الأرشيفتقارير وملفات

مرسى أوشك على إنهاء ولايته … والحل : إعلان دستورى

بقلم الخبير السياسى والقانونى

عماد أبوهاشم k

المستشار عماد ابو هاشم

تستند شرعية الرئيس مرسى إلى المادة (29) من الإعلان الدستورى الصادر فى 20 مارس   2011  و التى جرى نصها على أن ” مدة الرئاسة أربع سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ إعلان نتيجة الانتخاب ، و لا يجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا لمدةٍ واحدةٍ تاليـة . ” .

و قد أوردَت المادة (133) من دستور 2011   فحوى ذلك بنصها على أن   ” يُنتَخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنواتٍ ميلادية ، تبدأ من اليوم التالى لانتهاء مدة سلفه ، و لا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرةٍ واحدة .

و تبدأ إجراءات انتخاب رئيس الجمهورية قبل انتهاء مدة الرئاسة بتسعين يومًا على الأقل ، و يجب أن تُعلَن النتيجة قبل نهاية هذه المدة بعشرة أيامٍ على الأقل .

و لا يجوز لرئيس الجمهورية أن يشغل أى منصبٍ حزبىٍّ طوال مدة الرئاسة . “

صبح

يستتبع ذلك عدة نتائج نوجزها فيما يلى :

أولًا : الارتكان إلى نظرية العقد الإجتماعىِّ بين الشعب و الرئيس المنتخب كأساسٍ يحكم العلاقة القانونية القائمة بينهما لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن يتعارض مع السند الدستورىِّ الذى أُبرِم فى ظله هذا العقد و هو نص المادة (29) من الإعلان الدستورى الصادر فى 20 مارس 2011 ، و أعتقد أنه لا مجال للجدل فى هذا الصدد و لاسيما أن الشعب قد أسبغ رضاءه على نص هذه المادة و قد أُعيد صياغتُها بذات المعنى فى الفقرة الأولى من المادة (133) من دستور 2012  التى حددت فقرتُها الثانية موعدى انتخاب الرئيس وإعلان نتيجته فأوجبت الانتهاء من إجراءاتهما قبيل انتهاء ولايتة بعشرة أيام .

ثانيًا : لم يورد أىٌّ من دستور 2012  أو الإعلان الدستورى المشار إليهما ما يتناول تأجيل انتخاب الرئيس الجديد و تمديد مدة ولاية الرئيس المنتهية ولايته نتيجة ما قد يطرأ من عوارضٍ تحول دون مباشرة الأخير مهام وظيفته بموجب العقد الاجتماعىِّ الذى خوله إياها ، كما خلت نصوصهما مما يشير إلى أن مدة ولاية الرئيس المنتخب يمكن أن يعتريَها الوقف أو القطع بما يسمح له باستكمال المدة التى حِيل بينه و بين مباشرة سلطاته فيها بعد حلول الأجل الذى حدده الدستور لانتهائها أو يخوله البدء فى احتساب مدةٍ جديدةٍ  ، و بالطبع لم يَرِدْ فيهما تحديدٌ للوقائع القانونية أو المادية التى تُوقف سريان تلك المدة أو تقطعها لكونهما لم يخضعاها ـ أصلًا ـ لأحكام الوقف و القطع التى تخضع لها مدد السقوط أو التقادم .

ثالثًا : من المعلوم بالضرورة أن مدة ولاية الرئيس المنتخب ليست من مدد السقوط أو التقادم التى تخضع فى سريانها لأحكام الوقف أو القطع المعمول بها فى القانون المصرى و إلا  لكان المشرع الدستورى قد أفرد أحكامًا لها منذ فجرٍ بعيد ، بل إن نص الفقرة الثانية من المادة (133 ) من دستور 2012  جاء ليؤكد  هذا  المعنى  حين  أوجب أن تبدأ إجراءات انتخاب رئيس الجمهورية قبل انتهاء مدة الرئاسة بتسعين يوما على الأقل و أن تُعلن النتيجة قبل نهاية هذه المدة بعشرة أيام على الأقل .

رابعًا : يكاد التاريخ الدستورىُّ فى العالم بأسره أن يخلوَ من سوابق يمكن الاستناد إليها فى هذا الصدد ، و حتى بافتراض وجودها أو وجود آراءٍ شاردةٍ تقول بغير ما قدمنا  فإن الأمر لا يعدو أن يكون محض افتراضاتٍ أو تجارب عرضيةٍ  يستلزم  الأخذ بها إرادةً شعبيةً جديدةً تُقر امتداد ولاية الرئيس بمقدار المدة التى أوقفَت فيها ولايته ، هذه الإرادة الشعبية فى الوقت الراهن متشرذمةٌ فى أكثر من اتجاهٍ بين مؤيدٍ ومعارضٍ ؛ ذلك أن العقد الاجتماعىَّ كسائر العقود الأخرى لا يتم تعديل أحكامه إلا بموافقة طرفيه معًا واجتماع إرادتيهما سويًّا على ذلك التعديل .

خامسًا :  وفقًا لقاعدة ” العقد شريعة المتعاقدين ” فإن العقد ينتهى بانتهاء المدة المتفق عليها فيه ، و لا يمتد إلى مدةٍ أو مددٍ أخرى إلا بالإرادة الصريحة أو الضمنية لطرفيه ، و على سبيل المثال : إذا طرأ ما يحول دون انتفاع المستأجِر بالعين المؤجَّرة  بعد أن مكنه المؤجِّر من الانتفاع بها  كأن مرض المستأجِر أو سُجِن أو اختُطف أو تعرض له من يدعى حقًّا يناقض حقه مثلًا ، فإنه لا يحق للمستأجِر المطالبة بامتداد العقد بمقدار المدة التى لم يستوفِ فيها منفعته بالعين المؤجَّرة طالما أن المستأجِر مكنه ـ بالفعل ـ من استيفائها ، و حتى إن كان المستأجر قد فوت عليه استيفاء المنفعة بالعين المؤجَّرة مدةَ العقد أو جزءًا منها  فإنه لا يحق له إلا المطالبة بفسخ العقد أو انقاص الأجرة أو التعويض عما لحقه من أضرار .

و لا يمكن لأحدٍ أن يدعى ـ على غير الحقيقة ـ أن الشعب هو من فوت على الرئيس المنتخب القيام بمهام وظيفته منذ وقوع الانقلاب حتى يومنا هذا ثم يطالب بامتداد مدة ولايته بمقدار تلك المدة مستندًا إلى أحكام العقد الاجتماعىِّ ؛ لأنه بالإضافة إلى عدم جواز ذلك وفقًا للقواعد العامة التى تحكم الالتزامات الناشئة عن العقود فإن الشعب ـ و إن كان لم يَحُل بين الرئيس و بين مباشرة مهام وظيفته ـ إلا أنه يمتلك الحق فى إنهاء العقد الاجتماعىِّ بينه و بين من انتخبه فى أى وقتٍ يشاء دون أن يكون فى ذلك مساسٌ بأحكام العقد ، فالعقد الاجتماعىُّ وان اشترك مع باقى العقود فى أحكامها إلا أنه ينفرد بأحكامه الخاصة  التى تجعل طرفيه و هما : الشعب و الرئيس ليسا فى منزلةٍ متساويةٍ كما هو الحال فى معظم العقود ،  إذ يبقى للشعب حقه الكامل فى إنهاء العقد فى أىِّ وقتٍ شاء ، و تكون له الكلمة العليا دائمًا أبدًا

فإذا كان الرئيس مرسى قد بدأ مدة ولايتة المحددة وفقًا لسندٍ دستورىٍّ بأربعة أعوامٍ ميلايةٍ فى 30 يونيه 2012 ، و كانت هذه المدة من المدد التى لا يعتريها الوقف أو القطع فإنه من المحتم أن تنتهى ولايته فى 30 يونيه 2016 ،  و ليس أمام الرئيس مرسى أو من يفوضه أو من يقوم مقامه لتفادى ذلك الوضع غير العادل إلا أن يصدر إعلانًا دستوريًّا يمدد به ولايتة ليس فقط بمقدار المدة التى حِيل بينه و بين مباشرة سلطاته فيها و لكن للأجل الذى يراه مناسبًا استنادًا إلى أن العقد الاجتماعىَّ يخول له هذه السلطة فى ظل غياب الشرعية الدستورية و حلول الشرعية الثورية محلها .

سى

لقد أبلغتُ الثوار فى الخارج و فى الداخل بما سقتُه سلفًا منذ ما يزيد على سبعة أشهر مضت ، و أشرتُ إلى أن الرئيس حين يصدر إعلاناتٍ دستوريةٍ إنما يستند إلى حقٍّ أصيلٍ له خوله إياه العقد الاجتماعىُّ استنادًا إلى الشرعية الثورية لثورة الشعب التى مازالت مستمرةً تقرع كل بابٍ بعدما سقط دستور 2012 بفعل الانقلاب الذى قوض ـ  أيضًا ـ مؤسسة التشريع فى الدولة ، و لاسيما أن الثوار على اختلاف مشاربهم المؤيد منهم و المعارض لاستمرار مرسى يتفقون على شئٍ واحدٍ ألا و هو أنه الرئيس الشرعىُّ المنتخب .

و أوضحت للجميع ـ ليتحمل كلٌّ مسئوليته ـ أن شرعية الرئيس تستند إلى الإعلان الدستورىِّ الصادر فى 30 مارس 2011 ،  و أن الإقرار بسقوط دستور2012 لن يُغيِّر من الأمر شيئًا ؛  ذلك أن المُستقر عليه فى الفقه الدستورىِّ أن الدساتير كما تسقط بفعل الثورات و هى مشروعةٌ كحقٍ أصيلٍ للشعوب تسقط  ـ أيضًا ـ بفعل الانقلابات العسكرية و هى بالطبع أعمالٌ إجراميةٌ غير مشروعةٍ   .

فالانقلابات العسكرية إذا كانت  تتسم  بافتقارها إلى الشرعية و بأنها أعمالٌ إجراميةٌ منعدمة الأثر من الناحية القانونية إلا أنها من الناحية العملية لا يمكن تجريدها من كافة آثارها المادية التى تترتب على وقوعها ، فمثلًا : يتساوى القاتل مع الجلاد ” عشماوى ” فى أن كليهما يزهق روحَ إنسانٍ حىٍّ  ، بيد أن سلوك الأول مجرمٌ غير مشروعٍ فى حين أن سلوك الثانى مشروعٌ قانونًا ، و رغم اختلاف سلوكيهما من حيث المشروعية إلا أن النتيجة فى أرض الواقع واحدةٌ ، فسواءٌ أكان سلوك القاتل مشروعًا أم غير مشروعٍ  فإن إزهاق الروح يقع ـ بالفعل ـ  من كليهما على حدٍ سواء ، كذلك فإن دستور 2012 ـ وفقًا للفقه الدستورىِّ السائد ـ يكون قد سقط كأثرٍ عملىٍّ لانقلابٍ غير مشروعٍ من الناحية القانونية  تمامًا كما يقع إزهاق روح القتيل نتيجة سلوك القاتل الإجرامىِّ غير المشروع ، فالسلوك غير المشروع وإن تجرد كليةً من آثاره القانوية إلا أنه من الناحية العملية من الممكن أن تترتب عليه آثارٌ ماديةٌ لا يمكن إنكارها أو تلافيها .

 فإذا كنا فى البداية قد تربصنا بعض الوقت للإقرار بذلك كما يتربص القاضى عن القصاص من القاتل بغية التحقق من وفاة ضحيته التى قد تتلبس بها الروح بعض الوقت  فإننا بعد كل تلك المدة الطويلة من المفترض أن نكون قد تأكدنا أن دستور 2012 قد أصبح جثةً هامدةً لا حياة فيها ، و لا يمكن أن يعود إلى الحياة إلا بميلادٍ جديدٍ تأتى به إرادةٌ شعبيةُ جديدةُ لا نملكها الآن .

الشعب

إن تفويت الثوار الوقت حتى تاريخ انتهاء ولاية الرئيس مرسى فى 30 يونيه القادم اكتفاءً بالخوض فى جدلٍ قانونىٍّ لا يقوم على أساسٍ سليم سوف يضع الشرعية فى مأذقٍ كبيرٍ قد لا يكون من اليسير الخروج منه ، و ذلك للأسباب الآتية :

بانتهاء مدة ولاية الرئيس مرسى قانونًا سوف تسقط عنه كافة صلاحياته ومكناته القانونية بما قى ذلك حقه فى إصدار إعلاناتٍ دستوريةٍ تمكنه من تمديد مدة ولايته لمجابهة الظروف الراهنة .

   سينحصر النزاع على الشرعية بانتهاء ولاية الرئيس مرسى  فيما بين الانقلاب والشعب دون أن يكون لأنصار الشرعية الحق فى الاستناد إلى شرعيتة للمطالبة بعودته لمنصبه كرئيسٍ شعبىٍّ منتخبٍ ، وإذا ما سعى أنصار الشرعية للمطابة بذلك باعتبار أنهم مواطنون من أبناء الشعب سيواجهون اعتراضًا على مطالبهم أنهم لا يمثلون الشعب ليتحدثوا باسمه ، و فى النهاية سيبقى النزاع دائرًا بين انقلابٍ باطشٍ وشعبٍ مقهور .

قد لا يكون من الحلول متاحٌ أمام الثوار بعد 30 يونيه 2016 للإبقاء على مرسى سوى الحصول على إرادةٍ شعبيةٍ جديدةٍ يُعبِّر عنها غالبية الشعب و هذا من الناحية الواقعية غير متاحٍ فى الوقت الراهن أو قد يكون صعب المنال ، و فيه ما فيه من إثارةٍ للجدل والشقاق بين مؤيدٍ لاستمرار مرسى و معارضٍ لذلك .

استنفاد الوقت حتى زوال ولاية مرسى لن يأتى فى صالح الثوار جميعًا سواءٌ منهم من يرغب فى استمراره أو من يرفضه ، ذلك أنه بزوال شرعية مرسى ستفتقد الثورة أحد أهم أدواتها القانونية التى تستخدمها فى مجابهة قوى الظلام  ، لأن الانقلاب سيصبح كمغتصبٍ لعقارٍ فقد صاحبه سند ملكيته ، و بالتالى سيستمر وجوده غير المشروع  طالما بقى صاحب السلطة الشرعية عاجزًا عن إثبات حقه بتضييعه السند المثبت له أو بتفويته الوقت المسموح له باستخدام حقه فيه ، و لعل خوف النظام الحاكم فى مصر من إقدام مرسى على إصدار إعلانٍ دستورىٍّ يمدد بموجبه مدة ولايته هو الذى حال دون ظهوره فى جلسات محاكمته الأخيرة .

لقد غاب عن الثوار أن ناموس الكون يجعل كل شئٍ فى الوجود عدا الخالق سبحانه موقوتًا بزمنٍ محدودٍ لا يتعداه ، وأن لكل أمرٍ أجلًا بالغه لا محالة ، فإذا كان الإنسان ذاته إلى زولٍ ببلوغ أجله الذى قدره له الخالق العليم ، فهل يظن أحدٌ أن شرعية مرسى سرمديةً خالدة ؟ لقد أضاع الثوار كل الفرص التى أتيحت لهم ظنًا منهم أن  الزمان سيتوقف انتظارًا لحراكهم عند اللحظة التى وقع فيها الانقلاب على مرسى ، و حسبوا أن الغد سيكون مثل الأمس و كأنهم أخذوا على الله ميثاقًا بذلك ، و اليوم يحاولون ـ عبثًا ـ أن يتشبثوا بأذيال الزمان المهرول بغية إيقافه ، و الحقيقة أن الزمان لم يتوقف قط إلا فى خيالهم  و أحلام يقظتهم .    

#المستشارعمادأبوهاشم 

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى