تقارير وملفات إضافية

مزّقوا صور خامنئي وأحرقوا قنصليات إيران.. ماذا وراء مشاعر الغضب الشعبي العراقي ضد طهران؟

اتسع النفوذ الإيراني في العراق بعد احتلاله من القوات الأمريكية، ومن ثم انسحابها نهاية عام 2011، عبر التدخل الواسع في تشكيل الأحزاب السياسية والمجموعات المسلحة ودعمها.

لم يكن من اليسير على أي مواطن في العراق توجيه انتقاد لإيران، أو رفع شعارات مناهضة لها، أو تمزيق صور قائد الثورة الإيرانية الخميني والمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي التي تنتشر بشكل واسع في المحافظات العراقية جنوب بغداد.

لكن احتجاجات البصرة في يوليو/تموز الماضي عكست لأول مرة حالة غضب حقيقية ضد الحكومة العراقية، التي تهيمن على قرارها الأحزاب الشيعية الحليفة لإيران، أو المدعومة منها، وهذه الأحزاب تمثل السلطة الفعلية في العراق، ويتكامل عملها السياسي بالأجنحة العسكرية الخاصة بها، التي تمثلها فصائل هيئة الحشد الشعبي، أو مجموعات شيعية مسلحة خارج إطار هذه الهيئة.

حرق القنصلية الإيرانية في النجف وكربلاء اهل النجف وكربلاء قالو كلمتهم ولا يريدون اي تواجد ايراني pic.twitter.com/mry57P91yI

ورفع المحتجون شعارات باللغتين العربية والفارسية، في رسالة موجهة إلى الحكومة العراقية، تدعوها لرفض التبعية للحكومة الإيرانية.

عبّر المحتجون عن غضبهم من الدور الإيراني في العراق، وموقف الحكومة الإيرانية من حركتهم الاحتجاجية، بإحراق صور للمرشد الأعلى علي خامنئي، وقائد فيلق القدس قاسم سليماني، وإحراق القنصلية الإيرانية في النجف، وقبلها في البصرة، بالإضافة إلى إحراق مكاتب عدد من الأحزاب السياسية وفصائل الحشد الشعبي الحليفة لإيران في وسط وجنوب العراق.

وتشير بعض التقارير إلى أن قائد فيلق القدس الإيراني اللواء قاسم سليماني زار العراق ثلاث مرات على الأقل منذ بدء الموجة الأخيرة من أحداث الموصل 2014 في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

ويعتقد المحتجون أن الهدف من زيارات سليماني المتكررة للعراق ولقائه بكبار قيادات الحشد الشعبي يتمحور حول دعم وإسناد الجهات المسؤولة عن قمع الاحتجاجات.

ويواجه المحتجون اتهامات إيرانية من المرشد الأعلى وقيادات الحرس الثوري بوقوف الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل خلف حركتهم الاحتجاجية، واعتبارها «فتنة جديدة بعد فتنة تنظيم داعش» تستهدف العلاقات بين الشعبين الإيراني والعراقي.

ومن بين أوجه التدخل الإيراني التي أثارت غضب المحتجين، الدعم الذي تقدمه إيران لحكومة عادل عبدالمهدي المستقيلة وإسناده من الأحزاب والفصائل المسلحة الحليفة لها، وتشجيعه على عدم تقديم استقالته خلافاً لمطالبهم.

ويرفض المحتجون التدخلات الإيرانية بالإضافة إلى التدخلات الخارجية الأخرى، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل.

لكن مشاعر السخط الشيعي والرفض الشعبي للتدخلات الإيرانية مقارنة بالتدخلات الخارجية الأخرى، يبدو هو الأوسع والأكثر وضوحاً بما يشكل انعكاساً لواقع أن التدخلات الإيرانية والنفوذ الإيراني هما الأوسع في العراق.

وأظهرت تقارير لوزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية نشرتها صحف أمريكية في 18 نوفمبر/تشرين الثاني، التدخلات الإيرانية في الشؤون السياسية والاقتصادية والدينية والأمنية العراقية.

ويصف أحد التسريبات عادل عبدالمهدي بأنه على «علاقة خاصة» مع طهران عندما كان وزيراً للنفط في عام 2014.

انعكس سوء الأداء الحكومي وفشل الأحزاب السياسية في إدارة الدولة بشكل واضح على هذه الأحزاب والمؤسسات المرتبطة بها، وبالتتابع على إيران التي تدعم هذه الأحزاب وتساندها رغم الرفض الشعبي الواسع لها ورغم ثبوت فسادها.

يرى المحتجون أن إدارة الدولة العراقية طيلة ستة عشر عاماً من سيطرة الأحزاب السياسية الحليفة لإيران على السلطة والموارد كانت مخيبة لطموحاتهم بعد التخلص من نظام صدام حسين، وأن هؤلاء أثبتوا فشلهم في تحسين المستوى المعيشي والخدمات، في ذات الوقت الذي تفشت فيه ظاهرة الفساد في مؤسسات الدولة العراقية؛ ليكون العراق من بين أكثر الدول فساداً في العالم، حسب تقارير منظمات دولية.

ركز المحتجون، بالإضافة إلى مطالبهم الأساسية التي تطالب بإصلاح جذري شامل لمجمل العملية السياسية، ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات الأساسية والوضع المعيشي، على وقف التدخلات الإيرانية ومطالبة إيران بالخروج من العراق، وإلقاء اللوم عليها في ما آلت إليه الأوضاع في العراق نتيجة دعمها للأحزاب السياسية الحاكمة.

وفي شعارات رفعها محتجون في أعقاب إحراق القنصلية الإيرانية في النجف، أشاروا إلى أنهم يدركون أن إيران هي المتسبب الأول في كل ما يجري، من خلال دعمها للحكومة في بغداد، والفصائل المسلحة الحليفة لها، والتي تسيطر على معظم القطاعات الاقتصادية والتعيينات في الدوائر الحكومية، بينما يعاني الآخرون من الفقر والبطالة.

خلال الأسابيع الماضية، تعرضت مكاتب الأحزاب والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران للتخريب من محتجين جعلوها من بين أهم أساليبهم في رفض التدخلات الإيرانية، ورغبتهم في إنهاء النفوذ الإيراني من العراق.

أضرم محتجون النار في مكاتب حزب الدعوة بمدينتي الناصرية والديوانية، وتعرضت آليات عدة تابعة للحشد الشعبي للتحطيم، كما أحرقوا مباني تابعة لسرايا الخراساني ومنظمة بدر وتيار الحكمة، بالإضافة إلى إحراق صور المرشد الأعلى والعلم الإيراني وصور لبعض المراجع الشيعية العراقية، بالإضافة إلى القنصلية الإيرانية في النجف، على خلفية اتهامات صريحة وجهها المحتجون لإيران والقوى الحليفة لها بالوقوف وراء حملات القمع التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 400 قتيل وآلاف الجرحى.

ويعتقد المحتجون أن الدعم الإيراني للحكومة وبعض الأحزاب السياسية في مجلس النواب وفصائل الحشد الشعبي الحليفة لها، ساهم إلى حد بعيد في تفشي ظاهرة الفساد في مؤسسات الدولة العراقية ونتائج ذلك على حياة العراقيين بشكل مباشر. كما أن المحتجين يُحملون في الغالب القوات الأمنية ومجموعات شيعية مسلحة حليفة لإيران المسؤولية عن مقتل المحتجين.

وكان الموقف «المناهض» للاحتجاجات الذي تبناه كبار المسؤولين الإيرانيين، مثل تصريحات المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار قيادات الحرس الثوري، عزز بشكل واضح مشاعر «الرفض» واسع النطاق للتدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية العراقية، والمطالبة بشعارات واضحة وصريحة بخروج إيران ووقف تدخلاتها في العراق.

قد تكون زيارات سليماني المتكررة، وتصريحات المرشد الأعلى بوجود مخططات سعودية أمريكية إسرائيلية تستهدف إثارة الفوضى من بين عوامل عدة ساهمت في تأجيج حالة الغضب من إيران، وتنامي مشاعر السخط ضد الأحزاب والفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بإيران.

ترى إيران، في تصريحات لأكثر من مسؤول، أن العراق يشكل بوابتها لتصدير مشروعها إلى دول المنطقة وتعزيز نفوذها في منطقة جغرافية واسعة تمتد من إيران عبر الأراضي العراقية إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط في سوريا ولبنان.

وتشكل الاحتجاجات العراقية تحدياً «وجودياً» للمصالح الإيرانية في المنطقة. ويمكن لتطور الاحتجاجات ودخول العراق في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار أن يعقّد بشكل كبير تعزيز النفوذ الإيراني واتساعه غرباَ إلى سوريا ولبنان، بما يعني فقدانها للعمق الاستراتيجي المتمثل بالأراضي العراقية، بالإضافة إلى حرمانها من المكاسب المتحققة من التبادل التجاري والالتفاف على العقوبات الأمريكية، للحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية التي تراهن عليها الولايات المتحدة في خلق انتفاضة واسعة في الداخل الإيراني.

من المؤكد أن هناك تغييراً في المزاج الشعبي العام لدى عامة الشيعة العراقيين تجاه الأحزاب والسياسيين المرتبطين بإيران، وأيضاً تجاه النظام الإيراني بمعزل عن الشعب الإيراني.

ووفقاً لتوجهات الاحتجاجات، ثمة تداخل وارتباط كلي بين التخلص من النفوذ الإيراني المباشر والتخلص من الفصائل المسلحة والأحزاب السياسية الحليفة لإيران، والتي تهيمن على معظم السلطة والموارد في العراق.

يمكن لمشاعر الغضب الموجّه ضد التدخلات الإيرانية أن تخلق أرضية مشتركة لوعي جديد عابر للطائفية يتجاوز حالة التباين التي ظلت سائدة طيلة سنوات بين الشيعة الذين ظلوا يرفضون المساس بايران في العراق من جهة، والعرب السنة الرافضين أصلاً لأي نفوذ لإيران.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى