العام
1945، حين قسمت ألمانيا إلى أربع مناطق محتلة بحسب اتفاقية «يالطة»،
كانت الدول المحتلة هي الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي، والمملكة
المتحدة وفرنسا، وكانت هذه الدول المتحكمة والمديرة للمناطق المحتلة من ألمانيا.

قسمت برلين، العاصمة
السابقة للرايخ الألماني إلى أربع مناطق أيضاً، وفي العام 1949 بعد قيام جمهورية
ألمانيا الاتحادية (ألمانيا الغربية) في المناطق المحتلة من قبل الولايات المتحدة
الأمريكية، والمملكة المتحدة وفرنسا، وقيام جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا
الشرقية) في المنطقة المحتلة من قبل السوفيت، والذين كره الألمان حكمهم الذي
عرَّضهم للقمع الشديد، حينها بدأ العمل على قدم وساق على حدود كلا البلدين
لتأمينها، ببناء سور برلين. 

بدأ انتقال أعداد
متزايدة من مواطني ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية عبر برلين، لأن الحدود
فيها كانت تمر وسط الأحياء الرئيسية في المدينة، ما يجعل مراقبتها مستحيلة.

تم بناء الجدار بطول
155 كم، 43 كم قطعت برلين من الشمال إلى الجنوب، بينما عزلت 122 كم برلين الغربية
عن باقي أراضي ألمانيا الشرقية.

بحلول شهر أغسطس/آب من
العام 1961، أصدر المسؤولون قراراً مفاجئاً بغلق الحدود، كان يغادر برلين ما يُقارب 1700 شخص يومياً، ويلتمسون اللجوء
بمجرد وصولهم إلى غرب البلاد.

في البداية استخدم الناس
البنايات الحدودية مثل مبنى إيد، الذي كان له أبواب ونوافذ تفتح على برلين
الغربية، للهروب إلى الغرب.

وسرعان ما أقامت السلطات
حواجز أكثر ثباتاً في برلين، كان الحاجز البالغ  طوله 27 ميلاً يتكوَّن من
جدارين، تتوسطهما منطقة محظورة، تُعرف باسم «ممر الموت«.

 تتحرك دوريات حراسة
من القوات الألمانية الشرقية بانتظامٍ عبر الجدار المحفوف بالألغام الأرضية، وكلاب
الحراسة، والأسلاك الشائكة، مستعدين لإطلاق النار وقتل أي من الهاربين المحتملين،
ليروِّعوا معظم سكان برلين الشرقية ويجبروهم على البقاء.

لكن البعض كانوا عازمين على
المغادرة مهما كلَّف الأمر، فبعد يومين من بناء الجدار، اختطف مهندس اسمه هاري ديترلينغ قطاراً بخارياً، وقاده عبر المحطة الأخيرة
في برلين الشرقية ناقلاً 25 راكباً إلى الغرب، مما استدعى تغييراتٍ عظيمة طرأت على
خطوط السكك الحديدية لمنع تكرار الحادثة. 

فيما سرق جندي آخر دبابة
وقادها، مُخترقاً الجدار نفسه ليهرب إلى الغرب، لينجو من السوفيت.

اعتُبرت الأنفاق أسلوباً
آخر جريئاً للهروب، وساعد السكان من كلا الجانبين في حفرها، حتى إن بعض الأنفاق
تركت غير مكتملة بسبب القبض على العاملين بها والوشاية بهم، أو بسبب الظروف
المحيطة الصعبة، ولم يُستكمل سوى القليل منها. 

وفي عام 1962، تلقّت جماعة
من الطلاب في ألمانيا الغربية، بمساعدة لاجئ من ألمانيا الشرقية، تمويلاً من هيئة
الإذاعة الوطنية «NBC» لحفر نفق، واعتزمت شبكة NBC بث برنامج خاص يتناول
النفق والهاربين، كجزءٍ من الصفقة.

وبفضله استطاع 29 فرداً
الفرار عبر النفق قبل اكتشافه، وكان مقرراً أن يُبث فيه الفيلم الوثائقي «النفق-The
Tunnel»
في أكتوبر/تشرين الأول عام 1962، لكن تأجَّل موعد البث بعد تعرض شبكة NBC لضغوطٍ لوقف تصعيد
التوترات مع الاتحاد السوفيتي.

ومن نفق آخر تمكن 57 شخصاً
من الهرب، بعدما أصبح طلاب الجامعات هم الأكثر أقداماً على حفر الأنفاق ليساعدوا
المواطنين على الهرب.

شكَّل اليأس دافعاً
للإبداع، إذ بذل الألمان كل جهدهم لخلق وسائل الهرب، فسبَح بعضهم عبر قناة تيلتوف الباردة، التي فصلت
براندنبورغ، الولاية التابعة لألمانيا الشرقية، عن برلين الغربية.

ورغم محاولات البعض التي
نجحت في الفرار، ثمة محاولات أخرى لغيرهم لم يحالفهم الحظ، فاستناداً إلى ما كُتب على نصب جدار برلين
التذكاري
، مات
140 فرداً عند جدار برلين، أو قتلوا عند الحدود. 

ولقى 251 مهاجراً مصرعهم
أثناء المرور عبر نقاط التفتيش الحدودية أو بعد اجتيازها، فضلاً عن وجود
«أعداد غير معروفة ممَّن عانوا وماتوا كَمداً ويأساً مما لاقوه في حياتهم
نتيجة بناء جدار برلين».

في أغسطس/آب عام 1989،
أصبحت عائلة سبيتزنر آخر سكان شرق ألمانيا الذين فرُّوا هاربين عبر
الجدار. وبعد ثلاثة أشهر، أثارت الاحتجاجات الموسَّعة المُطالبة بالديمقراطية إلى
جانب حالة الالتباس والفوضى بين المسؤولين في ألمانيا الشرقية، اندفاعاً على
الحدود والجدار الذي قسَّم برلين منذ ما يقرب من 30 عاماً. 

فُتِحَ الجدار نهائياً في 9
نوفمبر/تشرين الثاني عام 1989، واتَّحدت ألمانيا مُجدداً في العام 1990. 

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى