كتاب وادباء

مفهوم ( الاستعمار) بين ” الغزالي ” و” غليون ” .

مفهوم ( الاستعمار) بين” الغزالي ” و” غليون ” 

بقلم الأديب والمحلل السياسى 

السعيد الخميسى

السعيد الخميسى  

* أود البدء بالتذكير بأن إستراتيجية” الاستعمار”  طويلة المدى لم تعد هى كما كانت من ذي قبل لأنهم تلقوا الدرس جيدا فى الصومال وأفغانستان والعراق ودول أخرى كثيرة . ففكرة حشد القوات والمعدات لغزو دولة واحتلال أرضها برا صار أمرا شاقا وعسيرا وفاشلا . جلس القوم ودبروا وفكروا وخططوا ووصلوا لفكرة ” الاستعمار بالوكالة ” أي تقوم هذه الدول الاستعمارية بزرع أنظمة فاشلة عميلة فى منطقة الشرق الأوسط تدين بالولاء لها وليس لشعوبها . وتبقى  المنطقة تحت الاحتلال المحلى فلاهي محررة ولاهي محتلة احتلالا أجنبيا . وتبقى أوطاننا فى غرفة الإنعاش ممددة على سرير الموت , فلاهي تصحو وتستيقظ وتتقدم ولاهي تموت فتستريح . وتحرص تلك الدول على أن  ألا يصل الوضع لحد الانفجار حتى لاتتمكن شعوبنا من العيش تحت أنظمة ديمقراطية حرة . العدو الأول والأكبر هو جهل وعدم وعى الشعوب فيما يخطط لها من مؤامرات لأنها غارقة حتى أذنيها فى البحث عن لقمة العيش فى بيداء الحياة  القاحلة .

* يقول الشيخ الغزالي رحمه الله متحدثا عن الاستعمار الداخلي ” إن الاستعمار الثقافي حريص على إنشاء أجيال فارغة, لاتنطلق من مبدأ ولاتنتهي لغاية, يكفي أن تحركها الغرائز التي تحرك الحيوان, مع قليل أو كثيرمن المعارف النظرية التي لا تعلو بها همّة ولا يتنضّر بها جبين . و أغلبشعوب العالم الثالث من هذا الصنف الهابط  .”إن الإمام الغزالي رحمه الله  حدد سلوك الاستعمار الداخلي المتمثل في تبديل فطرة الإنسان، وإماتة الدين وجعله غير موصول بكرامة الإنسان، بل أصبح الدين في نظرهم عدوًا للحقوق الفردية والاجتماعية والسياسية المقررة بالفطرة. وكان الغزالي يعتبر أن الاستعمار الداخلي البوابة الكبرى التي مهّدت للاستعمار الخارجي وسلمت الشعوب لقمة سائغة للغزاة الذين استولوا على مقدرات أمتنا العربية والإسلامية عبر وسيط داخلى .

   * ثم يلخص الإمام الغزالي ملامح وخصائص الاستعمار الداخلي فى الانحراف عن فطرة الإنسان التي فطره الله عليها، والمتمثلة في الكرامة والحريات الثلاث : الفردية والاجتماعية والسياسية . وانحراف المصلحة لتكون في خدمة فئة خاصة دون بقيّة الناس . و إعادة تكوين الأجيال الجديدة وفق تربية تقبل بالأوضاع الذليلة. أما السبيل لمواجهة هذا الاستعمار الداخلي عند الغزالي فهي: العدالة الاجتماعية، والديمقراطية السياسية , ضمانٌ لتكوين البيئة الحرة، وتنشئة الأفراد على الاستقلال الذاتي، وتعشُّق الحرية الكاملة، ورفض العبودية، إلا لله وحده . ثم يقول إنّ بلدان العالم الثالث عندما انتهت من حقبة الاستعمار لا ينُظر إليها على أنها استقلت ونالت حريتها بالفعل، فقد ضمن الاستعمار وجود نخب حاكمة تخدم مصالحها الاستعمارية بعد رحيلها، وهذه النخب من إنتاج ثقافة المستعمر، وبالتالي لا تُعبر عن إرادة هذه المجتمعات التي أرهقها الاستعمار الخارجي لتدخل من جديد في استعمار داخلي بواسطة هذه النخبة السياسية المتغربة.

* أما ” برهان غليون ” وهو مفكر فرنسي سوري وأستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر بجامعة السوربون بفرنسا والمولود فى العام 1945م  فى مدينة حمص من أسرة عربية سنية والذي هاجر إلى فرنسا منذ عام 1969م  فيقول فى كتابه “بيان من أجل الديمقراطية ” الصادر في عام 1978م أن الاستعمار الخارجي قد خلّف من بعده الاستعمار الداخلي ، وأنّ هذا الاستعمار الداخلي قد أدى إلى تبعية أخرى أعمق من سابقتها وذلك بسبب الطبقية وحكم الأقلية، إنّه يعتبر الحركة القومية حركة طبقية ، سعت لتحرر كامل لفئة قليلة وتقهقر شامل لبقية الفئات الاجتماعية . ومن هنا نجد  أن “غليون ” و ” الغزالي ”  يتفقان  على أن الحكم استأثر به فئة قليلة مقارنة ببقية الناس . وكلاهما يتحدث عن علاقة متشابكة بين الاستعمار الداخلي والاستعمار الخارجي .

*  ثم ينتقد ” غليون ” موقف المثقفينالعرب من عدم إدراكهم بُعد التحرر السياسي الواجب في نهضة الأمة , ويسرد غليون تحليلًا مطولًا لكيفية تكوُّن هذه الأقلية الحاكمة، ، فلكي تضمن استمراريتها (أي النخبة الحاكمة) اقتضى ذلك تقسيم الأمة وهدمها وتبعيتها بدل توحيدها وبنائها واستقلالها . وعملت لأجل التفكك الثقافي والتحلل المطلق من المبادئ والقيم، وتفقير الأغلبية. وهكذا خلقت هذه النخبة مجتمعين: فئة متغربة نحو الغرب، وفئة منكفئة نحو الماضي . ويعتبر أنّ هذه النخبة عملت على هدم المعاني التقليدية المتمثلة بروح الأخوة التقليدية القديمة بين الطوائف والجماعات والأفراد حتى لم يبقَ سوى سلوكيات العداء والتناحر والتنافس والصعود على ظهر الآخر، “ وبدل أن تزدهر الروح القومية الزمنية المدنية العصرية؛ تحولت الروح الدينية السمحاء بالعكس إلى روح طائفية تعصبية ضيقة أو إقليمية أو عشائرية.

* إنّ الشيخ ” الغزالي ” وعالم الاجتماع السياسي البروفسور ” غليون ” يتفقان  إلى حدٍ كبير حول مفهوم الاستعمار الداخلي . حيث عملت النخبة الحاكمة في الوطن العربي، بحسب ” برهان غليون” على اكتساب مشروعيتها عبر ارتباطها بالنظام العالمي ذي المصالح الإمبريالية ، فكلاهما ” أي الاستعمار الخارجي والداخلي ” عمِلا باستعلاء وجبروت على تقسيم خيرات الأمة ونهبها  وإفقارها وتخلفها ، والتصرف بمصائر الشعوب دون أي اعتبار أو احترام  لهم . فوقعت الشعوب ضحية بين أنياب الذئب الخارجي ومخالب القط الداخلي .  مما سبق ذكره يتضح لنا أن الاستعمار الخارجي ماكان له أن يرحل عن أوطاننا إلا بعد أن دق وثبت أوتاد الاستعمار الداخلي فى باطن تربتنا حتى نظل قابعين فى قاع كهف التخلف والفقر والمرض والرجعية وحكم الأقلية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى