ثقافة وادب

مسلسل «ممالك النار» الإماراتي.. هل كانت الدولة العثمانية بهذا الإجرام والوحشية؟

حكام أبوظبي وتزييف
التاريخ والافتراء والتحامل على بعضه ومحاولة صناعة تاريخ جديد لا يقبله المنطق
ولا يستوعبه العقل البشري، سلسلة من حلقات من مسلسل إماراتي متكرر، خاصة في
السنوات الأخيرة.

البداية كانت مع
المسلسل الأكثر إثارة للجدل «ممالك النار»، واختيار الاسم وحده دليل على
التحامل وعدم الحيادية في طرح المواضيع.

فمن يتابع الحلقات
الأولى من المسلسل يتصور أنه الجزء الثاني من فيلم «مصاصي الدماء»
الشهير الذي عرض عام 2005، فالصورة التي ظهر بها العثمانيون في المسلسل صورة الوحش
الشرير الذي يفتك بالجميع ويغتصب أراضي الغير وحتى أقرب الناس إليه فيقتل
إخوته.

دعك من صراع المحاور
والخلاف التركي الإماراتي بشأن الربيع العربي،

وحاول أن تنظر للمسلسل
بحيادية وللتاريخ العثماني بمنتهى الموضوعية، فلا هم بالملائكة كما صورتهم الدراما
التركية، ولا هم بالشياطين كما صورتهم الإمارات في «ممالك النار».

لقد مر التاريخ
الإسلامي منذ ما بعد الخلافة الراشدة بثلاث دول هي الأشهر، كان بداياتها أموية بعد
الحرب بين علي ومعاوية بن أبي سفيان، وانتهت بعد موت علي بن أبي طالب مغدوراً
وتنازل ابنه الحسن عن الحكم لمعاوية، ثم كان ما كان مما يعرفه الناس، قتل الحسين
بن علي في عصر يزيد بن معاوية ثم ظهور الحجاج بن يوسف الذي كان نقطة سوداء في
تاريخ الدولة الأموية.

إلا أنه يحسب للأمويين
فتوحاتهم ونشرهم للإسلام وظهور أول عملة بالعربية في عصرهم ومحافظتهم على الدولة
وحسن إدارتها.

بعد الحقبة الأموية
التي استمرت ثمانية عقود، جاءت الحقبة العباسية الأطول في تاريخ الأمة واستفتحت
بدماء الأمويين واختتمت بالغزو التتاري لبغداد وهي النهاية الفعلية لدولة بني
العباس.

فبقدر ما كانت بداياتها
دموية إلا أنها شهدت نقلة نوعية في العمران والتشييد والتطور العلمي الثقافي، وتلك
مكتبة بغداد التي أفسدها التتار شاهدة، فيحكى أن التتار رموا ملايين الكتب في نهري
دجلة والفرات.

ثم جاءت الدولة
العثمانية وكانت بداياتها عام 1285 عن طريق عثمان بن أرطغرل وبمساعدة عشائر
الأناضول أسس الرجل جيشاً عظيماً كانت أوروبا تهابه.

إلا أن الرجل رفع شعار
الدعوة قبل الحرب والحوار قبل الصراع، ففتحت له بعض المناطق الأوروبية أبوابها،
وقد قال في أحد خطبه الشهيرة: «جئنا هذه البلدان غرباء على أهلها وهؤلاء
أهلها لم يمنعونا منها وعلينا أن نحترم حقوقهم ونكون أمناء في حقهم».

وحتى عندما فتح محمد
الفاتح الذي صوّره المسلسل كقاتل لأخوته، وبالمناسبة فإن الأتراك وغيرهم اختلفوا
في وجود أشقاء لمحمد الفاتح لأن الأشهر أنه كان وحيداً لدى والده السلطان مراد.

حتى عندما فتح
القسطنطينية ترك للنصارى حق اختيار البطريك، وعندما فاز سلّمه الخاتم وعصا
البطاركة، وذلك مما شهد به الفلاسفة التنوريون في أوروبا وعلى رأسهم الفيلسوف
الفرنسي فولتير.

كما أخرجت الدولة
العثمانية للمسلمين السلطان عبدالحميد الذي رفع شعار «يا مسلمي العالم
اتحدوا»، وكان معروفاً بدفاعه عن فلسطين، وبنى أول سكة حديدية سهلت الحج على
الناس، وعرف بمواقفه النبيلة التي جعلت الأوروبيين يتآمرون عليه ويدعمون انقلاب
مارس/آذار 1909 الشهير.

وكان سقوط السلطان
عبدالحميد القشة التي قصمت ظهر الدولة العثمانية والبداية الفعلية لنهايتها، فظهر
من بعد إخوته محمد الخامس والسادس ثم أتاتورك مؤسس الجمهورية الحديثة، ويعرف ذلك
العصر بعصر الانحطاط في الدولة العثمانية وهو الحقبة السيئة، فيه سرقت آثار
المسلمين وحورب الأذان واللغة العربية وأبعد الأتراك كثيراً عن هويتهم
الدينية.

لم تكن الدولة
العثمانية بالملاك الطاهر والحقبة الأفلاطونية المسالمة، ولا هي أيضاً شياطين
الإنس والجن ومصاصي الدماء والغزاة كما يريد «ممالك النار» تصويرها لنا
وللأجيال القادمة، كان لها ما لها وعليها ما عليها مثل الدول التي مرت بالمسلمين.

على الأقل لم يدعم
مماليكها حرق الآلاف من البشر في الميادين في ساعات معدودات.

يقول الفليسوف
الإنجليزي «توينبي»: «إن أياً من الدول الأوروبية الاستعمارية التي
أخذت مكان الدولة العثمانية لم تتمكن من إدارة تلك الدول مدة طويلة وبطريقة مستقرة
وعبقرية كما أدارها العثمانيون.

ولم يتوقف مسلسل
الافتراءات على التاريخ عند هذا الحد، فقد أعلن قبل أسابيع في الإمارات عن فيلم
وثائقي يتحدث عن عودة تاريخ دولة الإمارات إلى 125 ألف سنة قبل الميلاد! لك أن
تتخيل الرقم والكذب فلم يسبق لأي عالم تاريخ أن اكتشف أن هناك حضارة يعود تاريخها
إلى ذلك الرقم، فيقال إن الحضارة الفرعونية هي الأقدم بـ 7000 آلاف سنة، فكيف تكون
الإمارات الدولة الحديثة  يمتد تاريخها إلى 125 ألف سنة أي قبل مولد سيدنا
آدم أبو البشر.

في كتابه «تاريخنا
المفترى عليه» يقول القرضاوي إن من يزعمون أنهم دعاة التجديد يختزلون التجديد
في هدم بنيان الماضي والبدء من جديد، وعوام الناس في بلادنا يقولون: من ليس له
قديم فليس له جديد.

لكأن الرجل كان يتنبأ بأمثال حكام أبوظبي اليوم!

فلماذا يفعلون ذلك؟ 

ولمن مصلحة من؟

ألا يعلمون أن كل مَن سار على درب تزييف التاريخ هلك، وكل من سار على درب الحقيقة سلك.

 

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق