تقارير وملفات إضافية

مسلمو الهند يصرخون: «لسنا آمنين».. إلى أين يتجه «عهد الإرهاب الغير مسبوق»؟

على الرغم من انتفاض الأطياف السياسية الهندية كافة، المعارضة لقرارات رئيس الوزراء القومي الهندوسي ناريندرا مودي التي يرونها تهديداً لعلمانية الهند وديمقراطيتها، يظل المسلمون في الهند الأكثرَ عرضة لهذه الموجة من وحشية الشرطة.

صحيفة الغارديان البريطانية نشرت تقريراً. بعنوان: «لسنا آمنين: مسلمو الهند يتحدثون عن موجة من وحشية الشرطة»، ألقت فيه الضوء على ما يعانيه المسلمون هناك في كبرى ديمقراطيات العالم كما يُفترض.

كان منتصف الليل قد حلَّ على ثكنات الشرطة في ولاية أوتار برديش الهندية. وفي داخل غرفة شديدة البرودة وبلا نوافذ، جلس نحو 150 مسلماً من الرجال والصبية، متكوّمين وملطخين بالدماء ومصابين بكدمات. كان بعض السجناء المرتجفين لديهم جروح بالغة لا تزال طرية في مناطق متفرقة بأيديهم ووجوههم، في حين كان لدى آخرين أطراف مكسورة وبارزة من زوايا غريبة بأجسادهم. 

تقول عديد من الروايات المتشابهة إن الشرطة كانت تضرب الأشخاص الذين يطلبون الماء أو الذين يغلقون أعينهم لمّا يغلبهم النعاس، أو ببساطة من لا يفعلون أي شيء، ضرباً متكرراً. ومرة تلو الأخرى، كانت عصي الخيزران والقضبان الحديدية تضرب الأبشار الطرية. جُرِّد بعضهم من ملابسه. وقال شاهد إن أصغرهم كان يبلغ من العمر 12 عاماً.

وتأتي الكيفية التي اعتُقل بها مئات من المسلمين الأبرياء بمدينة مظفر نجار في 20 ديسمبر/كانون اﻷول، قبل أن يتعرضوا للتعذيب بمراكز الاحتجاز التابعة للشرطة، في إطار ما يصفه الناشط والأكاديمي الهندي يوجيندرا ياداف بأنه «عهد إرهاب» قاسٍ وغير مسبوق» فُرض على الولاية الأكثر اكتظاظاً بالسكان من بين ولايات الهند، على مدى الأسبوعين الماضيين.   

منذ الشهر الماضي، أُغرقت الهند في أكبر موجة من الاحتجاجات على مستوى البلاد خلال أكثر من أربعة عقود. إذ خرج الهنود من أبناء جميع الديانات والفئات والطوائف والأعمار إلى الشوارع؛ اعتراضاً على التعديلات الجديدة في قانون المواطنة، الذي مرره رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وحكومة حزبه القومي الهندوسي، حزب بهاراتيا جاناتا، التي يقول عنها عديدون إنها تُميّز ضد المسلمين وتقوّض أسس الدولة العلمانية للهند. تعاملت الحكومة مع المعارضة بمزيد من القمع، في ظل منع السلطات التجمعات لأكثر من أربعة أشخاص، في حين قوبل المتظاهرون بالهراوات والغاز المسيل للدموع.

لم يكن القمع في أي مكان وحشياً للغاية وطائفياً بهذه الصراحة الصارخة ضد المجتمع المسلم، أكثر مما هو في ولاية أوتار برديش. وبحسب الروايات التي حصلت عليها صحيفة الغارديان من عشرات الضحايا والشهود والنشطاء، تُتهم الشرطة في سلسلة من الادعاءات: إطلاق النار على المتظاهرين بشكل عشوائي، وضرب المارة المسلمين في الشوارع، ومداهمة منازل المسلمين وسلبها وسط ترديد شتائم معادية للإسلام وشعارات قومية هندوسية، واحتجاز الأطفال المسلمين وتعذيبهم؛ بل تتضمن الادعاءات الحصول على اعترافات موقَّعة بالإجبار وتوجيه اتهامات جنائية زائفة ضد آلاف المسلمين الذين لم يخرجوا في احتجاج على الإطلاق.

لا يزال مئات من المسلمين والنشطاء خلف القضبان في أنحاء ولاية أوتار برديش، في حين وُضع آلاف منهم على قوائم الشرطة. وتأتي الأوامر، على ما يبدو، من السلطات العليا في البلاد.

تعهد يوغي أديتياناث، الوزير الأول بولاية أوتار برديش في حكومة «بهاراتيا جاناتا»، ةالذي يُعرف بأنه كاهن قومي هندوسي متعصب يشتهر عنه كرهه المعلن واضطهاده للمسلمين، بالانتقام من المحتجين في أعقاب الاضطرابات. وصدَّقت الشرطة على كلامه. وصفت الناشطة كافيتا كريشنان الأحداث التي تكشفت حول الولاية في يومي الجمعة 20 ديسمبر/كانون الأول والسبت 21 ديسمبر/كانون الأول، قائلة: «كانت ليلة الكريستال للمسلمين»، وذلك في إشارة إلى العمليات التي نظمها النازيون ضد اليهود في التاسع والعاشر من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1938.

بدأت المشاكل في مظفر نجار ذلك اليوم عندما تحولت تظاهرة سلمية ضد قانون المواطنة إلى حالة من العنف، في ظل الاشتباكات بين الشرطة والمحتجين، حيث رشق المحتجون قوات الشرطة بالحجارة، وأُضرمت النيران في المركبات. ورداً على هذا، فتحت قوات الشرطة النار على الحشود. بالقرب من هذه الأحداث، كان مولانا أسد رضا حسيني، وهو رجل دين مبجل، يجلس مع طلابه في حوزة علمية بمدينة سادات، حيث كانوا يستريحون بعد صلاة الجمعة حينما جاء 50 شرطياً يحملون الهراوات والقضبان الحديدية، وكسروا الأبواب واندفعوا إلى الداخل. إذ يقال إنهم كانوا يبحثون عن أشخاص شاركوا في الاحتجاجات. لكنهم بمجرد دخولهم الحوزة العلمية، بدأوا تحطيم كل شيء في طريقهم.

قال أحد الجيران كان قد شاهد هجوم الشرطة لكنه لم يرغب في الكشف عن هويته؛ خوفاً من الانتقام: «أخبر مولانا الشرطة بلطف بأن لا أحد من الحوزة شارك في الاحتجاجات، وناشدهم ألا يخربوا مركز القرآن داخل الحوزة». وأضاف: «حينذاك انقض عليه رجال الشرطة وأفراد من قوات التدخل السريع (وهو فرع من فروع الشرطة مسؤول عن مكافحة الشغب)».

اعتقلت الشرطة حينها حسيني و35 من طلابه، كان 15 منهم أقل من 18 عاماً وأغلبهم من اليتامى، واقتادوهم إلى ثكنات قريبة. قال شهود إن رجل الدين جُرد من ملابسه هناك، وأُدخل قضيب بفتحة شرجه؛ وهو ما تسبب في نزيف مستقيمي. وفي هذه الأثناء أشارت ادعاءات إلى أن الطلبة عُذبوا بعصي الخيزران، وأجبروا على الهتاف بشعارات قومية هندوسية على شاكلة: «المجد للإله راما» و «أنقذنا يا إلهنا شيفا».

وقال سلمان سعيد، وهو أحد قادة مجلس الولاية: «تعرض مولانا للضرب الشديد وتُرك بلا أي ملابس على جسده، وعندما أُطلق سراحه وجدناه في حالة سيئة جداً». كان سعيد قد حضر لالتقاط حسيني وعدد من طلابه من ثكنات سيفيل لاينز، وأضاف قائلاً: «لقد جُرح بشدة وسالت دماؤه، وكانت هناك عديد من الكدمات في جسده. لم يكن قادراً على الوقوف على قدميه وكان عارياً. صُدمنا لرؤية مولانا على تلك الحالة. وإنه طريح الفراش الآن».

على الرغم من أن حسيني وجميع طلابه غير البالغين أُطلق سراحهم في الثانية صباحاً من تلك الليلة، لا يزال 12 من طلابه البالغين وطاهي الحوزة خلف القضبان، ووُجهت إليهم اتهامات بالاشتراك في أعمال العنف، برغم عدم مشاركتهم في أي احتجاج على الإطلاق.

لم يكن الطلبة الصغار الوحيدين الذين سجنوا من المسلمين القُصَّر بثكنات مظفر نجار في تلك الليلة. خرج محمد صادق، البالغ من العمر 14 عاماً ويعمل مساعد بنَّاء، عندما شاهد الفوضى العارمة في الشوارع؛ من أجل العثور على أخيه البالغ من العمر 11 عاماً. أُضرمت النيران في السيارات والدراجات النارية، وبينما كان المحتجون يفرون من حوله، بدأ هو أيضاً في الركض. وقال إن عشرات من رجال الشرطة حينها انقضوا عليه وضربوه على ساقيه بالهراوات، كي يسقط على الأرض، ثم أبرحوه ضرباً بسيل من الصفعات.

روى صادق، بينما كان طريح الفراش بكوخ عائلته المكون من غرفة واحدة وهو في حالة ضعف بسبب إصاباته: «قالت الشرطة لي: (إذا أخبرتنا بأسماء 100 مسلم متورط في أعمال الشغب فسوف نتوقف عن ضربك). أخذت أخبرهم بأن لا شأن لي بأعمال الشغب، وأنني لا أعرف شيئاً، لكنهم ظلوا يضربونني. قال لي رجال الشرطة اهتف وقل: (المجد للإله راما)، فأخبرتهم بأنني لن أفعل، فوضعوا عصا حديدية في لهيب سيارة أضرمت فيها النيران ثم وضعوها على يدي ليحرقوني». 

وأضاف: «ثم حاول بعض رجال الشرطة رفعي وإلقائي في اللهيب المتصاعد من السيارة، ولكن قال اثنان منهم: (كلا، لنصطحبه وحسب إلى قسم الشرطة)».

ظل صادق في مركز الاحتجاز التابع للشرطة أربعة أيام. وقال إنه تعرَّض للتعذيب بعد أن جردوه من جميع ملابسه حتى صار لا يرتدي إلا ملابسه الداخلية. ظل الفتى بلا ماء ولا طعام ولا علاج طبي لجروحه الدامية بشدة. وعندما أُطلق سراحه في النهاية، كانت حالته سيئة للغاية لدرجة أن أمه، ريحانة بيجام، فقدت الوعي عندما جاءت لاصطحابه من مركز الاعتقال.

قالت ريحانة بينما كانت تضع رأسها في يديها: «أبوه متوفىً، لذا كان الوحيد الذي يكسب المال في أسرتنا، لكنه ضُرب بشدة في ركبتيه ولا يستطيع المشي ولا يستطيع العمل الآن، فما الذي سيحدث لنا؟».

وبحسب عديد من الروايات، لم تَسلم النساء ولا الأطفال ولا الكهول من وطأة وحشية الشرطة في المداهمات على منازل المسلمين بساعات متأخرة من الليل في مدينة مظفر نجار وحول ولاية أوتار برديش خلال هذين اليومين.

أحد هؤلاء الضحايا يُدعى حامد حسن ويبلغ من العمر 73 عاماً. وقد تعرض لضرب شديد عندما اقتحمت قوات الشرطة منزله في وقت متأخر من يوم الجمعة 20 ديسمبر/كانون الأول، واستخدم أفرادها الهراوات الحديدية للاعتداء عليه، وعلى زوجته البالغة من العمر 65 عاماً، وعلى حفيدته رقية بارفين، التي تبلغ من العمر 22 عاماً والتي ضربت ضرباً شديداً على رأسها حتى سقطت بسبب الجرح، وخضعت لخياطة 16 غرزة.

مسح حسن الدموعَ حينما كان يعرض البقايا المحطمة من الهدايا المشتراة، من أجل زواج حفيدته المنتظر، ومن ضمنها تلفاز محطم وأريكة ممزقة وثلاجة مقلوبة ومكيف محطم، وهي أشياء ادخر من أمواله طيلة حياته من أجل أن يبتاعها. قال حسن بينما كان ينتحب ويسير بصعوبة بسبب إصاباته: «لم تشارك عائلتي في أي احتجاجات، فلماذا فعلوا هذا بنا! إنهم يجعلون المسلمين بهذا البلد يعيشون في حالة خوف، ولسنا آمنين من العنف الآن حتى ونحن داخل منازلنا».

جرَّ ضباط الشرطة حفيد حسن البالغ من العمر 14 عاماً، ويدعى محمد أحمد، من مضجعه وضربوه في الشارع ثم اعتقلوه، وتشير ادعاءات إلى أن الشرطة عذبته في ثكناتها، بجوار ابن حسن البالغ من العمر 40 عاماً، ويدعى محمد ساجد. يروي أحمد كيف كان شاهداً على إجبار الضباط عمه «ساجد»، على أن يوقع على اعترافات بأن الشرطة عثرت على سلاح ناري ورصاص عند مداهمتهم منزله. همس أحمد برفق، بينما كانت ساقاه لا تزالان ملفوفتين بالضمادات من جراء الضرب: «لم يرغب في أن يوقع عليها، لكنه أُجبر، لأننا كنا خائفين».

أطلق سراح أحمد وأُعيد إلى عائلته بعد 24 ساعة، لكن ساجد ظل خلف القضبان، وتسوء حالته الصحية يوماً بعد يوم.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد الضحايا في الولاية وصل إلى 17 حالة وفاة. كان جميع هؤلاء من المسلمين، وكان أصغرهم يبلغ من العمر 8 أعوام. ويزعم نشطاء وجود حالة تشويش متعمدة من جانب الشرطة على ملابسات وفاة هؤلاء الضحايا، إذ لم تُقدَّم إلى عائلاتهم تقارير تشريح الجثة.

كان نور محمد، البالغ من العمر 26 عاماً، حالة الوفاة الوحيدة في مظفر نجار يوم الجمعة 20 ديسمبر/كانون الأول. يعمل محمد عاملاً بأجر يومي وأُطلق عليه الرصاص وهو على بُعد نصف كيلومتر من الموقع الذي حدثت فيه الاحتجاجات. تزعم الشرطة أنه قُتل على يد المحتجين. أما زوجته، سانو بيجام البالغة من العمر 23 عاماً، وهي حبلى بطفلهما الثاني في شهرها السابع، فكانت تنتحب عندما قالت إن كل ما تريده هو «تحقيق العدالة من أجل زوجها وابنتها».

إذ قالت وهي تدمع: «إذا لم يعطونا تقرير تشريح الجثة، فلا بد إذن من أن الشرطة هي من أطلقت عليه النار. أريد العدل من الحكومة. لدي ابنة صغيرة، وليس لدي من يدعمنا الآن».

لم يتوقف الأمر على إجبار الشرطة عائلة نور على أن يدفنوه على بُعد 60 كيلومتراً من مظفر نجار، بل إن أفرادها اصطحبوا الجثة إلى مكان الدفن، ومنعوا إقامة الطقوس الجنائزية الملائمة، ثم صادرت تصريح الدفن من عائلته. قال صهره محمد سالم: «من الواضح أنهم يريدون تدمير جميع الأدلة المتعلقة بوفاته».

على بُعد أكثر من 500 كيلومتر من مظفر نجار، وتحديداً في مدينة كانبور، أجهش محمد شريف (74 عاماً)، بالبكاء بينما كان يصف ابنه محمد رئيس (30 عاماً)، الذي توفي في 20 ديسمبر/كانون الأول، خلال إطلاق النار في أحد الاحتجاجات. كان رئيس يعمل في ذلك اليوم، وكان يغسل الأواني من أجل زفاف حينما خرج ليشاهد الاضطرابات في الشارع، حيث أصابته رصاصة أطلقتها الشرطة. قال شريف: «لم يكن من المحتجين، بل قُتل لأنه كان مسلماً. أريد أن أموت. لماذا أنا حي وهو لا؟! كيف نواصل الحياة الآن؟».

مر أسبوعان تقريباً على الليلة التي شهدت مداهمات الشرطة، لكن حالة الخوف لم تهدأ، مع هجر عديد من الأشخاص منازلهم تماماً. بعد أن قابلت صحيفة The Guardian ناشطين في كانبور هذا الأسبوع، استُدعي كلاهما إلى قسم الشرطة وتلقى تهديدات بتوجيه اتهامات إليه بالتحريض إذا تحدث إلى وسائل الإعلام مرة أخرى. فطلبا بعد ذلك إخفاء هويتيهما.

تصر حكومة أوتار برديش على أن إجراءاتها مبررة. فقد قال مكتب الوزير الأول، في سلسلة من التغريدات التي نُشرت مؤخراً: «كل مثير شغب يفكر في أنه ارتكب خطأ كبيراً بتحدي حكومة يوغي أديتياناث بعد رؤية الإجراءات الصارمة التي اتُّخذت ضد مثيري الشغب. كل مثير شغب مصدوم، وكل محتج متفاجئ، والجميع أُسكتت أصواتهم».

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى