ثقافة وادب

مدينة الرقص على الجثث.. فاراناسي مدينة هندية مقدسة لدى الهندوس يقصدها الناس للموت!

تعتبر مدينة فاراناسي الهندية واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم منذ ما يقرب من ألف عام قبل الميلاد، إضافة إلى كونها مدينة مقدسة لدى الهندوس، يقصدونها للتخلص من خطاياهم والموت فيها.

كما أن الموت في فاراناسي ليس مجرد عبور هادئ للروح من عالم إلى آخر، لأن الموت في تلك المدينة مرتبط بتقاليد اجتماعية صاخبة، وفق موقع BBC البريطاني.

تقع المدينة المقدسة على ضفاف نهر “الغانج” في ولاية “أوتار براديش” شمال الهند.

ويعود تاريخها إلى آلاف السنين منذ عصر الحضارة السومرية، لكن المدينة إلى يومنا هذا لا تزال تعيش بمعزل عن التطور المرتبط بأي مدينة في القرن الحادي والعشرين، والسبب هو أنها تعتبر المدينة الروحية للديانة الهندوسية.

إذ كرَّست فاراناسي نفسها لأن تكون “مدينة الموت”، فالموت فيها يعتبر فناً يدعو إلى الاحتفال، وتقليداً للعبور من جانب لآخر، لدرجة جعلت شوارعها تمتلئ بالأشخاص الذين يمارسون تقاليد متعلقة بالموت.

وسبب شهرة هذه المدينة بين أتباع الديانة الهندوسية كوجهة للموت، هو إيمانهم بأن إحراق جثثهم فيها سيحرر أرواحهم، ويجعلها جزءاً من الروح الإلهية الخالدة في النعيم. وتبدأ رحلة تحرُّر الروح تلك على عتبات الدرج الذي يقود إلى نهر “الغانج”، حيث توجد المحارق التي تُستعمل في الجنازات.

يؤمن الهندوس بأن مدينة فاراناسي هي المدينة الأكثر قدسية على وجه الأرض، إذ يعتقدون أن أمراء باندافا الخمسة، وهم أبطال المعركة التي روتها أسطورة الماهاباتا القديمة، سافروا إلى فاراناسي بعد انتصارهم في حرب طاحنة ضد أولاد عمومتهم؛ من أجل التطهر من خطايا الحرب.

لذلك يقْدم الهندوس على السفر إلى هذه المدينة منذ قرون؛ بحثاً عن التحرر من الخطايا.

وقد ورد في النصوص الهندوسية المقدسة أن من يموت على أراضي هذه المدينة وتُحرق جثته على ضفاف نهر “الغانج” المقدس، يحقق الخلاص ويتحرر من دورة الميلاد والموت.

على الرغم من أن نهر “الغانج” واحدٌ من أكثر الأنهار تلوثاً في آسيا، فإنه لا يزال يمثل النقاء والطهارة للهندوس الذين يأتون إليه من مختلف مدن الهند للتحرر من الخطايا، إذ يعتقدون أن ماء النهر، الذي عكَّرته الفضلات الصناعية والبشرية حتى صار رمادياً، يغسل خطايا المذنبين، حتى من اقترفوا أحط أنواع الآثام.

بينما تقام مراسم حرق الجثث في المحرقة على السُّلم المؤدي إلى النهر، على مدار اليوم.

لذلك فإن أكثر ما يثير الاستغراب هو رؤية النساء والأطفال والرجال يبدأون في الرقص والاستحمام، بالوقت ذاته الذي يتم فيه حرق الجثث على أعتاب الدرج الذي يقود إلى نهر “الغانغ”، في طقس غنائي.

فليس من الغريب رؤية مجموعة من المراهقين وهم يلتقطون صورة “سيلفي” أمام بقايا جثة تحترق، أو سماع نساء يغنين وهن يغسلن الملابس على أعتاب الأدراج على ضفة نهر “الغانغ”.

حتى في أمور الموت توجد تجارة أيضاً، وتعتبر رائجة جداً في هذه المدينة الغريبة.

فعلى سبيل المثال، توجد في فاراناسي فنادق مخصصة للأشخاص الذين هم على “فراش الموت”، مثل فندق “كاشي لاب موكتي بافان”، الذي لا يقبل سوى النزلاء الذين من المتوقع أن يوافوا منيتهم في فترة لا تتجاوز 15 يوماً، وهو ما يعني أن الفندق يوفر، حرفياً، أسرّة للموت.

وتؤوي هذه الفنادق الرجال والنساء الذين جاؤوا للعيش والموت في المدينة، ويطلق على هذه الدُّور اسم “دُور الخلاص”.

يقول كيه أغاروال، مدير العمليات في فندق يدعى “دار المرضى”: “نتلقى آلاف الطلبات سنوياً، لكن بالنظر إلى العدد المحدود من الغرف التي يشغلها أحياناً بعض النزلاء سنوات، نعطي أولوية للأشخاص الأكثر احتياجاً للمساعدة، بعد التأكد من أنهم قادرون على تحمُّل نفقاتهم الشخصية ولديهم أقارب يعتنون بصحّتهم ويتولون إجراء مراسم حرق الجثة بعد موتهم، ولا نقبل أي شخص تحت سن 60 عاماً”.

ويدفع النزيل تبرعاً قيمته نحو 100 ألف روبية، وهو ما يعادل 1400 دولار أمريكي بحسب إمكاناته المادية، في المقابل تُخصَّص له غرفة في النُّزُل يقيم بها حتى مماته.

وهذا المبلغ لا يتضمن الطعام أو الرعاية الصحية، إنه سعر الغرفة فقط!

وتقبع دار ضيافة أخرى في أحد أزقَّة مدينة فاراناسي، تُدعى “دار التحرر”، ويقول حارس الدار، نارهاري شوكلا: “هذا ليس فندقاً؛ بل يأتي الناس إلى هنا للتكفير عن ذنوبهم، ويعيشون حياة خالية من مظاهر الترف، مثل أجهزة التكييف”.

ولا يُسمح للنزيل بالإقامة في هذه الدار أكثر من 15 يوماً، بعدها تطلب الإدارة منه الرحيل إن لم يوافه الأجل.

ويدفع النزيل 20 روبية، أي ما يعادل ربع دولار يومياً؛ لتغطية تكاليف الكهرباء، وعليه أن يقضي وقته في العبادة، ويوجد معبد صغير ملحق بالدار ينشد فيه المُصلون ترانيمهم يومياً.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى