آخر الأخباركتاب وادباء

مساجد اسكندرية العتيقة

#من ذاكرة اسكندرية

من روائع الأديب الكاتب 

مهندس/ محمود صقر

29/06/2021
منذ طفولتي المبكرة تفتحت عيني على مساجد اسكندرية القديمة والمنتشرة في حي اللبان، ففي طريقي لمدرستي الابتدائية “مدرسة الشهيد عبد المنعم سند”، أقطع شارع “باب الكراستة” الذي أسكن فيه وبعد انعطافي في شارع الباب الأخضر (السكة الجديدة) الذي تقع فيه مدرستي، يقابلني على اليسار “مسجد القاضي سند”، ثم “مسجد الطرطوشي”، وقرب نهاية شارع الباب الأخضر جهة المنشية وفي المنطقة المحصورة بينه وبين شارع الجزائر يوجد “جامع إبراهيم الشيخ باشا”، وفي طريق عودتي من المدرسة مرورا بكوم الناضورة يوجد “مسجد الفحام”، وعلى امتداد شارع الباب الأخضر جهة مينا البصل وبعد تجاوز تقاطعه مع شارع باب الكراستة بأمتار قليلة يوجد “مسجد نظير أغا”، وبعده مباشرة أول مسجد صليت فيه في طفولتي المبكرة وهو “مسجد سيدي المنير”.


هذه المساجد التاريخية التي تعتبر من أقدم مساجد المدينة والتي نجت من القصف البريطاني للمدينة عام 1882، تتركز في شارع الباب الأخضر في مسافة حوالي كيلو متر واحد.
وأقدم المساجد المذكورة بنيانا هو “مسجد ابراهيم باشا الشيخ”، تم بناؤه عام 1240 هـ، وكان يقوم في الاسكندرية بنفس الدور الذي يقوم به الأزهر في القاهرة، وفيه تخرج “عبدالله النديم” خطيب الثورة العرابية، ومازال الشارع الذي يطل عليه يحمل اسم (طلبة العلم). وابراهيم باشا الشيخ جزائري الأصل وكان عالما فقيها ومن أثرى أثرياء المدينة، واصطدمت فتاواه مع سياسة “محمد علي” والي مصر وقام بنفيه لفترة، وصادر العديد من أملاكه في منطقة المنشية وبنى عليها كنائس للجاليات الأجنبية والطوائف المسيحية، في المنطقة المعروفة حاليا بميدان سانت كاترين.


والمسجد من ضمن المنشآت التي تضررت بالقصف البريطاني عام 1882، وتم إعادة ترميمه بعد فقد أجزاء منه، حيث كان في القديم يضم سبيلا وحماما عاما وكُتَّابا ومكتبة ومساكن للطلاب وصهاريج للمياه.
أما مسجد نظير ومسجد المنير فهما من المساجد الكبيرة نسبيا، والتي تم بناؤها في نهاية القرن التاسع عشر، مسجد نظير يضم داخله نقوشا وأعمدة من الجرانيت والبازلت وأسقف خشبية، وقد تعرض المسجد لعملية تخريب تحت مسمى ترميم استمرت لسنوات، أسندت فيها مديرية أوقاف الإسكندرية أعمال ترميم المسجد لأحد المقاولين دون إخطار قطاع الأثار الإسلامية، وبعد إعادة افتتاحه عام 2017 تبين اختفاء العديد من محتوياته الأثرية من أبواب وقناديل وأسقف خشبية من الخشب النادر.
وتحت المسجد شبكة من الصهاريج الأثرية التي كانت تستخدم منذ القدم في تزويد المدينة بالماء، وبعد انتهاء مهمتها أصبحت ملاذا لأهل الحي للاحتماء من الغارات التي طالت المدينة في الحرب العالمية ثم حرب 1956 ثم 1967.


وبجوار هذا المسجد كان يوجد فرن يعمل به “سيد سلام” الشهير باسم “سيد العجان”، وهو صاحب أول شرارة في أحداث المشاجرة الكبرى بين الأهالي والأجانب يوم 11 يونية 1882، والتي سطرت فصلا من تاريخ مصر الحديث استمر سبعين عاما من الاحتلال الانجليزي لمصر، ورواية ابتداء الأحداث من المشاجرة بين سيد العجان وأحد المالطيين جاءت في محاضر تحقيقات لجنة قومسيون اسكندرية، التي شكلها الخديوي توفيق لبحث أحداث يوم 11 يونية 1882، وقام بنشرها “سليم خليل النقاش” في كتاب مصر للمصريين، وذكرتها الأستاذة “أمل الجيار” في كتابها الذي نشرته مكتبة اسكندرية بعنوان “يوميات اسكندرية 1882”، وهي رواية مختلفة عن الرواية الشائعة بانطلاق الشرارة من مشاجرة بين مكاري (عربجي) سكندري وبين أجنبي من مالطة.


يعني تستطيع أن تقول أن هذه المنطقة من حي اللبان، والمحصورة بين شارع الباب الأخضر وشارع السبع بنات مرورا بشارع باب الكراستة هي التي شكلت فصلا مهما من تاريخ مصر الحديث، وكانت محور أحداثه.
أما “مسجد المُنَيَّر” الذي اتخذ اسمه من القاضي “أبو العباس أحمد بن أبي القاسم ناصر الدين بن المنير”، الفقيه المالكي المولود في الإسكندرية عام 620هـ ، وتوفى فيها عام 683هـ ودُفِن في كوم الناضورة، فكان أول مسجد صليت فيه، في فترة الطفولة المبكرة، وكان معظم رواد المسجد من كبار السن من الحي، ويغلب على المسجد الطابع الصوفي، وخطيب الجمعة كان يعتمد في خطبته على الأسلوب القصصي الذي يتناول كرامات الصالحين، ولازلت أذكر موقعي في الصفوف الخلفية للمسجد وبجواري رفيق عمري “مجدي”، وقريب منا كان يجلس رجل مُسِن في مكان ثابت لا يغيره، وكان شديد الانفعال بما يرويه الخطيب من قصص، وتنهمر دموعه بغزارة من بداية الخطبة لنهايتها، ويتخللها نهنهة ونشيج، وذات مرة شَّفَهُ الوَجْدُ فانطلقت منه صيحة مفاجئة “حي .. حي” فوجدت نفسي أقفز فزعا بشكل غير إرادي وأرتمي في حِجر “مجدي”، وكان هذا آخر عهدي بالمسجد من نحو خمسة وأربعين عاما.
لأبدأ بعدها رحلة طويلة مع “جامع رمضان شحاتة” بشارع القائد جوهر، وسيكون لنا معها وقفة قادمة إن شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى