ثقافة وادب

معركة تالاس: حين أنهى المسلمون النفوذ الصيني في آسيا الوسطى

في
7 سبتمبر/أيلول من عام 2013، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ من داخل حرم
جامعة  نزارباييف في كازاخستان عن تبني دولته لمبادرة “الحزام
والطريق” وهي المبادرة التي قامت على أنقاض طريق الحرير القديم الذي اكتشفه السيد تشانغ
تشيان مبعوث الإمبراطور السابع لمملكة هان الغربية خلال عام 138 قبل الميلاد.

أعادت هذه المبادرة إلى الأذهان
ذكرياتٍ من زمنٍ بعيد حيث كان طريق الحرير مسرحاً للكثير من الأحداث التاريخية
التي غيرت وجه العالم؛ فعلى سبيل المثال وخلال منتصف القرن الثامن عشر كانت آسيا الوسطى عبارة عن فسيفساء تتغيّر قطعها باستمرار تارة من قبل القوى
الإقليمية التي كانت تقاتل دفاعاً عن السلطة السياسية والحقوق التجارية، وتارة
أخرى من بعض القوى القبلية التي كانت تبحث عن الهيمنة الدينية.

في ذلك الوقت لم يكن يدور في خلد
أحد أن معركة واحدة دارت رحاها بين المسلمين والصينيين على ضفاف نهر تالاس (تعرف
أيضاً باسم معركة نهر تالاس) في قيرغيزستان الحالية سيغير شكل تلك المنطقة للأبد
وسيوقِف التقدُّم الصيني نحو آسيا الوسطى، فكيف حدث ذلك؟

من أجل بسط سيطرتها على منطقة آسيا
الوسطى كانت إمبراطورية تانغ القوية في الصين (618-906م) تعتمد بالأساس على سلسلةٍ
كبيرة من الاتفاقيات التجارية، ومع ذلك فقد واجهت بعض الإزعاج من الإمبراطورية
التبتية القوية التي أنشأها سونغ تشان جامبو والقبائل التايلاندية
على الحدود الجنوبية للصين، كما واجهت الصين أيضاً تحديات من التوربان الهندو – أوروبيين والأتراك في الشمال
الغربي.

وبينما كانت الإمبراطورية الصينية
مشغولة بكلّ هؤلاء الخصوم ظهرت قوةٌ جديدة هي الدولة الأموية التي لم تكتف بإزعاج الإمبراطورية الصينية وإثارة القلاقل في
المنطقة، إذ امتد سلطان الأمويين إلى بخارى، ووادي فرغانة، وحتى أقصى شرق كاشغر
(على الحدود الصينية / القرغيزية اليوم).

وعلى الرغم من سيطرة الأمويين على
رقعةٍ كبيرة من آسيا الوسطى إلا أنّ قوات الإمبراطورية الصينية تحصّنت في بعض
الأماكن الاستراتيجية الهامة مثل قرغيزيا الواقعة في الجزء الشرقي من آسيا الصغرى،
ومع بداية انهيار الدولة الأموية استغلّت الصين الفرصة جيداً وتوغلت غرباً 
إذ تمكنت من السيطرة على بعض الأماكن الهامة التي كانت خاضعة للأمويين.

مع نهاية الدولة الأموية وصعود
العباسيين اتخذ الامرُ منحىً آخر، وبخلاف الأهداف العقدية، كانت آسيا الوسطى بالغة
الأهمية للدولة العباسية من الناحية التجارية بسبب طريق الحرير، وقد اندلعت شرارة المعركة بين الجانبين الصيني والعباسي في أواخر عام 750م، بسبب نزاع
محلي حدودي بين ملك فرغانة وحاكم تشاك المجاور.

فقد طلب ملك فرغانة المساعدة من
الإمبراطورية الصينية التي لبت النداء وقامت بقطع رأس حاكم تشاك، ولكن ابنه تمكن
من الهرب ولجأ للقائد العباسي أبو مسلم الخراساني الذي وجد في الأمر فرصةً كبيرة
للتخلُّص من النفوذ الصيني في المنطقة، وقد دعم الجانب العباسي قبائل الإيغور
التركيّة والإمبراطورية التبتية.

أمر الخليفة العباسي أبو جعفر
المنصور بالتحضير لحملةٍ عسكرية كبيرة في تركستان الشرقية، فتحرك الجيش العباسي بقيادة أبو مسلم الخراساني إلى سمرقند وهناك كانت قوات
الأمير زياد بن صالح تنتظره.

وفي منتصف يوليو/ تموز عام 751م،
التقى الجيش العباسي مع الجيش الصيني الذي كان يقوده قاو شيان تشى بالقرب من نهر
تالاس الذي سميت المعركة باسمه، واستمرت الاشتباكات بين الجيشين مدة خمسة أيام.

وبحسب المصادر الصينية فقد كان عدد المحاربين الصينيين حوالي 30 ألف مقاتل في حين أن
المصادر العربية تقول أن عدد جنود الجيش العباسي فاق 100 ألف مقاتل، لكن في
النهاية لم يُسجَّل العدد النهائي للمحاربين بسبب انضمام بعض الأطراف للجانبين
الإسلامي والصيني.

ولأن الجيش العباسي كان بعيداً
جداً عن قاعدته العسكرية فقد حوصر أثناء المعركة، ويبدو أنّه كان يمكن أن يهزم
هزيمة كبيرة لولا أنّ أتراك القارلوق الذين كانوا يحاربون حتى منتصف المعركة مع
الجانب الصيني انضموا للجيش العباسي، الذي كان فرصتهم التاريخية للتخلص من السيطرة
الصينية.

انتهت المعركة بهزيمةٍ ساحقة للجيش
الصيني، ولكن أهم نتيجة لهذه الحرب أنها كانت نقطة تحول مهمة للغاية في منطقة آسيا
الوسطى وتاريخ طريق الحرير، إذ انتهى وبشكل نهائي النفوذ والتواجد العسكري
الصيني بالمنطقة، كما توقّفت أيضاً الفتوحات الإسلامية في تلك المنطقة.

من ناحية أخرى كانت معركة تالاس هي
المعركة الوحيدة في التاريخ التي دارت رحاها بين العرب المسلمين والصينيين، وامتدت
نتائجها لتشمل التقارب التركي مع المسلمين ما ساهم لاحقاً في انتشار الإسلام بين
العرق التركي.

كما قوِّضت تجارة الحرير بسبب
المعركة، وقادت معركة تالاس بشكلٍ غير مباشر إلى انهيار إمبراطورية تانغ العظيمة.
فقد تمرّد القائدان العسكريان لوشان وشي سيمينج بعد المعركة على الأسرة الحاكمة في
الصين، وهو الأمر الذي اعتبره بعض المؤرخين بداية انهيار السلطة الإمبراطورية لسلالة تانغ.

اخترعت الصين صناعة الورق عام 105م، وظلت محتفظة بسر هذا الاختراع الاستثنائي لأكثر من ستة
قرون، إذ كانت صناعة الورق سراً خطيراً من أسرار الدولة الذي لا يجوز أبداً الكشف
عنه.

هذا الأمر لم يكن ينطبق بأي حال من
الأحوال على صناعة ورق البردي المصري فعلى الرغم من أنه كان يخضع لرقابة حكومية
صارمة للغاية إلا أن سر الصناعة نفسه كان معروفاً لدى جميع الشعوب، وربما يعود هذا
الأمر إلى أن مصر كانت تحتكر إنتاج ورق البردي وبالتالي لم يكن لديها ما تخشاه على
عكس الصين التي كانت تحضر أوراقها من مواد خام متوفرة لدى الجميع.

بعد أسر الكثير من الصينيين في
معركة تالاس ونقلهم إلى بعض المدن الإسلامية اضطروا في نهاية الأمر إلى الكشف عن
أسرار صناعة الورق؛ إذ كان الصينيون يصنعون الورق من ألياف نباتية ومن سيقان البوص
والبامبو والخرق البالية التي يجري معالجتها يدوياً لتكون أوراقاً مرنة يسهل
الكتابة عليها.

لم يكتف المسلمون بمعرفة سر صناعة
الورق ولكنهم أيضاً أنشأوا معامل لصناعة الورق في سمرقند، وبعدها انتقلت الصناعة
إلى خراسان والعراق والشام حتى ازدهرت صناعة الورق في جميع أرجاء العالم الإسلامي،
وفي القرن الثاني الهجري أمر الخليفة أبو جعفر المنصور بالتوسُّع في إنتاج الورق
واستخدامه في الدواوين والمجمّعات العلمية لينتهي بذلك استخدام قراطيس ورق البردي
وجلود الماعز.

وفي كتابه “الورقة قبل الطباعة.. تاريخ وأثر
الورق في العالم الإسلامي” يقول جوناثان بلوم أستاذ الفن الإسلامي والآسيوي في كلية بوسطن إن صناعة الورق نُقلت إلى الغرب من خلال
العالم الإسلامي؛ إذ انتقلت من الصين إلى غرب آسيا الإسلامي ثم إلى شمال إفريقيا
العربي ومنها إلى الأندلس والأناضول وصقلية وأخيراً إلى أوروبا.

وبهذا يمكننا من خلال نتائج هذه
المعركة أن نعرف كيف كان تاريخ المعرفة والعلوم، وبالتالي تاريخ العالم سيختلف لو
لم تنتهِ المعركة بهزيمة سلالة تانغ على نهر تالاس.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى